«الإنسان العظيم –حقا- هو ذاك الذي يحاسب نفسه ويراجع أفكاره ومواقفه بكل صلابة وموضوعية، محاولًا بذلك اختراق الحواجز والجدر المضروبة بينه وبين أخيه الإنسان، إذا كان من الطبقات التي تعبد الترف والنعيم وتتهافت وراء الألقاب والكراسي، وفك الارتباط بينه وبين أخيه الإنسان الكادح المستَغَل الذي يخيل لهم – لبعدهم عنه – أنه خُلق لخدمتهم ومشبعًا لنزواتهم، هو ذاك الذي يحاول – مخلصًا – سماع أنين المرضـى ليخفف عنهم آلامهم ما استطاع، وحديث المعدمين وضحايا الاستغلال ليساعدهم ما أمكن».

كما أردف يقـول «الإنسان العظيم هو من يود رؤية الكـادحين المعذبين في الأرض على حقيقتهم – لا كما يصفهم الأسياد – حفاة عراة، منهوكي القوى ذليلي النفوس، شاحـبي الوجـوه، غائري العيون، يابسي الشـفـاه، مـعذبي الضمائر، فيـرتمي في أحضانهم بكل قواه العقلية والجسمية ليساعدهم ويساهم في رفع الاستغلال الطـبقي عنهم إن كان في وسـعـه ذلك
أو يشعرهم على الأقل بالتعاطف مـعـهـم».

من هذا البسط الموجز، وعلى ضوء هذا المفهوم للإنسان العظيم نلج إلى الأديب العبقري «ليو تولستوي» وإلى حياته، هذا الفذ الذي حمل آلام وآمال الطبقات الكادحة في قلبه وأوقف جلّ حياته وماله للفقراء والبائسين، ودافع طويلًا عن الناس وعن ضرورة المساواة بينهم وإحلال المحبة والسلام والإخاء بينهم.

ولد تولستوي عام 1828م ودخل الجندية صغيرًا حيث ترقى إلى رتبة ضابط.
-1 مرحلة الأرستقراطية: كان «ليو تولستوي» في أولى مراحل عمره يحمل نظرة أرستقراطية حيث كان لا يرى غير قوة أعصابه وعضلاته وحيويته،كباقي الشباب الذي يمجد المظاهر ويغوص في الملذات، لا شيء يقف أمامه ليمنعه من عيش الترف في شتى حُلَلِهِ غير آبهٍ لا بِعُرفٍ ولا معتقد.
تمتع بكل الملذات -مهما كان نوعها- جائزها وممنوعها وكان كل ذلك على حساب الفقراء والمساكين الذين كبّلـتهُم قيود الإقطاعيين وحالت حاجزًا لهم، فلا حياة كريمة ولا حرية بل تقاليد مُجْتمعٍ مُتـزمِّـت جائر .
وكان تولستوي يشارك طبقة الأرستقراطيين تعجرفهم فيحتقر الفلاحين لأنه يراهم عبيدًا، همُّـهُم الوحيد خدمة الأسياد.

-2 مرحلة الإشتراكية: تلك التي عرفت تغييرًا وتحولًا جذريًا وعميقًا وتبدلت فيها نظرته للواقع الاجتماعي فصار يؤمن بأفكار جديدة ورؤية ثاقبة جديدة للحياة وللكون وصيرورته.
ومن الأسباب والمؤثرات التي غيرت آراءه على حد قول أحد النقاد:
«… وكانت تلك الأزمات الجثمانية -الشهوة الجنسية العارمة- أزمات نفسية وفكرية هي التي بدلت شخصية تولستوي تماما، وهي التي ساقته إلى محاسبة نفسه وفحص ضميره والتأمل في حياة الشهوة والترف التي يحياها والنظر إلى بيئته والناس والكون بعين جديدة وعقل جديد».

فلم يعد الرجل يحتقر الفلاحين ولم يعد يستهين بالمعتقدات الدينية والقيم الأخلاقية النبيلة عندما اتّضحت الرؤية وأزيلت الحواجز، فأصبح تولستوي ثائرًا على الأوضاع الاجتماعية والسياسية والعقائدية، فأخذ ُيقوِّضُ الأفكار ويهدمها ويبني لأخرى ولمفاهيم جديدة أكثر واقعية، فظهر تأمُّله العميق للتعسف والظلم الذي كانت تتعرض له الطبقات الشعبية المحرومة على يد الإقطاعيين، فالسجون يراها تعج بالمظلومين، والحكومة جهاز قهر واستبداد، تأمُّـلُـهُ هذا جعله يقول صارخًا:
«لقد سرقت ثروتي من عرق الفلاحين واستبحت أعراض نساء كثيرات، كذبت وسرقت وزنيت وظلمت، أما الفن والأدب فقد أحببتهما لا من أجل فائدة الناس بل لأظفر بمجد وأضاعف ثروتي، وهكذا خنقت في صدري كل ما هو طيب وانحدرت إلى أعماق الخطيئة».
تولستوي الشاب ليس تولستوي الكهل والشيخ، أعماله ستكشف تقييمه الجديد، ومن أبرز ثلاثة أعمال خالدة لـه وأهمها ثلاث روايات هي:

«أنـا كـارنـيـنـا» وهي قصة تروي مأساة امرأة معذبة خرجت عن تقاليد الأسرة ووقعت هناك حائرة تائهة تتخبط بين الرغبة في العودة إلى رحاب الأسرة والأمومة وبين نداء الحب- صدرت سنة 1887.

« الـحـرب والسلـم» وهي ملحمة تصور شعبًا ثار كالعاصفة لكبح المعتدي.

وفي هاتين القصتين يعتمد أسلوب الملاحظة والتأمل العميق في المظاهر الحياتية المتباينة التي وصفها من الخارج بأسلوب شيق بارع ليجلي تفاصيل الصورة للقارئ، بحيث يشعره بما يختلج في خلد البطل من أفكار وعواطف خيرها وشرها.

أما العمل الأدبي الثالث فهي رواية «البعث» الصادرة سنة 1899 وتروي مأساة رجل «نيخلودوف» من الطبقة الأرستقراطية يسطو تحت تأثير الشهوة الجنسية العارمة، على حساب امرأة ينال منها مبتغاه، فتطرد من عملها بعد أن تبين أنها حامل، فامتهنت البغاء مكرهة، وتُقدم مرة للمحكمة لاتهامها بقتل أحد زبنائها، ويكون الرجل الذي تسبب في تعاستها ضمن المحلفين في المحكمة، وهنا يشعر بما اقترفه من بشاعة وقسوة وظلم.

وقد صور أوضاعًا صارخة ومتدهورة ووصف يقول عن رجال السـلـطة:
«… حـقا إن هـؤلاء النـاس لفظيعون، إنهم أفظع حتى من قُطّـاع الطـرق، فقاطع الطريق يـمكن أن يرحـم أحيانًا، أما هـؤلاء فلا يـرحـمـون».

وحارب تولستوي الاستغلال والفوارق الطبقية التي تعمق الهوة بين الفقر والغنى فيقول على لسان أحد أبطال الرواية
«رواية البعث» نيخلودوف:

«إنه لمن الجلي أن فقر الشـعب -أو على الأقل- السبب الرئيسي لفقره أن الأرض التي تطعمه ليست في يديه، وإنما بيد أناس يستفيدون من حق امتلاكها، ويعيشون على كدح الشعب».

انحاز تولستوي إلى الطبقة الكادحة، وانتصر لها واستمر في الانتصار لها، كما اعتزل كل ترف في حياته وكما قال
«لـيس أمامي سوى الفرار.. سـاعدنـي يا إلهي.. سأترك جـميع الذين أحبهم وأنصرف إليك وحدك».

وخرج تولستوي هائمًا وتوفي في محطة القطار، وكان ذلك في اليوم السابع من نوفمبر 1910 تاركًا وراءه إرثًا أدبيًا وصرحًا فكريًا إنسانيًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد