عندما ينشأ الإنسان على نمط من العيش الملتزم بالتعاليم السماوية، والأعراف الاجتماعية الجيدة، وبالأخلاق النبيلة، فسيصبح حينها شخصًا متزنًا، وصاحب مبادئ وأفكار تمكنه من إفادة الناس وتقلل من انبعاث الشرور منه، فهو يعرف نتائج الأفعال وضررها، وأيضًا يعرف الأسباب والعوامل المؤثرة في الأشخاص، والتي تدفعهم لفعل الأمور الخاطئة، وفي مقابل ذلك فهو يميز متى يعفو ويصفح، ومتى يعاتب ويعاقب.

هذا النموذج من الإنسان السوي تستطيع أن تدمره من خلال زجه في مجتمع تافه ومزاجي، ولا يعترف بأي قانون أو قيمة اجتماعية، والأكثر صعوبة عندما يكون هذا المجتمع خالٍ من أي نسبةٍ للتعديل أو الترويض، فهل تتصور مدى معاناة هذا الشخص في تلك الحالة؟

حياة المعاناة

بالضبط تصور أن هذا الفرد يعيش مع القرود، فحينما يحاول أن يغسل يديه قبل تناول الطعام تتقلب القرود حوله وتقفز وهي تضحك عليه؛ لأنه يأتي بأمر معيب ولا يتناسب معهم ومع أفكارهم، فهم يريدونه أن يأكل كما يأكلون بعشوائية وهمجية، ولذلك فإن هذا الفرد سيكون بين خيارين، إما المداهنة والانصياع، وإما التمسك بما نشأ عليه وبما هو مقتنع بصوابه.

لا شك في تحول الإنسان إلى قرد إذا ما تخلى عن أفكاره ليتماشى مع النسق الذي يراد له السير عليه، ومع أول تنازل عن القيم فإنه لن يتوقف عن التنازل المستمر عن كل القيم دفعة واحدة أو على شكل دفعات، وهكذا يفرغ نفسه من جميع ما يبقيه في خانة البشرية، أما إذا أصر على الاستمرار ومقاومة التيار فإنه سيعاني حربًا ضروسًا تنتقد تصرفاته، وتتهمه بالجنون والمس، وتعاديه فقط لأنه مميز.

تستطيع أن تقول إن الأنبياء، والأوصياء، وحملة الرسالة الإنسانية، والمفكرين كانوا يعانون من هذه الشرذمة، إلا أن بعضهم قتل بسبب كثرة الشغب بين أفراد المجتمع الذي كانوا يعيشون فيه، فهم لم يتقبلوهم، بل حاربوهم لدرجة التشريد والقتل، في الوقت نفسه لم تكن هنالك فرصة أمامهم للإصلاح، فعقولهم مغلقة ومقفلة بالجهل والعمى، ولهذا نجد في القرآن الكريم إشارة إلى مسخ أصحاب السبت ليكونوا قردة خاسئين، وهذا المسخ جاء بعدما أثبتوا أنهم بحق قردة وليسوا بشرًا في كل تفاصيل حياتهم المبنية على التهريج، والمنكر، والطاغوت.

الغربة

سيشعر الإنسان المعتز بوطنيته، ودينه، ومعتقده، وأفكاره بأنه في غربة، إذا ما ارتحل عنه أقرانه ممن يماثلونه بالتفكير نفسه، وهذا لا ينتهي إلا إلى إحساسه بالوحدة، وشعوره بالراحة عندما يهجر المحيطين به؛ فبقاؤه معهم سيزيده غمًّا وحزنًا وتأسفًا لما يشاهده منهم من لا مبالاة بالقيم وتصييرهم كالقردة والوحوش يأكل بعضهم بعضًا.

ولذلك تجد الكثير من المفكرين والعلماء يعتزلون العالم، وينغلقون على أنفسهم، وهنا تكمن المشكلة في قطع سبيل التصحيح لمن لديه الفرصة للتصحيح والانتشال من عالم القرود، والعودة إلى عالم الإنسانية السوية، فاعتزال العالم والمفكر للمجتمع هو خيانة واضحة للفكر الذي يحمله؛ فهو بهذا الفكر عليه الاستمرار بالعطاء وتحمل المسؤولية الأخلاقية في عدم الاستسلام لإرادة القرود والوحوش، وتحمل المشاق لإيجاد مكمل للمسيرة، وحامل لشعلة الألباب السويّة، فلا يكفي للمثقف أن يجلس في المنتديات بين أقرانه وينظر وينتقد دونما النزول إلى الساحة لرصد من يستحق النصح، ورمي طوق النجاة له، وتمثيل دور الإنسان المصحح، وتطبيق أفكاره على أرض الواقع، وإن تعرض للانتقاد والسخرية، وهذا لا يعني أن يقف في وسط المجرمين والقتلة وهو يشير إليهم بأصابع الاتهام، وهو يعلم أنهم في سدة الحكم، ولديهم سلطة القانون، فهذا يعد حماقة لا نصح وإنقاذ؛ لأن الأمر سينتهي بتصفيته دون أي تأثير في الوسط الاجتماعي إلا لأيام معدودة في ثورة عاطفة تنتهي مع الوقت.

التحدي

على من يجد في نفسه إنسانًا أن يتحرك داخل المجتمع باحثًا عن أقرانه، وعن أولئك الذين يعانون من مفاسد المجتمع وهم يقاومون المفاسد لعدم قناعتهم بها، والذين إذا ما تركوا تحولوا ولن ينفع النصح معهم بعد ذلك، ليبحث كل شخص منا عن أقرانه دون ترك الساحة والاعتزال، فالتحدي هو الحل للبقاء على إنسانيتنا بين القردة والوحوش.

والحمد لله رب العالمين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد