إن علاقة جوته بالإسلام وبنبيه محمد – صلى الله عليه وسلم –  ظاهرة من أكثر الظواهر مدعاة للدهشة في حياة الشاعر، فكل الشواهد تدل على أنه كان في أعماق نفسه شديد الاهتمام بالإسلام. وأن معرفته بالقرآن الكريم كانت أوثق من معرفته بأي كتاب من كتب الديانات الأخرى.

ولم يقتصر اهتمامه بالإسلام وتعاطفه معه على مرحلة معينة من حياته، بل كان ظاهرة تميزت بها كل مراحل عمره الطويل؛ فقد نظم وهو في سن الثالثة والعشرين قصيدة رائعة أشاد فيها بالنبي العربي الكريم. وحينما بلغ السبعين من عمره أعلن على الملأ أنه يعتزم أن يحتفل في خشوع بليلة القدر، تلك الليلة المقدسة التي أنزل فيها القرآن على النبي. وبين هاتين المرحلتين امتدت حياة طويلة أعرب الشاعر خلالها بشتى الطرق عن احترامه وإجلاله للإسلام. وهذا ما نجده قبل كل شيء في ذلك الكتاب الذي يُعد – إلى جانب فاوست – من أهم وصاياه الأدبية للأجيال القادمة. ونقصد به الديوان الشرقي.  بل إن دهشتنا لتزداد عندما نقرأ العبارة التي كتبها في إعلانه عن صدور هذا الديوان، وقال فيها إنه هو نفسه لا يعارض أن يقال عنه إنه مسلم.

وإذا تساءلنا عن أسباب هذا الموقف الإيجابي الرائع من الإسلام، فينبغي علينا بادئ ذي بدء أن نذكر بأن الظواهر الدينية قاطبة كانت تحظى دائمًا باهتمامه الشديد، وأن مجمل نشاطه كان يقوم على دوافع ومعتقدات دينية خالصة. أما عن الإسلام، فلا ريب في أن اهتمامه به قد ارتبط بمساعي عصره وتوجهاته. فحركة التنوير التي سادتها فكرة التسامح، رأت أهم واجباتها أن تبين قيمة الأديان الأخرى غير المسيحية. ومن ثم بدأت أنظار دعاة التنوير تتجه إلى الإسلام؛ لسبب بسيط، وهو أنهم كانوا أكثر إلمامًا به. ولأن معرفتهم في ذلك الحين بديانات الهند والشرق الأقصى لم تصل إلى الحد الكافي للكشف عن حقيقتها الفعلية.

ولا خلاف في أن جوته قد شارك منذ البداية بعض مفكري حركة التنوير في نظرتهم المتفتحة وروحهم المتحررة. وتشهد بذلك حرارة عباراته التي تنطق بتمجيده له. وإذا أردنا تقدير ما تنطوي عليه هذه العبارات من صلة حميمة وصلابة وشجاعة؛ فيتعين علينا أن نعترف – ولوعلى وجه التقريب – على موقف معاصري الشاعر من الإسلام ومدى فهمهم وإنصافهم له.

كما يتعين علينا أن نتمثل الظروف التاريخية التي يمكن أن تكون قد أثرت على تصورات غوته عن الإسلام ومشاعره تجاهه ومدى اهتدائه لهذه التصورات والمشاعر بوحي من إحساسه وتفكيره الخاص.

لقد اتخذ الغرب بوجه عام طيلة الفترة الواقعة بين القرنين السابع والسابع عشر – أي على مدى ألف عام – موقفًا عدائيًا حيال الإسلام. ولم تبدأ علامات التحول التدريجي تظهر في الأفق إلا مع نهاية القرن السابع عشر؛ لأن الصراعات التي لا حصر لها بين الإسلام والمسيحية لم تكن تسمح بأية نظرة موضوعية بعيدة عن التحيز.  ويكفي أن نذكر هنا أن الأتراك كانوا في عام 1683 لا يزالون يقومون بآخر حصار لهم لمدينة فيينا.

وإذا كانت قد ظهرت منذ الحروب الصليبية ترجمات للقرآن الكريم في أوروبا، فإن هدفها لم يكن هو التعريف بالإسلام، بل محاربته والهجوم عليه.  وينطبق هذا أيضًا على الكتابات الأوروبية عن السيرة النبوية الشريفة إذ انطوت كذلك على العداء الشديد. ومعنى هذا أن العصور التي سبقت عصر غوته قد اتسمت باتخاذ مواقف عدائية من الإسلام والمؤمنين به يمكن رده في المقام الأول إلى الخوف الواسع من الأتراك.

وفي عام 1647 ظهرت أول ترجمة للقرآن الكريم تتصف بشيء من الحيادية، وهي الترجمة التي قام بها القائم بالأعمال الفرنسي في مصر – أندريه دوروبيه – من العربية إلى الفرنسية مباشرة. واستفاد جوته فائدة كبيرة أثناء كتابته: الديوان الشرقي، من هذه الترجمة التي طبعت ثماني مرات.

ومن الترجمات المختلفة للقرآن التي كان الهدف منها أن ينتفع بها المبشرون في صراعهم العقائدي مع الإسلام. وكان غوته قد عكف إبان دراساته القرآنية المبكرة على التعمق في هذه الترجمة، كما تأثر بها في إنتاجه الأدبي تاثرًا كبيرًا. وفي بداية القرن الثامن عشر نشر بيير بايل معجمه التاريخي الواسع الانتشار. وكان غوته في صباه قد عثر على معجم بايل التاريخي في مكتبة أبيه؛ فشعر بسبب شغفه الجامح بالمعرفة بانجذاب شديد إليه. وفي هذا الحين نشر بارتيلمي دربيلون موسوعته: المكتبة الشرقية. وعلى الرغم من غزارة المعلومات التي وردت عن بلدان الشرق، إلا أنها اتسمت بعدم الإنصاف حيال الإسلام.

وقد استفاد جوته من المكتبة الشرقية فترة طويلة من الزمن، وبصورة متكررة، كما استقى منها الكثير من المعلومات العلمية والإلهامات الشعرية إبان مرحلة: الديوان الشرقي.

و آخرها كتب غوته مقتبسًا من القرآن

تحت عنوان تمائم:

لله المشرق

لله المغرب

الأرض شمالًا، والأرض جنوبًا

ترقد آمنة بين يديه.

…………………………………

هو، لا أحد سواه، العدل

ويريد لكل الناس العدل

من أسمائه المائة أجمعين

سبحوا بهذا الاسم المكين

آمين!

………………………………..

يريد الضلال أن يربكني ويغويني،

لكنك تعرف كيف تهديني.

فإن قمت بعمل أو نظمت الأشعار

فاهدني أنت سواء السبيل.

………………………………

ما فكرت في شأن من شؤون دنياي

إلا وخرجت منه بالنفع العظيم.

ومهما حدث فالروح لا تتناثر كالغبار

لأنها في أعمق أعماقها ترتفع إلى أعالي السماء.

……………………………..

في التنفس نعمتان:

نعمة الشهيق ونعمة الزفير

تلك تضيّق الصدر، وهذه تنعشه

فما أعجب المزيج الذي تتألف منه الحياة!

اشكر ربك في الضراء (وعند العسر).

اشكر ربك في السراء (وعند اليسر).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد