إن انهيار السلطة وتلاشيها بالكامل، سيعني أن القوة المهيمنة قد أفلتت من الجميع، فلم تَدُل – من التداول – من أحدٍ معين إلى معينٍ آخر؛ وهو ما سيؤدي إلى اندلاع الفوضى؛ لأن غياب القوة المنظّمة والكابحة للقوى المتصارعة، (والتي لم تكن كذلك – أي السلطة – إلا لأنها امتلكت القوة المسلحّة، أو ما يعبّر عنه ماكس فيبر باحتكار العنف)، واختفاؤها فجأةً عن مجتمعٍ ما، سيعني أن تلك القوى المتصارعة – قبائل أو أحزابًا أو جماعات أو غير ذلك – باتت مطلقةَ اليد، وستَحْتَكم إلى قوتها الذاتية لحفظ وجودها وصيانة مصالحها، فكلٌ مهددٌ الآن.

وستعتمدُ على منطقها الخاص ورمزياتها ومعنوياتها، أي ثقافتها الخاصة، في حشد أتباعها لينحازوا إليها ضد الآخرين، ومن طبيعة الانحياز أنه مزدوج؛ لأنه يتركّبُ من بُعْدين، هما: مع، وَضد.. هؤلاء الآخرون الذين سيُنظرُ إليهم – بغتةً – كما لو كانوا غرباءَ مناوئين!

وهذا يعني أيضًا تراجع وانحسار كل القيم والمبادئ التي تُشكّل ما يمكن اعتباره مصلحةً مشتركة وعامّة، لتتقدم المصالح الخاصة والجزئية، إلى أن تحلَّ محل الأولى، بل وتلغيها، متساوقٌ ذلك وانتقالَ الولاءات إلى دوائر اجتماعية أضيق، ارتكاسًا إلى الالتفاف حول العشيرة عن فكرة الولاء للدين أو الوطن، وكلُ هذا يعبّرُ عن تصدعات تعاورت مجتمعًا ما، وفكّكته.

ولعلَّها الحال التي تعمُّ فيها الفتنة ويختلطُ فيها الأمر، وهي ما جاء وصُفها في الحديث الشريف بالهرْج، بحكم تعدد مصادر الظلم والعدوان الذي لا رادع له، وهي ما يشبه مرحلة ما قبل نشوء الدولة في المجتمع البشري والتي كان توماس هوبز يرى فيها (حربًا للكل ضد الكل)، وبهذا سنعلمُ مبلغَ حكمة تلك كان النصيحة النبوية الكريمة التي يرشدُ فيها النبي -عليه الصلاة والسلام – إلى فضيلة الإمساك عن التحريض والقول، والاستغراق في العبادة، إمعانًا في الانصراف عما لا علاج له إلا الانصراف، كما في قوله: (العبادةُ في الهرج كهجرةٍ إليَّ)، رواه مسلم وغيره، والذي أظنه أن الكثير من النصوص والمأثورات الحكيمة التي فيها الأمر بالكف والاعتزال محمولةٌ على هذا المعنى، فهي إذًا ليست من الانسحاب السلبي، بل التوقف حينما يجمل التوقف، فمن إخماد النار أن تمتنع عن جلب الحطب وإلقائه فيها، فهو فعلٌ في صورةِ كفٌ.

في ظل العبثية والفوضى نحتاج لفكرة تُصيِّرُ تفكيرنا ممنهجًا فكريًا وعلميًا.

تواصلية هابرماس

نحن بحاجة اليوم إلى تواصلية الفيلسوف الألماني يورغان هابرماس الذي يرى أن الفعل التواصلي يهدف إلى تحويل العقل الأداتي إلى عقل تواصلي أي من عَالِجْ دون مراعاة النتائج إلى عَالجْ، ولكن بمراعاة النتائج. فالفعل التواصلي صاغه هابرماس لمحاولة بلورة إجماع يعبر عن المساواة داخل فضاء عمومي ينتزع فيه الفرد جانبًا من ذاته، أو قل نوعًا من التضحية بالمصالح الشخصية لتحقيق المصلحة العامة ويدمجها في الفعل الجماعي.

 ومن غير أن نتعمق كثيرًا في أبعاد وامتدادات الفعل التواصلي لديه، نكتفي بـ(إيتيقا) المناقشة، أو أخلاقيات النقاش التي لم تعد تهيكل علاقاتنا حتى في مجتمعنا الواحد، واستبدلت بممارسات إقصائية، لا، بل المنهج السائد هو الإقصائي الذي سنظل نعاني منه أمد الدهر، والاحتكار والتعسف، وما سيترتب عنه عقلية أو ثقافة تحمل كما هائلًا من المفردات العنصرية، والتي تكمن خطورتها في التعصب المذهبي والهوياتي.

فمصطلحات مثل: أمازيغي، وعربي، ومزابي، وشاوي، هي مفردات تؤسس لقاعدة اللاوحدة، واللامجتمع، والتشتت، والتفرق في ظل بوليتيك (سياسة) لا يهدف لغير تحقيق المصالح الضيقة مستعملًا عقلًا أداتيًا لا يمت للمصلحة العامة بصلة، وبالتالي وجب علينا إخضاع الآراء والقناعات والاختيارات، بل حتى التاريخ، للنقاش، كشرط لتحقيق الموضوعية والنزاهة والاتفاق، ولاجتناب العنف اللفظي والمادي والحروب والاستبداد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أدب, تاريخ, ثقافة, فن

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد