مايو (أيار) 1968

لا يتعلق الأمر هنا مطلقًا بتبني خطاب تمجيدي حول أحداث مايو 1968، وتعظيم الكفاح من أجل الحرية الذي شُن في ذلك الوقت، والركون إلى نوستالجيا ماض ذهب إلى غير رجعة. وليس من المسموح أساسًا السعي إلى استرجاع وقائع الماضي وإسقاطها على الحاضر والمستقبل. فما يحفز قبل كل شيء على العودة إلى الحركات الاجتماعية التي بصمت بقوة تلك الحقبة التاريخية، هو انبعاثها في عالم اليوم، بتشابه ملفت. فتحت أعيننا تجري في الواقع عدد من الأحداث الشاهدة على إعادة نشر ثقافة الاحتجاج والرفض التي تتبلور بشكل مضطرد. وهذه الحركية تتركز حول إدانة النظم الاستبدادية والرأسمال المالي والنظام القائم القديم، حاملة لنفس قيم الحرية والعدالة الاجتماعية. إن موجات الاحتجاج التي تندلع هنا أو هناك عبر العالم لمن شأنها أن تولد يوتوبيات جديدة، أو يتحلل غضبها في البرغماتية السياسية. فهي لا تعمل سوى على استرجاع وتجديد وإعادة صياغة القيم الكونية الإنسانية.

بالأمس، هب نسيم خفيف من الحرية عبر يوتوبيا ثورة عنيفة موؤودة، بعيدة المنال، أو مفقودة. وفي أيامنا، لا يستبعد أن ثورات هادئةً، سلميةً أو غير مسلحة يمكنها أن تولد. فالأهداف هي نفسها إلى حد ما: التطلع إلى الحرية، الإنصاف، الكرامة والسلام. (…)

كان انتشار حركة الاحتجاج والرفض سريعًا في أوروبا وفي أغلب بقاع العالم تقريبًا. فالثورات كانت قد انفجرت بداية في أوساط الشبيبة المدرسية والطلابية، قبل أن تتمدد دائرتها لتغطي الطبقة العاملة، والفلاحين وبقية الشرائح الاجتماعية المسحوقة من قبل النظام. وقد انطوت هذه الحركة الاجتماعية، التي غمرت على نحو مفاجئ وفي نفس الوقت مختلف البلدان الأوروبية، على حركيتين، واحدة تخص أممية طلابية مدمرة وثائرة، والتي كانت العنصر المفجر، وأخرى تهم الصراعات الاجتماعية والسياسية، التي تعتبر الحركة العمالية في دورها الطليعي والاستراتيجي عمودها الفقري.

وإذا كانت أحداث مايو 1968 بباريس تسترعي الانتباه أكثر، فتحديدًا بسبب أهميتها سواء الرمزية أو الفعلية. فهي لا تشكل مجرد تفصيلة من تاريخ فرنسا، ذلك لأنها تحيل على حالة ثورية غير مسبوقة في البلد منذ القرن التاسع عشر. وتأثيرها على الصعيدين الداخلي والخارجي لا يُنكر. فقد عاش المجتمع الفرنسي في مجموعه اختبار قوة صعبًا، وهزته أزمة سياسية عميقة، خلخلت أركان السلطة الديغولية، من أعلى قمة الدولة إلى الحكومة، مرورًا بالمؤسسات الرسمية الأخرى. ولحماية وتجنب سقوط العاصمة، التي كانت قريبة من الوقوع في أيدي الثوار واليسار الجذري، لجأت السلطة المركزية إلى استدعاء الجيش لأجل نجدة قوات الشرطة لقمع المتظاهرين. وقد نصبت متاريس مرتجلة، مثلما وقع في زمن الثورة الفرنسية، في الحي اللاتيني ونواحيه، بعدما نجحت قوات حفظ النظام في مراقبة فضاءات جامعة السوربون التي تقع في جواره، في حين كان مسرح البانتيون محتلًا من قبل المتظاهرين والفنانين. (…)

مع مايو 1968، أصبح تناول الكلمة محررًا. فثمة مناقشات عاصفة وحماسية جرى تنظيمها في إطار تجمعات عامة؛ والحشود الغفيرة تقوم باستعراضات في كل الأمكنة، في الشوارع، المقاولات، الإدارات، الثانويات، الجامعات، المسارح، ودور الشباب … إلخ؛ مجالس العمال، الفلاحين والجامعات تتكاثر. والشعارات التنديدية بدأت تتضاعف وتنتصب في كل مكان، ومن أكثرها انتشارًا: «ممنوع المنع»، «استمتعوا بدون موانع»، «أسرع يا رفيقي، العالم القديم يجري وراءك»…إلخ.

انطلقت المظاهرات الطلابية في فاتح مايو وتواصلت منذ ذلك الوقت. وفي الرابع عشر من مايو  أُعلنت جامعة السوربون كومونة حرة ونانتير كلية مستقلة.

وفي إطار الدعوة إلى الإضراب العام المعلن عنه من قبل أكبر المركزيات النقابية في 13 مايو، ارتفع عدد المتظاهرين من مليونين في 19 مايو إلى أربعة ملايين في الغد، ليستقر ما بين ثمانية وعشرة ملايين في اليوم الموالي. وقد ترتب عن ذلك شلل تام لجل القطاعات الحيوية: الاقتصادية، والاجتماعية، والصحية، والتعليمية.

ألا تعتبر نهضة رائدة حقيقية يجب الاحتذاء – والاحتفاء بها – كانتصار للحرية والنهج على منوالها؟ ولم لا تجريبها عربيًّا وإن كانت بوادرها تبرز وتختفي كل مرة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد