– من كانت ثورته للانتقام من مبارك ورجاله، فإن مبارك قد نجا، ومن كانت ثورته من أجل مبادئ الحرية والكرامة والعدالة فإن المبادئ حية لا تموت. قال لي صديقي: “هكذا سمعت خطبة أبي بكر”.

الثورة دين جديد والثوار هم أنبياء هذا الدين، والأنبياء معصومون من الخطيئة وليس من الخطأ، على غير ما يشاع.

– من المفهوم أن يغضب الأطباء عندما تتحدث عن الأخطاء المهنية وفوضى ممارسة المهنة، وأن يغضب المعلمون عندما تتحدث عن مستوى تأهيلهم وإخفاقهم في تحمل مسئولياتهم التربوية والاجتماعية، وأن يغضب الفنانين عندما تتحدث عن الوسط الفني و”ميكانزماته” السيئة التي تنتج فنًّا هابطًا، وراقيًا أحيانًا قليلة، ودائمًا تنتج فنانًا دون المسئولية تجاه فنه ومجتمعه.

قس على ذلك كل فئات ومكونات المجتمع التي أصابها نفس الأمراض الاجتماعية التي صورت لكل جماعة أن ثمة شرف في الدفاع عن الجماعة، ليس بالدفاع عن مبادئها ونزاهتها، ولكن بالدفاع عن أبناء الجماعة، والحقيقه أن هذه ممارسة أصيلة في المجتمعات القبلية البدائية.

أما في المجتمعات المتحضرة، فعلى سبيل المثال، إن الأكثر تحاملًا ضد التجاوزات والأخطاء الإعلامية هم الإعلاميون أنفسهم، والأقل تسامحًا ضد هفوات القضاة هم القضاة أنفسهم، والأكثر صرامة في تطبيق وتحري الإجراءات الصحيحة في استعمال السلاح هي أجهزة التفتيش في أجهزة الأمن.

– كل هذا يمكن أن يكون مفهومًا وليس مقبولًا بالطبع. أما من غير المفهوم أو المقبول هو أن تصاب الجماعة الثورية بنفس ما أصاب المجتمع من حساسية للنقد واتخاذ أوضاع دفاعية أو مراجعة خجولة مترددة للذات على أفضل تقدير. وعلى عكس ما تدعي وتذهب إليه من رفض حتى أن ينسب إليهم وصف “الجماعة الثورية” لما يمثل من احتكار للثورة يرفضونه، في حين أنهم يمارسونه بمنتهى التسلط.

– الدين الجديد “الثورة” لا يستقيم لها معنى، ولا يقام لها وزن إلا على أساس رفض أو على الأقل مناقشة كل ما هو قائم بالقوة القهرية، سواء نظام سياسي أو نظام اجتماعي، والثورة لا يكتمل معناها إذا كانت ضد النظام السياسي وكفى، فالطغيان الاجتماعي أشد قهرًا ووطأة. وهو الضامن المخلص للارتداد الدائم لنظام سياسي فاشي، فالنظم السياسية غالبًا ما تكون مرآة للمجتمع.
– لا بديل للجماعة الثورية عن تقبل النقد والمراجعة، ولو على سبيل الدعاية الثورية، المشروعة يقينًا. ولن يكفي فقط نقد ومراجعة الذات. رفض أو قبول الثوار وصفهم بالجماعة الثورية لا يعفيهم من مسئوليتهم عن إنجاح الثورة، أو مسئوليتهم عن تأخر نجاحها، فهي ستنجح لا محالة. ولا يغير الوصف المجامل الدعائي للثورة – أي ثورة- بثورة شعب من حقيقة علمية ثابتة بشأن كتلة حرجة تدعو إلى الثورة والتغيير.

الآن، والثورة ما زالت في بدايتها، أصيب الثوار في مقتل، أصابهم إعلام الزفة البلدي والهيستريا الشعبية، ثم لاحقًا ردود أفعال السياسيين المتوطنين من مدرسة الطفو السياسي. أصابونا بالبارنويا، فالكل مشروع متحول أو مشروع متآمر. والكل مشروع خائن لمبادئ الثورة، واليأس خيانة والإحباط إثم عظيم. وربما كل ذلك التشنج وتلك العصبية لا تعدوا إلا إسقاطًا لكل تلك التهم عن الذات.

هل صرت تخشى المجاهرة بيأسك أو التحدث عن إحباطك؟ هل تخاف أن تناقش موقف معين أو رأي ربما يصكك أمام نفسك قبل الآخرين متحولًا وخائنًا لمبادئ الثورة. إذا تسربت إليك تلك الأفكار والمشاعر فقد نالوا منك.

– جورج أورويل.. 1984

وفي هذه اللحظة ألفي ونستون نفسه يصرخ مثل الآخرين ويضرب الأرض وحافة المقعد بقدميه في عنف. ولعل أفظع ما في “دقيقتي الكراهية” هو أن المرء لم يكن مجبرًا على تمثيل دور ما، ومع ذلك كان من المستحيل عليه أن يتجنب الانخراط في هذا المشهد. ومع هذا فإن الغضب الذي كان يشعر به المرء آنذاك كان انفعالًا طائشًا وغير محدد الوجهة.

ومن الممكن تحويله من وجهه إلى أخرى مثل لسان لهب متصاعد.

لقد قالت له جوليا ذات مرة: “إنهم لا يستطيعون التغلغل إلى كيانك”.

ولكن أوبراين قال له: “إن ما يحدث لك هنا سيلازمك إلى الأبد، فما يقترفه المرء من أفعال وما يحدث له من خطوب تظل ملازمة له، ولا يمكنه التخلص من آثاره. إن شيئًا قد قتل داخلك وأحرق وعولج موضعه بالكي”.

– ثورات الربيع العربي الوليدة وشرارتها المتطايرة ما زالت شريدة تلهث وراء مشروع ثورة عالمية تتشكل ملامحها في العقل الجمعي للإنسانية، ذلك العقل الذي يستمد قوة أواصره من ثورة الاتصالات على حساب التفسخ الاجتماعي، ثورة العالم لا يعرف أحد كيف وأين ومتى ستندلع، ثورة لم تشهد البشرية مثلها، ثورة ضد التنميط، ضد استهلاك النظم للمجتمعات، ضد استهلاك المجتمعات للأفراد، ثورة لن تعود فيها الوطنية سلعة رائجة، ولن تعود فيها الهوية حيلة تنطلي على أحد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد