اخترت كلمة «متلازمة» من الحقل الطبي التي هي عبارة عن مجموعة من الأعراض والعلامات Signs and symptoms التي تصف بمجموعها مرضًا معينًا أو اضطرابًا نفسيًا أو أية حالة غير طبيعية، إن كلمة «متلازمة Syndrome» في الأصل مشتقة من الكلمة اليونانية «sundromos» والتي تعني التزامن، أي أن ظهور المرض يكون متزامنًا مع ظهور الأعراض.

وقد استعملتها للتعبير عن ثنائية المثقف/ السلطة التي تتداخل فيما بينها فكل منهم ضروري لقيام «مؤسسة» سواء دولة أو حضارة قديمًا ويتجسد هذا الصراع عبر مراحل تاريخية وأمثلة عن ذلك كثيرة وعديدة.

المثقف والثقافة في نظر «غرامشي»

ومن تعريف أكثر شمولية على سبيل المثال يحاول غرامشي تبيين من يقومون بوظيفة المثقّف أو المفكّر فيقسمهم إلى قسمين: المثقّفون التّقليديّون حيث يضمّ الأوّل الكهنة والمعلّمين والإداريين… الذين – حسب غرامشي – يقومون بنفس وظيفة التّفكير يومًا بعد يوم وعامًا بعد عام وجيلًا بعد جيل، بمعنى وظيفة التّفكير غير المتجدّدة. أمّا الثّاني فيسمّيهم المثقّفين المنسّقين والذين يرى غرامشي أنّهم مرتبطون ارتباطًا مباشرًا بالطّبقات التي تستخدم المثقّفين في تنظيم مصالحها واكتساب مزيد من السّلطة والرّقابة.

والمثقف الاجتماعي أو كما يسميه غرامشي المثقف العضوي ليس الحامل لثقافة عامة ولحمولة معرفية تخص مجالًا أو ميدانًا، أو له شغف بالقراءة أو بالكتابة. بقدر ما هو الشخص المتشبع بفكر التنوير والقيم الإنسانية ويمتلك وعيًا جماهيريًا يعتبر الوعي المعرفي قناعة مبدئية لتغيير الأوضاع والذود عن القضايا المصيرية. وتنطلق طبيعة هذا الوعي الرافض لكل أشكال الاستبداد من اكتساب الوعي الطبقي أو الهوياتي… كمرجعية فكرية للتصور الاستراتيجي في مغزاه الطبيعي والذي هو تحرير الإنسان من كل الإكراهات وتحقيق سعادته من خلال الالتزام الفكري للمثقف الاجتماعي والحامل لأفكار بسيطة جدًا. لكن قادرة على إثبات سلطتها أمام جبروت فكري عنيد تهزمه الجماهير في نهاية المطاف، وهي الوسيلة الوحيدة القادرة على ردع اللامرغوب فيه.

وهذا المثقف حتمًا يكون حداثيًا بامتياز يناضل من أجل الجماهير التواقة للانعتاق عبر تكريس قناعاته الفكرية على مستوى الشارع لا على مستوى المقاهي. فمن أجل مجتمع تنويري لا بد من مثقف نزيه والذي نعثر عليه في العمل الجمعوي وفي العمل النقابي والحقوقي، وفي كل أشكال التضامن الشعبي المطلوب لتخليق الحياة العامة من الفحش السياسي. وهذا هو دور المثقف في التحول الاجتماعي والتغيير السياسي بعد معارك نضالية طويلة الأمد.

وإن قناعاته وفهمه للفكر على الطريقة الوجودية جعلته يخاف على الجماهير وعلى قضاياها، ليؤمن في نهاية المطاف أن الفكر سيشكل سلطة مع السند الجماهيري وهو الذي سيكنس الليبرالية الوحشية والطغمة الليبيرالية التي لا ترى في الفرد غير القوة الجسمانية للزج به في المناجم وتحت القناطر.

فهذا المثقف الذي يقلق السلطة هو الحامل لفكر تعبوي وفلسفة تحريضية وتمردية حينما يبلغ المجتمع ذروة التفسخ والجهل والاستهتار. لتبقى الثقافة الأداة الوحيدة للاحتجاج والاعتصام رغم جحافل القمع. والمثقف الجماهيري غير موالٍ للسلطة لأنه يسعى لتغييرها ولا يرى فيها غير أداة قمعية رغم كل الخطابات المعسولة. فحين تتقوى جبهة الأنتليجنسيا كما يؤكد لنا التاريخ في عدة تجارب عالمية تنحني السلطة القمعية وتدع الأمر للمجتمع المدني عبر مؤسسات نزيهة وشفافة والذي يكون وقت ذاك قد تأثر بالفكر التحرري والوعي الجماهيري الذي قاد مشعله المثقف الجماهيري الذي حاول أن يؤثر في الوسط المقموعين عبر ثقافة إشعاعية تلامس واقعهم وطموحاتهم. والذي حاول أن لا يكون أقل من صوت احتجاجي جماهيري على الأقل.

إن المثقف العضوي هو جاوز البيت والعائلة وترفع عن الحزبوية الضيقة ومصالحه الخاصة، وانخرط في العمل الجماهيري من أجل وطن ينعم بالاستقرار والحياة الجميلة. وتفعيل الدينامية الاجتماعية على نطاق واسع رهين بتوسيع جبهة المثقفين وعموم الجماهير والكادحين وكل الحداثيين والديمقراطيين الذين يؤمنون بالاختلاف والتعددية لاكتساب القضايا المصيرية الإنسانية.

دور المثقف الحقيقي

في الوقت الذي ننادي فيه المجتمع بضرورة أن يفتح أبوابه للمثقف المبدع، وأن تفرد له المساحات الإعلامية كي يوصل صوت الحقيقة للآخرين، فإننا في الوقت ذاته نطالب المثقف سواء كان قارئًا أو كاتبًا أو فنانًا أو إعلاميًا، أن يعمّق دوره المؤثر في المجتمع من خلال ما يلي:

1- أن يكون إيجابيًا في تفكيره ومواقفه، ساعيًا إلى نشر ثقافة التفاؤل والإنتاج بدلًا من اليأس والتباكي على الأمجاد الماضية.

2- أن يمتلك حصانة فكرية قوية تحميه من أي ثقافات دخيلة، وأن يكون قادرًا على تكوين فكر مستقل خاص به، ساعيًا إلى التحليل الواقعي السليم.

3- أن يكون أمينًا في طرح المعلومة متجردًا من أي حزبية أو طائفية أو مصلحة شخصية، كل ما يحركه هو الغيرة على مجتمعه وأمته ودينه، والرغبة العميقة في تغيير واقعه إلى الأفضل.

4- أن لا ينبهر أو ينساق وراء التهويل الذي قد يجري لبعض القضايا، فيتعامل مع الأحداث بموضوعية، ولا يعطي الأمور أكبر من حجمها، ويسعى إلى تحري الحقيقة أينما كانت، لأنه مؤتمن على إيصالها للآخرين.

5- أن يطرق القضايا الحقيقية التي تلامس أوجاع الأمة، وتحدث تغييرًا فعليًا في عقلية المتلقي، ويحذر من السير وراء القضايا التافهة التي لا يهمها سوى الإثارة الإعلامية، وتغييب العقل العربي وراء اهتمامات تصيبه بالخدر والتبلد.

6- أن يقرأ التاريخ قراءة صائبة محللة، فالتاريخ كما يقولون يعيد نفسه، حتى يستطيع أن يستشف من تلك الوقائع التاريخية ما قد تصل إليه أمتنا في هذه المرحلة الحاسمة، وأن يتحرك على ضوء ما يفهم للتغيير والإصلاح.

7- أن يمسك زمام المبادرة في توعية المجتمع، من بث روح الحماسة والتفاعل مع القضايا، بمعنى أن يحمل همّ الأمة بكل سلبياتها وتفعيل دور الأسرة والتعليم فهما عمودا قيام المجتمع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أدب, ثقافة, فن, مجتمع

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد