قالوا قديمًا «إن الصدمة التي تصيبك لا شك تقويك»، تمامًا كما أنه «لا نار دون دُخان». هكذا قال الأولون، وجاء الواقع بكل ما فيه من ملابسات وتعب ونصب ليثبت أن الحياة مليئة بالمفاجآت، فكل يوم تطلع فيه الشمس هو تحدٍ أيها الإنسان، وعليك أن تكافح وتعافر لتتغلب على صروف الحياة. فالسباق طويل ويحتاج إلى صبر وطول بال وتفكير واتخاذ قرار حاسم وحازم، والقادرون على اجتياز هذه العقبات قليلٌ من كثير، أما الباقون للإعادة فهم الكثرة الكاثرة.

منهم من يعيش على الهامش يمنِّي نفسه باللقاء ولا لقاء ولا عودة بعد فوات الأوان، وفريق آخر يعيش بمبدأ: «طنش تعش تنتعش». والحقيقة التي أومن بها أن هؤلاء هم من يعيشون حياتهم بالطول والعرض؛ لأن الهموم والأحزان لا ترد ما فات من عمرك ولا ترد الغائب مهما طال البعاد وطالت الآمال، فاللحظات التي تمر مر السحاب لا ترجع مرة أخرى حتى لو وقفتَ على أم رأسك.

لذلك من يعيش هذه الحياة على طبيعته وعلى الفطرة والسجية هو من يكسب رهان الحياة، هو من تنقاد له الآمال والأحلام ويحقق السعادة المبتغاة، فعلى هذه الأرض ولدنا فُرادى، لا زرافات، بل وحدانًا، ويجب أن نعيشها كما هي دون تكلف وتصنع، لأن التكلف ليس من شيم النبلاء، ولا يقدم سعادة حقيقية لبني الإنسان، فكم من فقير معدم حاز الشرف، فهو على قلة ذات اليد يعيش حياته كما هي، وهو في سعي دائم لتحسين هذه الحياة وتحقيق ما يصبو إليه من آمال وطموح. أما من ينظر إلى غيره فلا هو يعيش حياته كما هي، وليس له سبيل الوصول لحياة غيره، فلا شك أن حياته ستتحول إلى جحيم لا يطاق، وتكون ملئى بالحقد والكراهية لكل من هو فوقه في المرتبة.

ونحن لا نقصد التقليل من الطموح الإنساني، بل نقر حقائق من الواقع المعاش تؤكد أن العيش في هذه الحياة لا يحتاج منك سوى المثابرة والعمل والجد والاجتهاد؛ فمهما حاولت فالنصب والتعب هو سجية واقعة في هذه الدنيا، فحتى الأغنياء يتعبون وينشغلون، فهم بين هم وحزن وتفكير دائم في المستقبل.

لا أحد في هذه الحياة يفتقد للسعادة سوى من يرفض أن يعيش سعيدًا، لقد ولدنا فقراء ضعفاء لا نفقه معنىً ولا لفظًا فمنَّ الله علينا بالرعاية والحماية والعقل وراحة البال، فلماذا تكلف نفسك وتجلد ذاتك وتحمل نفسك فوق طاقتها وقد أخبرتك الحياة أنها الغالِبة وأن المجهتد فيها لابد أن يأتي بها من مناكبها؟

وقد قال تعالى: «فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ»، لقد قرن الله بين السعي والنعم لأنه سبب أصيل للعيش بسعادة. «وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى»، فإذا سعيت وأدّيت ما عليك من أسباب العيش الكريم فلا شك أنك ستغْنَم.

والحركة والدوران في هذه الحياة ومع تبدل الأحوال وتغير الأزمان هي شيمة أصحاب الهمم. أولئك الذين يبتغون حياة كريمة وحقيقية وقد عرفوا جوهر هذه الحياة ووصلوا إلى الوعي الكامل بأسرارها ومكنوناتها. انظر بنفسك تجد أن الحياة ما هي إلا دقائق ولحظات، والفوز بالسعادة مقرونٌ باستغلال هذه الدقائق فيما يحقق لك الراحة والرضا الذاتي والنفسي.

أنت مولود على هذه الأرض ومن هذه الأرض فأنت ضعيف بما فيه الكفاية لتتغلب عليها فهي الأقوى والأجدر بالفوز عليك، ستهزمك مرات ومرات إذا لم تعرف قدر نفسك وتقنع بضرورة المسايرة والمثابرة لتنعم بالحياة التي تستحقها.

أقول هذه الكلمات لأني على إيمان تام وقناعة بأن الحياة لا تستحق منا كل هذا العناء. تمامًا، كما أن حياتك أنت هي من صُنعك أنت، فلابد أن تدور حيث ظروفك وحسب الوسط الذي عشت فيه والجماعة التي تربيت فيها، لكن ليس عليك عزيزي أن تتخلى عن طموحك وأفكارك التي تتناسب مع مواردك والحياة التي عشتها؛ فمن السخف أن تتخلى عن كل ما مررت به وتعيش في لباس وهيئة وحياة ليست منك في شيء، بل هي من بُنيات أفكار غيرك.

جميل أن تتعلم وأن تعافر وتثابر وتنمِّي قدراتك ومهاراتك، لكن احذر أن تقع فريسة الحقد والمرض والهموم والغموم؛ لأن الحياة لا ترحم فدائمًا هي الأقوى. فالإنسان خُلق في كبد وسيظل في كبد، وهذه طبيعة الحياة الإنسانية شئت أم أبيت. أما أن تلوم نفسك على شيء ليس لك فيه ناقة ولا جمل فتندُب الحظ العاثر والنصيب والتوفيق فهذه أمور لا دخل لك بها، بل هي أسباب تتغير مع الزمن والله يقلب حيوات الناس كما شاء وكيفما شاء وفي ذات الوقت لا يكلف النفس إلا وسعها.

فالحذرَ الحذرَ يا عزيزي أن تقبع في دواخل نفسك ولا تخرِج ما في جعبتك من هموم ومشاغل لصديق تأنس به ويأنس بك. واحذر أن تقضي حياتك بين جنبات نفسك؛ لأنها لوامة خائنة فقد تضعف وتكتئب وقد يصل بك الحال إلى الانهيار. كن صلبًا كما عهدناك ولا تفقد ابتسامتك ولا تركن للهموم فأنت ما زلت بخير وهناك أشياء جميلة تنتظرك وذات يوم ستأنس وتفرح وتنعم بحياة وميلاد جديد وستتغير الأحوال وتتبدل.

يومًا ما ستنعم بكل هذه الحياة، فاستمر في تحقيق طموحك ولا تترك نفسك رهينة الظروف فهناك من تلوّى من الجوع، لكنه نحتَ الصخر، واليوم هو في رغد الحياة يتنعم؛ فلكل مجتهد نصيب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد