default-avatar
بندر العراقي
default-avatarبندر العراقي

بعد ثلاث سنوات من احتلال داعش لمدينة الموصل تحررت المدينة بصورة كاملة، وتمت هذه العملية على عدة مراحل وكانت المرحلة الأولى في الجانب الأيسر، حيث تمت العملية في هذا الجانب بسرعة وبدون حدوث أضرار هائلة قياسًا بالجانب الأيمن، فالأيسر رغم بعض الدمار الذي أصابه لكن سرعان ما عادت الحياة فيه بسرعة، لذلك أسميته الجانب المشرق لعدة عوامل، منها عودة الحياة بصورة طبيعية، حيث أعيد افتتاح الدوائر الحكومية والمستشفيات والأسواق والمدارس والجامعات بفترة قياسية، ويعود ذلك للإرادة والعزيمة القوية التي يمتلكها أهالي الموصل، حيث هم من شجعوا على عودة الحياة للمدينة فلو عدنا للوراء لرأينا أن الحرب حدثت في عدة مدن عراقية، وكثير منها لم تعد الحياة فيها ولكن الموصل عادت بإرادة أهلها وبجهود شبابها المتطوعين الذين عملوا ليلًا ونهارًا على إعادة الحياة لمدينتهم وبدعم من دول العالم أيضًا.

فالساحل الأيسر تحديدًا أصبحت أسواقه عامرة، والوضع الأمني فيه مستقر حتى الأماكن السياحية فيه فتحت أبوابها، وكل هذه الأمور شجعت على عودة الحياة مما دفع الأهالي للبقاء في المدينة، حيث كل مواطن بادر من موقعه وساهم في نهضة مدينته من جديد وبنفس الوقت نسب الدمار الضئيلة قياسًا بمناطق أخرى كان لها دور أيضًا.

إن انتقلنا للجهة الأخرى من النهر، سننصدم مما نراه هنالك، نعم هنالك عالم آخر هنالك منازل مدمرة في كل مكان والأهالي على ركامها يحاولون إخراج ذويهم من تحت الأنقاض، نعم إنه الأيمن حيث فيه المعركة الحاسمة ضد داعش وكان آخر آخر معاقل تحصن داعش في المدينة، لذلك تعرض لدمار هائل بفعل الحرب، فما أصابه وتحديدًا المنطقة القديمة منه أشبه بقنبلة ذرية قد ضربت المكان.

دائمًا أنا في زيارات للأيمن وآخرها قبل أيام، حيث تركز وجودي مع فريق تطوعي بمنطقة الزنجيلي، وهذا الحي من أكثر الأحياء التي تعرضت للدمار في الموصل، حيث كل من يدخله يعتصر قلبه ألما وينصدم مما يراه من من دمار وجوع وكوارث قد حلت بأهالي هذا الحي، حيث الحياة معدومة وليس هنالك ما يشجع على عودة الحياة في ذلك الحي، لأن الركام بكل مكان والمياه غير متوافرة.

ورغم كل هذا الأمر هنالك إرداة من قبل الأهالي على عودة الحياة لهذه الأماكن، فبعضهم اتخذ من ركام منزله المدمر ملاذًا آمنا بعد أن أثقل كاهله فاتورة المنزل الذي استاجره بعد نزوحه، وتحدث لنا أحد المواطنين من الموصل القديمة عن إصراره على العودة لمنزله، وقالها بالحرف الواحد معلنًا عن تمسكه بمنزله ومنطقته السكنية شبه المدمرة، وهو مستعد لشرب من مياه الآبار وتحمله لكل المصاعب، فرغم الدمار والخراب هنالك ولاء للأرض فالأهالي لا يهون عليهم ترك أرض أجدادهم وخصوصًا منازل الموصل القديمة التي لها إحساس خاص لا يستلذ به إلا أصحابها، نعم عندما يحل الليل يشع الجانب الأيسر بالنور والأيمن ينام كل يوم مظلمًا.

بعض الأسواق عادت بالأيمن، ولكن عندما تنظر إلى وجوه الأهالي ترى أثر الصدمة واضحًا حيث أوجاع الحرب لم تفارقهم، وحتى المدارس عادت للدوام ولكن أغلبها أصبح كساحة عامة فالسياجات المحيطة بها قد سقطت ومع ذلك هنالك إقبال على الدوام.

عدت قبل ايام بأوقات متأخرة من الليل من الجانب الأيمن وكانت الجهة المقابلة للنهر وتحديدًا منطقة الغابات بالجانب الأيسر تشع بالأضواء، فانظر إليهم من بعيد وأتحدث في نفسي لو يرى هؤلاء ما رأيته قبل قليل، نعم الأهالي مكتظة في الأماكن السياحية على ضفاف دجلة منهم يسبح ويلعب وهكذا، فبمجرد عبور النهر هنالك عالم آخر ولكنهم أيضًا متخوفون من المنظر الذي أمامهم فآلاف المدنيين ترقد تحت الركام على الضفة المقابلة للنهر.

الجانب الأيمن ينتظر وقفة جدية من المجتمع الدولي تجاهه، فنسب الدمار كبيرة وآلاف الأهالي تشردوا من ذلك منازلهم، الأهالي فقدوا كل ما يملكون سواء كان منزل أو سارة وحتى أماكن عملهم دمرت ويحتاجون لمن جرعة كبيرة من الدعم لكي يستطيعون الوقوف، فالمواطن الموصلي لا يرضى ذل المخيمات وطوال حياته عاش عزيزًا مكرمًا حتى أن بعض الأهالي فضل الموت في منزله على عدم النزوح والقعود في المخيمات.

إنها الموصل، ومهما طال الحديث لن أصل إلى حجم المعاناة التي يعيشها أهالي الموصل وتحديدًا الجانب الأيمن (المظلم) ونقولها وقلوبنا تحترق ألما أن الأيمن مظلم بفعل الإرهاب والحرب  التي نالت منه، ولكن الظلام لن يدوم طويلًا ما زالت هنالك إرادة وعزيمة لإعادته مشرقًا كما كان في سابق عهده.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك