رجال حكموا وصنعوا رؤساء الجزائر

يسري بقوة شديدة في العالم وعبر التاريخ مبدأ سياسي في الحكم: أن تملك نفودًا قويًا خير من أن تحكم، يحكم هؤلاء الرجال بهذا المبدأ بعد أن يقربهم الحاكم ويعطيهم القانون في يدهم دون حساب فكل أعمالهم بعيدة عن القانون، لكن أغلبهم تستهويهم فتنة السلطة وشهوتها.

أغلب هؤلاء الرجال تكون مصائرهم تعيسة، ينتهون إلى الإهانة أو القتل، إما بعد تغولهم أو الانتهاء من خدماتهم، والجزائر لم تشذ عن المثال، فكل رئيس حكمها مند استقلالها كان له صانع وموجه، لكن مصائر صناع الرؤساء عبر تاريخها الحديث مصبه واحد وإن اختلفت المآلات أحيانًا، أغلبهم أبناء المالغ اختصارًا باللغة الفرنسية لوزارة التسليح والاتصالات العامة، التي تأسست عام 1957 في أوج الثورة الجزائرية تحت إشراف عبقري الاتصالات والتنظيم عبد الحفيظ بوصوف أو سي مبروك حسب اسمه الحركي، الرجل الكتوم والذي يعرفه الجميع دون أن يعرفه أحد، حقق اختراقات كبرى فوصل إلى تجنيد رئيس وزراء ديغول وبيع معلومات للسي أي إيه وفضح عملائها في الحكومات العربية.

كان الأب الروحي والعراب لمحمد بوخروبة الذي سيعرف لاحقًا بالهواري بومدين، الرجلان اللذان تشابها في صفات عديدة وجمعتهما الصفة الأهم: الطموح المكتوم، ليدفع بوصوف ببومدين إلى مناصب عدة في جيش التحرير حتى اختلافهما المفاجئ بسبب انحياز بومدين وقوته الضاربة إلى بن بلة ضد الحكومة المؤقتة التي قدر عبد الحفيظ بوصوف أنها الجهة الشرعية لتولي الحكم بعد اتضاح معالم الاستقلال، ليصدر قرارًا بإعدام العقيد هواري بومدين مما اضطره للتواري فترة قبل أن تتسارع الأحداث، ويعلن استقلال الجزائر عام 1962 ويدخل بومدين بجيش الحدود ويتولى بن بلة الحكم.

عندها قرر أبو المخابرات الجزائرية كما يلقب الابتعاد الطوعي عن الجميع ويعلن من سويسرا بعد ثلاثة أعوام من حكم بلة تأييده للتصحيح الثوري الدي نفذه وزير الدفاع-الرئيس بومدين في 19 يونيو (حزيران) 1965 نزولًا عند طلب مسعود زقار الرجل الذي سيلقى نفس مصير بوصوف، وجاءت استجابة بوصوف لتطمين الرأي العام الدولي بضرورة تولي بومدين الحكم، بما اعتبره خدمة أخيرة للوطن، ليموت الرجل عام 1980 في باريس عاصمة الدولة التي حاربها.

مسعود زقار الرجل الأسطوري الذي صادق نيكسون وجورج بوش الأب وتدخل لصالحه ريغن، كان يراسله البابا يوحنا بولس الثاني ويستشيره في القضية الفلسطينية، بدأ نضاله الثوري في المغرب الشقيق، بربط علاقات تجارية مع الأمريكان، الدين كانوا ينافسون فرنسا في الشمال الأفريقي، فأعانوه بالسلاح وتصنيعه، وقدم للثورة أطنان الأسلحة والمتفجرات، لم يكن يحبد الالتزام الوظيفي، بل يحب العمل بحرية، وبعبقريته الفطرية في مجال العلاقات العامة والتجارة فقد حافظ على علاقاته بالأمريكان، وعند وصول بومدين للحكم، كان دوره فعالًا في تأييد الأمريكان لما حدث في الجزائر، فأصبح من ثقات بومدين إلى درجة أن الرئيس كان يقضي في منزله عطلة نهاية الأسبوع.

إدا احتجتني ستجدني عند مسعود، هكدا أجاب عبد المجيد علاهم مدير التشريفات في شهادته في قضية زقار فيما بعد، فالرجل بعد وفاة صديقه الرئيس أصبح محل اتهامات خطيرة بالخيانة واختلاس أموال الدولة، فالحرس الجديد أراد محو فترة بومدين، فبعدما تخلصوا من أخطرهم عبد العزيز بوتفليقة أبرز رجال بومدين حينها، جاء الدور على أخطر رجال الخفاء، مسعود زقار، فحتى بعد ورود أشكال عديدة على أن الرجل لم يعد موضع ثقة وترحيب، إلا أنه أصر على عرض خدماته على الشاذلي بن جديد، ليواجه في كل مرة بالرفض أو التجاهل على يد مدير الديوان الرئاسي الجنرال العربي بلخير، وبعد فترة قليلة يعتقل زقار بتهم أبرزها التخابر مع دولة أجنبية واختلاس أموال الدولة، وعند زيارة الرئيس الشاذلي بن جديد للولايات المتحدة الأمريكية، صارحه نائب ريغان حينها جورج بوش باستياء واشنطن من الأمر، مما حدا بالرئيس الشاذلي إلى تطمينهم بإطلاق سراحه، وفعلًا أطلق سراحه بعد فترة، لكن موته المفاجئ في مدريد بعد تناول طبق من الكسكس في مطعم مغربي جعل منه موتًا مسترابًا، مما أثار الشكوك عند عائلته التي اتهم بعضها السلطات بتسميمه، الأمر الذي نفاه ابنه قطعًا وأكد أن الوفاة طبيعية بتقرير الطبيب الشرعي.

الدور الآن جاء على رجل غامض فعلًا مدة 25 سنة، له صور نادرة مند توليه منصب مدير مديرية الأمن والاستعلامات، التوفيق أو محمد مدين، الجنرال الدي لاحقته اتهامات ثقيلة من اغتيال الرئيس محمد بوضياف، إلى المفقودين إبان العشرية السوداء، إلى ابتزازه لمسؤولين فاسدين بملفاتهم وتهديده الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة بتفعيل المادة 88 حينها القاضية بشغور منصب الرئيس بسبب العجز مما أدى لإقالته سريعًا وتعيين أحد نوابه وتفتيت أتباعه بتوزيعهم على أكثر من مديرية في شكل حل المديرية العامة للأمن والاستعلامات.

الدي يثير التعجب فعلًا، كيف لرجل بمثل منصبه أن يرتكب خطيئة التآمر مع المستشار السابق السعيد بوتفليقة، مع دولة أجنبية، ويمسك بالجرم المشهود، وعلى الرغم من إحالته على التقاعد إلا أن فاعليته لم تخب جذوتها، والدليل هو التحذير الصريح من قائد الأركان له على رؤوس الأشهاد بالتوقف عن التدخل في شؤون الحكم، إلا أن الرجل يبدو أنه ما زال يشكل خطرًا من خلال علاقاته القوية مع الفرنسيين الدين اجتمع بأحد ضباطهم رفقة الرئيس السابق اليمين زروال والسعيد بوتفليقة، مما حدا بزروال بالمغادرة فورًا رغم العرض الذي قدم له بإدارة المرحلة الانتقالية، ومن هما نفهم الإشارات التي كان يبعث بها قائد الأركان للجميع بأن الأعداء لسيوا فقط خارج حدودنا.

إن العيش في الظل أخطر في الحكم من العيش في النور، وهؤلاء الرجال الذين أصبحوا جزءًا من تاريخ بلدهم الذي كتبوه يومًا ما ها هو اليوم يكتبهم، بسطور المجد حينا وبحروف العار حينًا آخر، لكن الشعب اليوم يقول كفى للظلال التي تعمى الأبصار وأهلًا بالنور لكي يهدي بلادنا لما فيه الخير للجميع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد