لأن التصوف يؤمن بالأخوة الإنسانية، لأن التصوف يؤمن بالإنسان الكامل وبأن الإنسان يتكامل. لأن التصوف يؤمن بالحق المطلق والحكمة الإلهية والعدل المطلق. لأن التصوف اتصال القلب مع الحق. لأن التصوف مراعاة الحال مع الله في كل الأحوال.

إن طريقنا شرع وعقل، دين ودنيا، علم وعمل، ربانية ونصرة المظلوم ورفع الظلم، وعبادة وآداب، ونظافة قلب وبدن ولسان، وظاهر وباطن، وحب رحمة وسلام، وتعاون على البر والتقوى، وتدرج عملي روحي في العبودية إلى مراتب القدس الأعلى.

إن طريقنا هذا سبيله العلم والعبادة. إن طريقنا هذا لا يتحقق بالفلسفات وقراءة كتب الصالحين فقط. لكنه تجربة عملية تصل بك إلى الصفاء والتذوق والمشاهدة والوصول إلى سر الذات. فمن عرف نفسه بالعجز والافتقار فقد عرف خالقه بالقدرة والاقتدار، ومن عرفها بالضعف والذل عرف ربه بالقوة والعزة، وهكذا.

إن طريقنا طريق تنقية القلب، طريق الذهاب إلى الله بقلب سليم. وإن المنح الروحية والإشراقات القلبية هي نتيجة الجهود والأعمال.

الصوفية يا بُني أرباب أحوال مع الله لا أصحاب أقوال، ولم ينل المشاهدة من ترك المجاهدة.

من لم يسعَ لم يصل، ومن لم يلتمس المعارج لا يتسامى ولا يرتقي، ومن لم يتحرك لم ينتقل، ومن اعتمد على ما عنده وحده اغتر فتاه وضل الطريق.

إن طريقنا طريقٌ إلى الحقيقة ومن اجتهد وصل.

الشريعة جاءت بتكليف الخلق والحقيقة جاءت بتعريف الحق. فالشريعة أن تعبده والطريقة أن تقصده والحقيقة أن تشهده.

هذا سيدنا وحبيبنا رسول الله، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم: الشريعة أقواله، والطريقة أفعاله، والحقيقة أحواله. وهذا طريقنا نورٌ من نوره.

إن طريقنا هو علم -فقه المعرفة – فهو كمال الإسلام، وتحقيق الإيمان، و تجلي الإحسان.

إن التصوف أدب، والعقيدة أدب والعبادة أدب، والمعاملة أدب مع الله ورسوله والكون وما فيه من بشر وحجر وشجر.

الصوفي أكثر من فقيه؛ فالفقيه وقف عند الأقوال، والصوفي أكثر من عابد؛ إذ العابد وقف الأعمال، أما هو فقد جمع بينهما فأثمر الأحوال.

الصوفي يا ولدي جعل الدنيا في يده لا في قلبه؛ فهو زاهدٌ عن كل ما يحجبه عن الله.

إن معالم طريقنا هذا هو الذات والروح، وعلاقة الوجود بواجده، وارتباط الغيب بالشهادة، والملك بالملكوت.

إن طريقنا هذا مقيد بنور الكتاب (القرآن الكريم)، ونور سيدنا محمد، عليه وعلى آله الصلاة وأتم التسليم.

قائمٌ على العلم والعمل والعبادة. إن التصوف فقه الدين قاطبة.

يا بُني إن الصوفي يعيش: بدنٌ مع الخلق، وروحٌ مع الحق، الفرق في لسانه، والجمع في جنانه.

إن التصوف دعوة الحب الذي فقده الناس ففقدوا الحقيقة الإنسانية في الأجسام البشرية.

دعوة الحب والرحمة طريقنا يا بُني. أن تحب الله، وبالتالي تحب خلق الله، فحبهم من حبه، وبحكم حبه تسعى في خيرهم وبرهم.

وتصور يا بُني مجتمعًا يحكمه الحب والسلام والتسامح والتيسير واللين والتعبد والتعاطف والشرف والإيثار و تحري معالي الأمور. كيف يكون أفراده؟ وكيف تمضي حضارته؟

قال سادتنا الصوفية، رضي الله عنهم:

سر الحقيقة ظاهرٌ، وعلم المعرفة منصوبٌ، وباب الوصول مفتوح، وما حجبكم إلا رؤية أنفسكم فعشش فيها الكبرُ وباض وأفرخ! والكبر ميراث إبليس.

إن طريقنا دعوة إلى إحياء النفس والحرية المطلقة والسيادة على النفس والشيطان، وعلى العبودية لغير الله، وعلى كل صغار خلقي أو فكري؛ فطريقنا أصل التحرر المطلق من أغلال المادة و الهوى والتحقق بعبودية الحق جل جلاله وتقدست أسمائه.

إن التصوف هو ترميم بناء الباطن بعد أن تحطم الإنسان من داخله.

غاية كل متحرك إلى سكون ونهاية كل مُتكونٍ ألا يكون، فإذا كان ذلك كذلك فلم التهالُكُ على الهالك.

وطريقنا يا ولدي قائمٌ على دفع الباطل بالحكمة، ورد الشبهة باليقين، وتعليم الناس حب الله الرحمن الرحيم.

وليس من طريقنا التجارة بالدين، ولا الدجل، ولا استغلال الناس البسيطة، ولا المتاجرة بالكرامات، ولا إغراق السياسية في الدين، ولا إغراق الدين في السياسية.

يا بُني: إن الذي يختزل التصوف في بعض التصرفات الخاطئة من عامة الناس، كالذي يظن أن داعش وأخواتها من خوارج العصر يمثلون الإسلام، وإن بعض الظن إثم، وبعضه جنون، وبعضه التماس الحقيقة عند أهل الباطل.

واعلم يا ولدي أن من يذم التصوف ويتكلم عنه بالسوء إنما يتكلم عن الإسلام ويذمه.

وحقيقته ياولدي أنه لم يقرأ عنه ولم يعرفه، ولم يعرف رجاله، ولا يعلم أن طريقنا طريق علماء أمة الإسلام وعظمائها، وأنه تجلٍّ للإسلام الحقيقي.

ولكنها لعبة ضرب نور الإسلام وحقيقته بالإسلام المشوه الظلامي الممول إعلاميًّا.

لمن لا يفهم ولا يريد أن يفهم هي والله هكذا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد