إن الحديث عن نشاط ابن باديس الإصلاحي يجرنا إلى الحديث عن جمعية العلماء التي كونها بمساعدة نخبة من رجال الفكر والإصلاح في الجزائر لكي تحمل راية الفكر الإصلاحية السلفية في البلاد على مستوى الوطن كله. ففي عام 1930 احتفلت فرنسا احتفالات صاخبة بمناسبة مرور قرن على احتلالها لعاصمة الجزائر في عام  1830، وقد اصطبغت هذه الاحتفالات الجارحة لكرامة الجزائريين وشرفهم الوطني بصبغة مسيحية استفزازية أظهرت مدى مشاعر الحقد والكراهية والبغضاء التي يكنها رجال الاحتلال ضد عروبة الجزائر وإسلامها.

وقد عملت هذه الاحتفالات على ضم صفوف المصلحين من رجال مدرسة التجديد الإسلامي السلفية في الجزائر، وجمع شتاتهم في منظمة واحدة. وبذلك ظهرت ”جمعية العلماء الجزائريين” إلى الوجود في الخامس من شهر مايو (أيار) سنة1831، وقد تولى رئاستها منذ البداية الشيخ عبد الحميد بن باديس باعتباره رائد الحركة الإصلاحية السلفية في الجزائر، واستمر يشغل هذا المنصب حتى وفاته في عام 1940، ويذكر الشيخ نائب رئيس جمعية العلماء البشير الإبراهيمي أنه ”لو تأخر ظهور جمعية العلماء عشرين سنة لما وجدنا في الجزائر من يسمع صوتنا“.

وقد عملت جمعية العلماء بقيادة ابن باديس على رأس مائة عام من الاحتلال الفرنسي للجزائر عنوانًا عن الثبات في المقاومة والكفاح ودليلًا على الصمود في الجهاد وبرهانًا على إصرار الجزائريين في الاحتفاظ بطابعهم العربي الإسلامي الذي لا يمكن القضاء عليه كما كان المستعمرون والمبشرون يحلمون في ذلك الوقت.

 ويمكن القول بإجمال أن جمعية العلماء تعتبر حركة إصلاحية سلفية من ناحية كما تعتبر حركة قومية وطنية من ناحية أخرى : فهي حركة إصلاحية سلفية باعتبارها كانت تعمل على مكافحة البدع المنافية للدين ودعوة الجزائريين إلى العودة إلى الكتاب والسنة وعمل السلف الصالح من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم في كل ما يتصل بأمور الدين.

وهي حركة قومية باعتبارها كانت تقاوم بدون هوادة سياسية إدماج الجزائر في فرنسا أو التجنيس بجنسيتها، وتطالب للجزائر بالمحافظة على طابعها القومي العام كما كانت تناضل بدون هوادة من أجل تربية الشعب و تنظيمه في منظمات وطنية كي ينهض لمقاومة الاستعمار في سبيل تحرير الجزائر وضمها إلى الأسرة العربية الكبرى التي أراد الاستعمار عزلها عنها فترة طويلة.

 نضال ابن باديس عن الشخصية الجزائرية

ولن تكتمل لنا الصورة عن دور ابن باديس في «نشأة الحركة الإصلاحية في الجزائر » وعن دوره ودور هذه الحركة في نضالها الوطني الحديث دون التحدث عن دوره في المحافظة على الشخصية الوطنية ونضاله التاريخي في سبيل تدعيم مقوماتها الأساسية التي هي: الإسلام – والعروبة – والوطنية الجزائرية كما يحددها ابن باديس، فقد بدأ ابن باديس نضاله ودفاعه عن الشخصية الوطنية قبل الحرب العالمية الأولى وواصله بدون كلل ولا ملل، كما كتب في عام 1937 مقالًا طويلًا في مجلة “الشهاب” تحت عنوان ”الجنسية القومية والجنسية السياسية“ ختمه بما يلي:

”وبعد، وقد دلت تجارب الزمان والأحوال على أننا من أشد الناس محافظة على هذه الجنسية القومية. وأننا ما زدنا على الزمان إلا قوة وتشبثًا بأهدافها. وأنه من المستحيل إضعافنا فيها، فضلًا عن إدماجنا أو محونًا“.

أما دفاع ابن باديس عن الدين الإسلامي واللغة العربية، وهما الركنان الآخران في الشخصية الجزائرية، حسب مفهومه، فالحديث عنه طويل جدًا، ويكفي أن نشير إليه إشارة فقط؛ لأن المجال لا يسمح بالتطويل.

في عام 1938 ختم ابن باديس تفسير القرآن كله خلال ربع قرن من الزمان، وأقيمت احتفالات كبيرة في قسنطينة بهذه المناسبة التاريخية العظيمة، وقد خطب ابن باديس في جماهير المحتفلين خطبة بليغة ختمها بالعهد التالي:

فقال ”إنني أعاهدكم على أنني أقضي بياضي على العربية والإسلام، كما قضيت سوادي عليها، وإنها لواجبات.. وإني سأقصر حياتي على الإسلام والقرآن ولغة الإسلام والقرآن. هذا عهدي لكم. وأطلب منكم شيئًا واحدًا: وهو أن تموتوا على الإسلام والقرآن، ولغة الإسلام والقرآن.. وقد وفى الشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله بعهده هذا حتى فارق الحياة في 16 أبريل (نيسان) 1940.

وفي الواقع فإن ابن باديس أصبح بهذه الأعمال العظيمة التي قام بها من أجل وطنه عنوانًا عن النضال المستميت من أجل الشخصية الجزائرية في العصر الحديث، ولا شك أن الذي ساعده على تحقيق كل ما حققه من أعمال جليلة في سبيل الشخصية الجزائرية ومستقبل الجزائر من تربية وتعليم – ونمط وإرشاد – وتفسير القرآن والحديث – وتكوين المدارس والنوادي والمساجد، وانشاء الجمعيات القومية كجمعية التربية والتعليم، وجمعية العلماء – وتكوين الصحافة العربية الحديثة – والذود عن التراث العربي الإسلامي للشعب الجزائري – لا شك أن الذي ساعده في تحقيق كل هذا هو إيمانه الذي لاحدود له بالمبدأ الذي كرس له حياته. وسخر له جميع مجهوداته، ألا وهو خدمة الإسلام واللغة العربية والوطنية الجزائرية، فالإيمان هو الذي جعله يتغلب على كل العراقيل، وما أكثرها التي وقفت في وجهه، سواء كانت من صنع الاستعمار وعملائه.

والإيمان هو الذي ساعده على النجاح في عمله، حتى استطاع أن يهزم خصوم القضية الوطنية وخصوم اللغة العربية وخصوم الإسلام في الجزائر، ويزيحهم جميعًا، واحدًا بعد آخر، وبذلك خرجت الشخصية الجزائرية بكل مقوماتها الدينية واللغوية والوطنية ظافرة منتصرة على أعدائها، وسارت الجزائر نحو تحقيق هدفها الكبير في الحرية والاستقلال حتى قامت ثورة الفاتح من نوفمبر (تشرين الأول) سنة 1954.

ولم يغادر ابن باديس هذه الحياة ڤي 16 أبريل (نيسان) 1940 حتى كانت الجزائر كلها تموج بنهضة عربية إسلامية واسعة النطاق والشعب الجزائري كله يردد نشيد ابن باديس الخالد:

شعب الجزائر مسلم … وإلى الـعروبة ينتسب

من قال حاد عن أصله … أو قال مات فقـد كذب

أو  رام إدمـاجًـــا له … رام المحال من الطلب

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تعليقات الفيسبوك