قال تعالى: {إنَّ اللهَ لا يُغَيُّر مَا بِقَومْ حَتَّى يُغَيُّروا مَا بِأنفُسِهِمْ}، من أجل ذلك قام شعب مصر بثورتين من أعظم الثورات في تاريخ الإنسانية لرفض الجهل وانهيار صحة المواطن وتوريث الحكم، كان شعار هاتين الثورتين «عيش.. حرية.. عدالة اجتماعية» لكن الفساد الذي عشش في جذور الوطن منذ عقود طويلة يحارب بأقصى طاقته لالتهام ثرواته، قد لا تتحمل السلطة الحالية في مصر كل المسئولية عن هذه الأوضاع الاقتصادية التي بدأت منذ عهد الانفتاح الاقتصادي، لكنها تتحمل بالتأكيد مسئولية استمرار هذه الأوضاع ومواجهتها بتنفيذ شروط صندوق النقد الدولي في علاج عجز الميزانية وخفض الدين العام، عبر خُطوات تطحن الفقراء ومحدودي الدخل ومعظم فئات الطبقة الوسطى مع ثبات الأجور وتعويم الجنيه وتحديد سعر صرفه طبقًا للسوق.

يُعد المواطن المصري هو المتأذي الأول والأخير من تلك الأوضاع الاقتصادية، وللأسف الحكومة لا تكف عن الغلاء ومضاعفة آلام الفقراء، فالناس تعاني من اختفاء السلع وارتفاع الأسعار وظلم كثير من التجار، وكانت العدالة الاجتماعية من أهم المطالب والصيحات المدوية لجماهير ثورتي الخامس والعشرين من يناير والثلاثين من يونيو، لكنّ معدلات الفقر أصبحت في زيادة وعاصفة الغلاء أدت إلى تلاشي الطبقة المتوسطة في المجتمع، وهذا يتنافى مع العدالة الاجتماعية التي طالبنا بها. نتحدث عن 30 سنة فساد بل وأكثر ما بين توزيع أراضي الدولة وتحويل الأراضي الزراعية إلى عقارات وبيع المصانع والوحدات الإنتاجية والمدن الجديدة، ولم تكن الدولة جادة منذ ثورة يناير في استرداد أموالنا المنهوبة سواء في الداخل أو الخارج ولو أنها كانت جادة لجعلت من القضية أزمة دولية مع الدول والبنوك التي توجد فيها هذه الأموال مثلما قال الكاتب والشاعر الكبير فاروق جويدة في مقاله «لو كنت رئيسًا للحكومة» المنشور بجريدة الأهرام، ولابد أن تتناسب الأعباء المطلوبة مع مستوى دخول المواطنين، فالأسعار تجاوزت كل الخطوط الحمراء ابتداء بالسلع في الأسواق والعقارات والأراضي ومصاريف المدارس وأسعار الأدوية والأطعمة وكلها أشياء ضرورية لا يمكن الاستغناء عنها.

لم تكن مصر دولة فقيرة على مدى العصور، فهي الدولة المركزية الموحدة والأقدم حول العالم، هذا الاستثناء الجغرافي الفريد، جسَّد أقدم الحضارات التي جعلت مصر تضم حوالي ثلث آثار العالم، كما أنها أغنى دول العالم بثرواتها الطبيعية والبشرية، تمتلك مقومات النهوض الاقتصادي، وقادرة على استعادة مكانتها العربية والدولية، بامتلاك الرؤى والتميز والقيادة الناجحة، لكنَّ الاقتصاد المصري تعرض لصدمات شديدة، جعلت المجتمع يعاني من آفة الفقر الذي لا تقتصر تأثيراته على الحالة الاقتصادية أو الحالة الاجتماعية فقط؛ وإنما تكون مجموعة متشابكة من التأثيرات كافية لتدمير المجتمع بالكامل، حيث يعد الفقر العائقَ الأكبر أمام تنمية الإنسان، وعدم القدرة للوصول إلى الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية المهمة كالطعام والسكن والملبس والصحة ووسائل التعليم، الأمر الذي يجعله ينعزل عن المجتمع بشكل كبير، وكلما كانت معدلات الفقر مرتفعة، كان المستوى التعليمي منخفضًا، والعكس؛ ذلك لأن المواطن الفقير يواجه العديد من الصعوبات والعقبات التي قد تجعله ينظر إلى التعليم باعتباره آخر اهتماماته.

وهناك ارتباط شديد بين الفقر والجريمة، كتفشي جرائم الفساد والسرقة والرشاوى، وليست الجريمة فقط لكن كل تدهور يمكن أن يحدث في المجتمع ويعوق التحضر؛ لأن الفقر يعني الإحباط والمعاناة وقتل أحلام الإنسان، حيث يشعر المواطن أن ليس له قيمة ولا كيان داخل بلده، وبالتالي تختل كل قيمه الأخلاقية، ويتفتت التماسك الأسري وتزداد حالات الطلاق، التي تعجب الكثير من زيادة نسبتها اليوم، وكأنهم لا يدركون تأثير الفقر وظلم المعيشة على حياة الأفراد، بسبب عدم قدرةِ الرجل على تلبيةِ طلبات واحتياجاتِ أسرته، وللنهوض بالاقتصاد المصري مرةً أخرى، ينبغى أن ندرك أهمية قطاعي الزراعة والصناعة حتى لا تظل مصر معتمدة على العالم الخارجي في توفير احتياجاتها الضرورية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد