تعصف بالعالمِ كلِّه الآن جائحةٌ مريرةٌ تقضي على الأخضرِ واليابس. بدأ المرضُ في مقاطعةِ ووهان في الصين، حتى وصل إلى أكثر من 190 دولة حول العالم، بل لقد وصل إلى قرى نائيةٍ في مُدن مصر، ومات أكثر من شخص في مدينة بلقاس في محافظة الدقهلية. وصل عدد المصابين الآن حول العالم إلى أكثر من مليون شخص – في الوقت الذي أكتب فيه هذه السطور – ومات أكثر من 50 ألف إنسان.

والسؤال الذي يفرضُ نفسَه الآن: ما الدور الذي يؤديه المسلمون تجاه محاربة هذا المرض والوباء؟ ما دور المسلمين الذي قال لهم النبيُ الكريمُ في صحيح البخاري «ما خلق اللهُ من داءٍ إلا وجعل له شفاءً»؟ أليس هذا الأمل الذي يبثه النبيُ في نفوسِ العباد باعثًا لهم أن يقضوا الليلَ والنهارَ باحثين مُكتشفين مُخترعين دواءً جديدًا لمحاربة هذا المرض؟

قبل أن نجيبَ عن سؤال: ماذا يفعل المسلمون؟ دعونا ننظر ماذا يفعل غيرُهم.

في أول لحظة أُعلن فيها عن فيروس كورونا الجديد في الصين، بدأ العلماءُ الصينيون في العمل على استخراج الـ«RNA» الخاص بالفيروس. وبالفعل، بعدها بأسبوعين – تقريبًا – نشروا الجينوم كاملًا على الإنترنت وجعلوه متاحًا للعالم أجمع وبشكل مجاني. ومع أول ظهور لحالات مصابة بمرض COVID-19 في فرنسا يوم 24 يناير (كانون الثاني) 2020، بدأ العلماء الفرنسيون في مساء اليوم نفسه بالعمل على استخراج الجينوم من المرضى المصابين؛ ليكونوا هم الأوائل في أوروبا في استخراج ونشر وتحليل الـ«RNA» للكورونا فيروس في أوروبا.(1) ثم توالت الدول الغربية والأمريكية بعد ذلك في تحليل البيانات واستخراج الحمض النووي ومقارنته بالنتائج من الدول الأخرى، وكانت آخر دولة قرأت أنها استخرجت الحمض النووي للفيروس هي دولة النيبال.(2)

وبدأ الباحثون من أمريكا وبريطانيا وأستراليا يعملون على فحص الفيروس؛ ليروا هل جرى تصنيعه معمليًّا أم هو نتاج طبيعي للظواهر الطبيعية؟

وكشفت ورقةٌ علمية في مجلة ناتشر للطب – شارك فيها أستاذ من جامعتين في بريطانيا – عن أن الفيروس لم يجر تصنيعه أو توجيهه معمليًّا أو بشكل مُتعمد، وإنما هو نتاج لظواهر طبيعية.(3)

وعليه، فقد تحركت الدنيا بأسرِها – شركات وجامعات ومعامل العالم أجمع – ليكتشفوا لقاحًا لهذا الفيروس الذي ينتشر ولا يوقفه أحد، بدأت الجامعات وعلى رأسهم جامعة أوكسفورد هنا في إنجلترا(4) حيث تتنافس مع جامعة Imperial College London، والتي هي الأخرى بها فريق بحثي يقوم باكتشاف لقاح للفيروس(5)، تتنافس الجامعتان في سباق شريف على أيهما سيصل أولًا إلى لقاح جديد.(6)

وكذلك أمدت الحكومة البريطانية جامعتي (جامعة أدنبرة) بـ5 مليون جنيه إسترليني لتشكيل فريق بحثي للعمل على إيجاد لقاح أو دواء للمرض، ومعرفة تأثيره في جسم الإنسان. ثم أمدت الحكومة البريطانية بعد ذلك الجامعات بـ20 مليون جنيه إسترليني للعمل على تتبع الجينوم البشري للمرضى المصابين بمرض COVID-19، حيث تشكّل تعاون بين 14 جامعة بريطانية للعمل على هذا المشروع. هذا بالنسبة لبريطانيا، أما الولايات المتحدة الأمريكية، فقد تحركت جامعاتها ومؤسساتها الحكومية، وعلى رأسهم جامعة واشنطن بفريقها البحثي لتطوير لقاح للفيروس(7)، وكذلك قسم الأبحاث الطبية في وزارة الدفاع الأمريكية أعلن بداية تطويره للقاح للفيروس(8)، ثم بدأت جامعة تكساس بالعمل على تطوير لقاح للفيروس(9)، وكذلك تعمل جامعة Colorado State University على تطوير لقاح للفيروس(10)، وجامعة Baylor College of Medicine أعلن أطباؤها أنهم يعلمون أيضًا على تطوير لقاح للفيروس(11).

وصل الأمر إلى أن أعلنَ الرئيسُ الأمريكي أنه سيدعم بالمال الكثير شركةً ألمانيةً متطورةً كي تعمل على اختراع لقاح للفيروس(12)

حتى وصل الأمرُ إلى نتائح جيدة وإنجازات جوهرية في وقت قصير للغاية، حيث قامت شركة Moderna، وهي شركة أمريكية وصلت إلى مرحلة تجريب اللقاح على البشر، وبالفعل جربته على أول سيدة متطوعة في العالم، وهي السيدة جينفير هيلير، حيث تم تجربة اللقاح عليها كأول إنسان يختبر اللقاح الجديد عليه.(13)

أما في أستراليا فقد عملت جامعة University of Queensland على تطوير لقاح هي الأخرى، وأمدتها الحكومة الأسترالية بـ10 مليون دولار للعمل بشكل سريع لتطوير اللقاح(14).

وفي كندا قامت جامعة The University of Saskatchewan باللحاق بهذا الركب لتعمل هي الأخرى على تطوير لقاح للفيروس(15).

وفي الصين قامت كل من الحكومة الصينية والجامعة والمستشفيات بالعمل على تطوير لقاح للفيروس، وقالت جامعة هون كونج أنها طورت بالفعل لقاحًا، ولكنها تحتاج إلى وقت لتجربته(16).

وفي أوروبا، فقد أمدت المفوضية الأوروبية شركة CureVac الألمانية بـ80 مليون يورو لتطوير لقاح للفيروس(17).

وفي روسيا فقد قال رئيس الوزراء إن بلده تعمل على سنة لقاحات مرشحة لمقاومة الفيروس، وسيختبرونها في وقت قريب(18).

كانت هذه نظرة خاطفة إلى ماذا يفعل غير المسلمين من أقصى الكرة الأرضية إلى أدناها.

ولكن فلنرجع إلى الجانب الآخر في الكوكب، لنرى العالم العربي والإسلامي، فإن جامعةً واحدةً لا تعمل على تطوير لقاح للفيروس، ولا توجد شركة واحدة تعمل على تطوير لقاح للفيروس. اللهم إلا أنني قرأت خبرًا أن جامعة اليرموك في الأردن قد أرسل رئيس الجامعة إلى عميد كلية الطب والصيدلة يسألهم عن (إمكانية) الجامعة في العمل على تطوير لقاح، ولكني لا أعلم بماذا أجاب عمداء كلية الطب والصيدلة، لهذا فقد اتصلت هاتفيًّا بجامعة اليرموك، فأجابتني الجامعة بأنهم لا يعلمون شيئًا عن خطاب رئيس الجامعة، ونصحوني بأن أتصل بهم في اليوم التالي، وبالفعل، اتصلت بهم في اليوم التالي، فأخبروني بأن الجامعة متوقفة عن الدوام لمدة 14 يومًا. ثم أرسلت بريدًا إليكترونيًّا إلى رئيس الجامعة أسأله عن تطورات قرار جامعة اليرموك، فلم يجبني حتى الآن. وما هي إلا أيام ووجدت بحثًا علميًّا نشره طلاب من جامعة اليرموك، فقلت: الحمد لله الذي رأيت اليوم الذي أنجز فيه العربُ شيئًا، وما إن قرأتُ عنوانَ الورقة البحثية، وإذا بي أُصدم؛ لأنهم لم يقدموا حرفًا جديدًا ولا معلومةً واحدةً جديدة، وإنما كانت الورقة البحثية كـ«نشرة أخبار» عن ما الذي نعرفه الآن حول الفيروس(19)، وخاب ظني مرة ثانية.

إنني هنا أريد أن أقف وقفةً عند حال المسلمين تلك، إنني حين أقرأ سورةَ الأنعام وأمُرُّ على قولِه تعالى «انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه، إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون» ثم أُكمِلُ القراءةَ لأصل إلى قولِه تعالى «وآتوا حقه يوم حصاده».

وجدت أنّ الآيتين متعلقتان بالثمر والنبات والزرع. آيةٌ أمرنا الله فيها بالنظر إلى كيفية إخراج النبات للثمر واختلاف أشكاله وألوانه، وآية أخرى أمرنا الله فيها بالزكاة وإخراجها في اليوم نفسه الذي نحصد فيه الثمارَ.

فعلان أمر، في السورة نفسها، وفي الموضوع نفسه، وعن الشيء نفسه، فماذا فعلنا بهذين الفعلين؟

أمْرُ الله الأول «انظروا إلى ثمره إذا أثمر» لم يعبأ به أحدٌ، ومررنا عليه مرور الكرام، وأقصى ما قيل فيه هو اختلاف القراءات، فقراءة تقول «انظروا إلى ثَمَره» وأخرى تقول «انظروا إلى ثُمُره» – بضم الثاء والميم-.

وها قد انتهينا من تطبيق هذا الأمر.

ثم ذهبنا إلى آيةٍ أخرى، في السورة نفسها، وعن الشيء نفسه، وهي «وآتوا حقه يوم حصاده» وجعلنا الزكاةَ فرضًا في الإسلام، وركنًا من أركان الدين الذي لا بد على كل مسلم إخراجها. فلماذا لم يُعْنَ المسلمون بالفعل الأول كما اعتنوا بالفعل الثاني؟

– ألا يجدر بنا ونحن نقرأ «انظروا إلى ثمره» بأن يكونَ المسلمون المكتشفين الأوائل للخلية النباتية بدلًا من العالم الإنجليزي «روبرت هووك»؟

– ألا يجدر بالمسلمين وهم يقرأون أمرَ الله «انظروا إلى ثمره» أن يكونوا هم المكتشفين الأوائل لعملية التمثيل الضوئي في النبات بدلًا من العالم الهولندي «جان إنجينهوز»؟

– ألا يجدر بالمسلمين وهم يقرأون القرآنَ وهو يصرخ فيهم ناقلًا أمرَ الله لهم «انظروا إلى ثمره» أن يكونوا هم المكتشفين الأوائل للميتوكنداريا بدلًا من العالم السويسري «ألبرت فون كوليكر»؟

– ألا يجدر بالمسلمين وهم يقرأون كل يوم «انظروا إلى ثمره» أن يكونوا هم الباحثين الأوائل والغائصين في أعماق الخلية الحية ليكتشفوا هم تركيب الـ DNA بدلًا من العالم الإنجليزي «فرانسيس كريك» والعالم الأمريكي «جيمس واطسون»؟

إن في السورة أمرين من الله، أمرٌ كان كل اهتمامنا به هو اختلاف القراءات ما بين (ثَمَره) و(ثُمُره)، وأمر آخر جعلناه ركنًا من أركان الإسلام!

آيةٌ مررنا عليها لنجودَها ونتلوَها ونرتلَها ونتنغمَ فيها وفي قراءتها، مهملين أمرَ الله لنا فيها، وآيةٌ أخرى جعلناها فرضًا على كل مسلم بالغ عاقل بلغ مالُه نصابَ الزكاة!

وعقلية كهذه لن تفلح في دين ولا دنيا.

إننا حين نقرأ قولَه تعالى «وعلامات وبالنجم هم يهتدون»، أو حين نقرأ قولَه تعالى «ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلًا»، أو حين نقرأ قولَه تعالى «وهو الذي سخر البحر» فإن قصارى فهمنا للآيات هي للتغني والقراءة في الصلوات والمناسبات، أما الذي سخر النجومَ والفلكَ كانوا هم غير المسلمين، الذين صعدوا للقمر كانوا غير المسلمين، الذي بنوا محطة الفضاء الدولية وصواريخ الفضاء وأرسلوا مركبةً للشمس ومركبةً أخرى تمشي الآن على كوكب المريخ هم غير المسلمين، الذي وصل إلى كوكب المشتري، وحلَّق حول زحل، وخرج خارج المجموعة الشمسية هم غير المسلمين، ونحن نتبجح في قراءتنا كل يوم بآية «وعلامات وبالنجم هم يهتدون».

الذي سخر البحرَ وبنى الأفلاكَ والسفنَ والغواصاتِ وحاملاتِ الطائرات وناقلاتِ النفط والبضائع كانوا هم غير المسلمين.

إنني أقسم بالله، بأن هذه الآيات ستكون شاهدةً علينا يوم القيامة أمام الله، ستقول: يا رب، ظل المسلمون لمدة ١٤ قرنًا من الزمن يتغنون بي، ويتلونني في صلواتهم وفي مناسباتهم وفي قيامهم وقعودهم وفي ليلهم ونهارهم، ولكن أحدًا منهم لم يطبق حرفًا من كلامي، ولم يعمل بأمرٍ واحد من أوامري.

كل ما يتفاخر به الناس الآن هو بعض الحالات الفردية التي تعمل في الخارج، كالدكتورة هبة مصطفى، التي تعمل في مستشفى جون هوبكنر الأمريكي، وأقول: والله لو رأيتها لقبّلت أقدامها، فهي مثال يستحق الفخر والتقدير، ولكن القضية أكبر من حالة فردية تعمل في مستشفى أمريكي؛ لأن مَن بنى المستشفى هم الأمريكان، ومن ابتكر الأجهزة الطبية وصنعها هم الأمريكان، ومن دعم بالمال هذه الأبحاث هم الأمريكان، ومن بنى الجامعات وشارك بالقرار والإدارة والبحث هم الأمريكان، فمسشتفى جون هوبكنر دائمًا ما يستجيب لكل الأوبئة والجوائح التي تفتك بالعالم، فقد قاد المستشفى الأبحاث والاختبارات حين عصف بالعالم أزمة مرض SARS عام 2005. وحين انتشر مرض H1N1 عام 2009 كان المستشفى أيضًا في مقدمة الهيئات التي تعمل على مكافحة هذا المرض. وهذا يعني أن الأمريكان يقفون بالمرصاد أمام كل أزمة تمر بالبشرية، ينفقون أموالهم، ويخصصون مستشفياتهم وأبحاثهم وعلماءهم لمكافحة الأزمات، فهذا دأبهم المستمر، أما نحن فنيام غافلون. ود. هبه (مع احترامي الشديد لها) تعمل في مستشفى أمريكي، وفي جامعة أمريكية، بمال أمريكي وبقيادة أمريكية وبأجهزة أمريكية. ثم نأتي بعد ذلك متفاخرين بكل تبجح أن شخصًا يتيمًا يعمل في كل هذه المنظومة التي لم يشارك فيها ولم يُنشئها.

إننا أصبحنا عالةً على العالم، فلا نصنع شيئًا ولا ننتج شيئًا، وكل ما نملكه في الحياة هو أننا اعتبرنا اللهَ خادمًا عندنا، ينتقم من الصين لأجلنا، ويزلزل روسيا لسواد عيوننا، ويرسل إعصارًا إلى أمريكا لينتصر لنا، ويُرسل فيروسًا ليرد حقوقنا، فكأنه ينفذُ لنا مرادَنا، ويهزمُ أعداءَنا ويهلك غيرنا، ونحن نِيام سكارى غافلون.

أقسم بالله غير حانث، لو كان رسولُ الله حيًّا بيننا، ورأى جامعات ومراكز ومعامل وحكومات العالم تنفق الملايين وتعمل ليل نهار لتطوير لقاح، والمسلمون نائمون لا يملكون لأنفسهم ضرًّا ولا رشدًا، لَكَرِهَ مرآنا وكَرِهَ أن يسمعنا، وَلَتَبَرأ منا وقال أنتم عار أن تُنسبوا إلى رسول مثلي. عار أن تحملوا كتابًا أول ما نزل منه كان (اقرأ) وأنتم أجهل شعوب الدنيا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد