بمجرد أن تتفتح عيناكَ وتدرك من حولك ستجدهم ثلاثة أنواع من الناس ربما يختلف مستوى تعاملاتهما معك لكنهم يبقون ثلاثة، أولهم لا ضرر منه وللأسف لا نفع أيضًا! نعم فهو سلبي إلى الحد الذي ربما تتمنى معه أن يختلف معكَ، أن يتخذ موقفًا ما، يخطئ ليتعلم، يفعل أي شيء! وتغضب وتثور ويقرر هو بعد تفكير طويل ومرتجفًا أن يفعل كعادته اللاشيء!
وثانيهما أناس تمتلئ قلوبهم نحوك بمجموعة من الضغائن والأحقاد فيشت عقلك وتستعيد الأحداث التي جمعتكما والتي حتى ذُكِرت أسماؤهم فيها لعلك تتذكر أو ربما تعي، أو تعلم من أين جاؤوا بها؟ لكن لا أمل إلا في الله، فأولئك الناس إن كانت لديهم دعوة مستجابة ذات يوم ربما يدعون طالبين لك الشر قبل الخير لأنفسهم!
وآخرون وفي صمت منشغلون بك، تتبسم وجوههم وتنفرج جباههم برؤيتك، يتمنون لك الخير دون مقابل وربما أكثر مما ترجوه أنت لنفسك، يحبونكَ (لأنكَ أنت)، أنت أينما كنت وفعلت.
وأنت، أين أنت؟!
يتحملون الكثير منك، قسوة قلب وإساءة لسان وجفاء مشاعر ونفورًا، وعبوسًا بوجه ظمئت قلوبهم لابتسامته!
وأنت، أين أنت؟!
وتمر الأيام، يواصلون عطاءهم وتواصل أنت المنع، يواصلون العطف وتلوي بقهركَ قلوبهم! فيبكون ويدعون لك بالهدى، ربما يحن قلبكَ ذات يوم عليهم!
وأنت، أين أنت؟!
وكالعادة لا تبقى الدنيا على حال، فدوام الحال من المحال، وتتبدل الأحوال. وعلى حين غفلة لا تشعر سوى بالخيبة وهي تهمس في أُذنك (لقد رحلوا) وماتوا، ربما بقلوبهم وحسب، أو بأجسادهم دون ابتسامة واحدة ترسمها على وجوههم!
وأنت، ها أنت! كأي أنت! يخطو وحيدًا ويطارده الندم.
تقسو الدنيا عليك فتتساءل لمَ الآن؟ دون أن تدرك أنها طيلة الوقت تقسو ولكنهم يا عزيزي كانوا يهونون عليك! يتلون الناس وتتعجب لمَ تبدلوا؟ دون أن تدرك أن هناك من كان يدافع عنك، يحتضنك، ويواسيكَ، ويتحمل عنك أخطاءك! فتشعر من كبر عطائه بهوان الأمر، تدرك الكثير والكثير.
فتشعر بفراقهم الذي أشعرتهم أنت به وهم على قيد الحياة، وتبكي متندمًا كما أبكيتهم مرارًا، وربما يأخذك الأمل فتبحث عنهم أو تبحث عن أمثالهم فلا تجد!
وتعود هامدًا، تتمنى أن يكون حلمًا وتستيقظ منه، وأن يعودوا إليك لتصف إليهم ما رأيت وقسوة الحال، ولتعبر عن اشتياقك إليهم، لتحتضنهم وتبكي، لكي تتأسف عما فعلته، ليسامحوكَ كما سامحوك كثيرًا من قبل، ولتقسم لهم أنك أدركت قيمتهم، وأنك لن تعود كما كنت، وأنكَ ستعوضهم، والحقيقة أنك أنت من تحتاج العوض لأنكَ افتقدتهم للأبد!
وتبقى الأسئلة؟
لماذا لا نشعر بمن أحبونا؟ ولمَ تحديدًا نتحامل عليهم هم دون غيرهم؟ لماذا نحتاج إلى الندم حتى نُدرك قيمتهم؟ ولمَ لمْ نحافظ عليهم منذ البداية؟ لماذا لم نعطِهم ولو جزءًا مما أعطونا؟! غباء أم جحود؟!
الإجابة ببساطة هي أننا في غفلة بنيناها على وهم أنهم دائمون لنا! فلا حاجة لنا بالبحث عن رضائهم، ومحال أن نفقدهم! فلا حاجة لنا أن نحافظ عليهم أو نهتم بهم،فعطاؤهم دون مقابل لمَ إذن نشغل أنفسنا بأن نعطي؟! وحنانهم واهتمامهم يزداد يومًا عن الآخر لمَ إذن نقلق من انتهائه؟! لكننا نستيقظ ذات يوم ونُفاجأ بأننا افتقدناهم ودون عودة! فلا ندم سيُفيد ولا دموع ستشفع!
لذلك وقبل أن تندم بادل من أحبك الشعور، لا تبخل بحنان تسترده أضعافًا كل يوم منه، حاول أن تحافظ عليه ولا تنتظر الندم يقتُلكَ، وإن كنت لا تعرفه فابحث عنه بصدق، ولا تقلق فلن تجده بعيدًا عنك، فستجده على مقربة منك لكنك لا تشعر، فربما يكون من أسرتك أو أقاربك أو صديقًا أو حتى ربما شخصًا مر بحياتكَ تظن أنه نسيكَ أو بعيد عنك لكنه أكثر الوقت حولكَ، فحاول أن تجدهم قبل أن تفتقدهم! فحتى إن لم تعثر عليهم فسيرتاح قلبكَ لأنك حاولت، وسيشعرون بالسعادة لأن من أحبوا حاول من أجلهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

مقالات ذات صلة

صفر اهتمام
شارك 3
مجتمع
منذ 3 شهور
إنك لا تهدي من أحببت
شارك 14
عام
منذ 4 شهور
اجعل نفسك ميزانًا
شارك 19
مجتمع
منذ 4 شهور