-1-
منذ سبع أو ربما عشر سنوات، لا أذكر تحديدًا، ذهبت لأشاهد فيلمًا بمهرجان السينما لأول مرة في حياتي، كنت على مشارف نهاية مراهقتي، عمريًّا على الأقل، لم أتردد على مهرجان السينما من قبل؛ حيث كانت فكرتي عن مشاهدة أفلام المهرجانات مستوحاة من المشهد الشهير لمحمد هنيدى بفيلم المنسي. اصطحبت صديقـًا لي، بعد جولات طويلة لإقناعه، حيث إنه من جمهور السينما الأمريكية التقليدية، اصطحبته معي إلى فيلم يوناني، كان بسينما مترو، لا أذكر كثيرًا عن الفيلم، كان عن رحلة لمجموعة من الأصدقاء أو شيء من هذا القبيل، كان متوسط المستوى، ولكنه تسبب لي في قدر غير قليل من السخرية التي نالتني من هذا الصديق.

 

2-
ذهبت لحضور فيلم الختام بمهرجان القاهرة السينمائي لعام 2014، كان يونانيًّا أيضًا باسم (إنجلترا الصغيرة) للمخرج الكبير (بانتيلس فولجاريس)، الآن أصبحت أذهب لعدد من الأفلام بدورة المهرجان بكل عام، جلست خلفي كنده علوش ومكسيم خليل، وأمامي مباشرة سلوى محمد على ومنال سلامة وهالة خليل، كما لمحت على فترات كل من محمد العدل، يسري نصر الله، حسين عبد الغني وخالد داوود بطرقات القاعة.

 

تقدم المخرج الثمانيني مع اثنين من أبطال الفيلم إلى خشبة المسرح، بدا لي من موقعي الخلفي شبيهًا بمحمد خان، نفس التكوين الجسدي، الصلعة الممتزجة ببقايا شعر أبيض ناعم، طريقته في الوقوف على المسرح، ابتسامته ولهجته الودودة. بعد أن حيا الحضور بلطف قال إن السبب الرئيسي في احتفاظة بقدرته على صنع الأفلام حتى سنه هذا، هو كثرة الحكايات بمدينته الصغيرة (أندروس)، ثم أضاف أنه بات في القاهرة ليلة واحدة ولكنه لاحظ خلالها تشابهًا كبيرًا بين طريقة كلام المصريين والطريقة اليونانية الحميمة. تمنى لنا مشاهدة ممتعة مضيفـًا أنه يتمنى أن يصنع أفلامًا مثيرة مثل طريقة المصريين فى قيادة السيارات!

-3-
تقول الأم وهى ترتب المنزل، بعدما رفضت العريس المتقدم لخطبة ابنتها الكبرى (أورسا)، أن من الأفضل للنساء ألا يتزوجن ممن يحببن، حتى لا يتألمن عندما ينصرف أزواجهن عنهن. كانت الأم قد مرت بتجربة شبيهة بعدما ابتعد عنها زوجها في رحلة إلى الأرجنتين، فهو بحار ككل أهل جزيرتهم الصغيرة (أندروس)، سافر منذ سنين ولم يعد من حينها حيث بات يمدهم بالأموال من هناك، وبفضل تلك الأموال جهزت الأم بيتًا كبيرًا لابنتيها من طابقين، طابق لكل منهما، وحددت مواصفات معينة لأزواج ابنتيها المنتظرين، وهى شروط غير قابلة للتفاوض، كأن يكون من أبناء المدينة، ليس غريبًا عنها، وأن يكون قبطانًا، ليس مجرد بحار فقير، إلخ.

 

ورغم حب الأم الواضح لابنتيها إلا أنها بدت قاسية وجافة، قسوة مستمدة من شعورها بمعرفتها بمصلحتهما واعتقادها بقدرتها على التخطيط لمستقبليهما وامتلاكها لكل خبرة الحياة وللحقيقة المطلقة، لذلك، لذلك كله، رفضت الأم العريس الذى تقدم لابنتها الكبرى (أورسا) الفاتنة التى يقولون إنه لا ينقصها إلا بعض الوزن لتكون أفروديت. بالرغم من حب (أورسا) للبحار (سبيروس) وبالرغم من معرفة الأم بهذا الحب، إلا أنها رفضت إتمام زيجتهما، قالت إنه فقير وأنها تفضل زوجًا غنيًّا، كما أنها تتمسك بأن يكون قبطانـًا، و(سبيروس) لن يكون قبطانـًا إلا بعد عدة سنوات، أو قد لا يكون أبدًا.

 

-4-
تمدد (موشكا) البنت الأصغر جسدها المتناسق على شاطئ البحر بجوار صديقاتها، تحدثهن عن حلمها بالسفر لإنجلترا، ساخرة ممن يطلقون على جزيرتهم الضئيلة اسم (إنجلترا الصغيرة) رغم أنها متأكدة من أن جزيرتهم لا تشبه إنجلترا على الإطلاق. تخبرهن بعلاقتها بالمدرس الإنجليزي (ديفيد)، يتضاحكن، ويسألونها عن (أورسا) الهائمة على وجهها، فتجيب بأنها لا تعرف عنها شيئـًا، ف(أورسا) لا تتكلم كثيرًا.

 

-5-
تعود (أورسا) من رحلة علاج قصيرة بعد تدهور صحتها عقب إنجابها لطفلها الأول من الزوج – القبطان- الذى اختارته أمها. كان الزوج طيبًا عطوفـًا ومراعيًا لها في فترات وجوده بالجزيرة. على رصيف المحطة تسأل (أورسا) عن أختها (موشكا) التى احتضنت وليدها في فترة غيابها، فتجيبها الأم بأنهما قادمان، تسأل (من هما؟)، فتجيبها الأم ( موشكا وخطيبها)، تنفرج الشاشة ببطء عن وجه موشكا ثم تتسع الزاوية خطوة بخطوة فيطل وجه خطيبها كاشفـًا عن ملامحه تدريجيًّا، إنه (سبيروس)، الذي أصبح الآن قبطانًا بعد أن مرت السنين، (سبيروس) أصبح كذلك خطيبًا لأخت (أورسا).

 

تذكرت الآن زميلاً لي بالمدرسة الإعدادية اسمه (سبيرو)، كان أيضًا من أصل يوناني!

 

-6-
تذهب أورسا للنجار طالبة منه أن يصنع سقفـًا جديدًا لبيتها، سقفا عازلاً للصوت ليفصل بينها وبين الدور العلوي الذي تقطنه موشكا وزوجها سبيروس، حيث إنها لا تستطيع أن تنام فهي تسمع أصواتهما، آهاتهما، علاقاتهما الحميمة، تصلها سخونتهما وهمساتهما وخلجات نفسيهما، وهي لا تحتمل كل ذلك.

 

-7-
تضج قاعة السينما بالتصفيق الحاد، شهدت في عدة عروض سابقة حالات من التصفيق بنهاية الأفلام، ولكنها المرة الأولى بحياتي التي أشهد فيها تصفيقـًا حادًّا يقطع مشهدًا صامتـًا بمنتصف الفيلم، ثم ما يلبث أن يتكرر التصفيق بعد لحظات قليلة. سأظلم المشهد مهما وصفت عبقريته، ومهما تغزلت في تألق بطلته الرئيسية (بينلوبى تسيليكا) القائمة بدور (أورسا) حيث أذهلت كل الحضور، وكذلك لن أستطيع أن أعطي المخرج العجوز المتمكن من أدواته بشكل تعجز الكلمات عن وصفه حقه، لن أحكي عن المشهد فستعرفه بنفسك وستجد نفسك متورطـًا في التصفيق، أو البكاء أو التأوه أو قول (الله) بصوت عالٍ حتى وإن كنت تشاهده وحيدًا أمام شاشة الكمبيوتر.

 

-8-
تجدد التصفيق مع نهاية الفيلم، تردد صوت من خلفي يقول (فيلم بديييع)، ولكني بذلك الوقت كنت مهتمًا بالبحث عن كنده علوش والتفتيش عن وجهها بين الجماهير المنصرفة من أجل نظرة أخيرة، التفت ولمحتها، كانت خارجة من باب القاعة والجمهور يتزاحم لمصافحتها والتقاط الصور معها، ظننت أنها تشبه (موشكا) إلى حد كبير، أرواحمها متقاربة، كلاهما تملكان تلك الابتسامة الجذابة المطعمة بلمسة حزن فريدة.

 

خرجت وذلك المشهد الذي نال التصفيق ما يزال عالقًا بعيني، يتكرر في رأسي مرات ومرات، تمنيت أن يفوز الفيلم بأوسكار أحسن فيلم أجنبي؛ حيث إنه سيمثل اليونان في المسابقة الأمريكية الشهيرة، وفكرت في أن علىّ أن أضيف جزيرة (أندروس) المليئة بالحكايات لقائمة الأماكن التي أطمح إلى زيارتها بيوم ما.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سينما, فيلم
عرض التعليقات
تحميل المزيد