قادتني الأقدار للعيش ردح من الزمن في منطقة من المناطق العشوائية، في تجربة ثرية عايشت فيها صنفًا من البشر لم أعهده من قبل، إنه عالم غريب تجمعه قواسم مشتركة وأعراف وتقاليد مغايرة تمامًا لما عليه أسوياء البشر.. عالم عبارة عن مزيج من العشوائية والغوغائية والهمجية التي تفرز سلوكيات ومفاهيم أشبه بقانون الغاب.

والأوباش ليسوا صنف الفقراء الذي يعانون شظف العيش، فمتى كان الفقر عيبًا يسوء بصاحبه؟! بل هو قدر مقسوم في رزق معلوم وعمر محسوم، وكم من فقير حكيم في أقواله رزين في تصرفاته، وكم من عباد لا يصلحهم إلا الفقر ولو أغناهم الله تعالى لفسد حالهم، والعكس صحيح.

أما الأوباش الذين أعني فهم مزيح من قليلي العلم -بل الأمية فيهم أظهر- عديمي الدين والمروءة، ولا يخفى على اللبيب أثر هذه الأمور النورانية في تهذيب سلوكيات البشر، فإذا الإيمان ضاع فلا أمان، ولا دنيا لمن لم يحي دينه.

عالم الأوباش لا تحده فضائل ولا تحوطه قيم، بل هو يدور مع المنفعة والمصلحة أينما كانت ومتى حلت وبأي طريقة كانت، لا يحدوه حِلا ولا حُرمة.. ففي عالم الأوباش يسود مبدأ «الغاية تبرر الوسيلة»، ولقد رأيت فيهم الجزار الذي يغسل كرش الحيوانات الأسود بماء النار المخفف كي يبدو أبيض نظيفًا ناصعًا! رغم أن ماء النار حمض فتاك لا يضاف على أكل البشر. ورأيت فيهم بائع الحبوب المخدرة التي تفتك بشبابنا، ورأيت فيهم المتسول الذي يعتمد على هيئته القبيحة ليبتز من يقابله من الناس.

وعالم الأوباش أقرب إلى الظهور والفضائح أكثر منه إلى الستر والتحفظ، فهو عالم ضجيج وصخب وصياح وصوت جهوري، بداعٍ وبدون داعٍ.. فمن الطبيعي جدًّا أن ترى رجلًا وزوجته يناقشان مشاكلهما الزوجية أو العائلية أثناء سيرهم في الطريق بصوت جهوري يسمعه المارة بوضوح، وليس مستغربًا أن تجد أسرة في أيام القيظ وقد فرشت متاعها أمام باب الدار على قارعة الطريق، وجلس الجميع للعشاء والاسترخاء على مرأى ومسمع من المارة، ويا حبذا لو وُضع التلفاز وطال السهر والسمر.

وفي عالم الأوباش يغيب الحلم -بل لا وجود له أصلًا- فتتفجر الأزمات على أتفه الأسباب، وقد تنشب الشجارات بين الكبار لسبب تافه بين الأبناء الصغار، ولغة الحوار معدومة تمامًا، بل التشابك بالأيدي أقرب الحلول لمعالجة المواقف، ومن السهل أن تتصعد الأمور وتحضر الشرطة وتتأزم المواقف أيام وأشهر بل وسنوات في قاعات المحاكم، أما لغة الغاب فهي حاضرة بصورة متفاوتة، فالقوي لا يرحم الضعيف، وقد ينسحب الضعيف من الموقف حتى يجمع أقرانه وأقاربه ليستقوي بهم، ويعود لتكون له صولات وجولات.

والسلاح على كافة أنواعه لا يغيب عن عالم الأوباش، يحمله الصغير قبل الكبير، بل ويتفننون في أنواعه وأسمائه وتجهيزاته.. رأيت يومًا أحد تجار المخدرات وقد نشبت معركة بينه وبين طائفة كان لها غلبة الموقف لكثرة عددهم، فما كان من هذا التاجر إلا أن انسحب إلى داره وأغلق بوابته الحديدية بإحكام ثم صعد إلى الطابق العلوي وقد كان عامرًا بزجاجات فارغة، وأخذ هذا المحارب المغوار بإرسال وابل من قذائف الزجاجات على خصومة الكُثُر، ولا أستطيع أن أصف لك بشاعة الموقف، فأي زجاجة أصابت شخصًا تهشمت على رأسه وأصابته بجروح بالغة وعديدة، أما من أفلتت إلى الأرض فتناثرت لآلاف القطع الزجاجية الجارحة التي استحال معها المشي في الشارع لأيام.

والأوراق في عالم الأوباش مبعثرة لأقصى درجة، فالحياة لا تعرف الترتيب ولا التخطيط في كافة جوانبها، شعارهم «اصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب»، فالأوباش لا يحسبون لتقلبات الأيام حسابًا، بل نظرهم دائمًا تحت أقدامهم، والمتعة الآنية أقصى غاياتهم، حتى إذا ولى الشباب وتغير الحال وجدتهم أبأس الخلق، وأشدهم نقمًا على مجتمعاتهم، ونقدًا لأحوال الميسورين منهم لأنهم لا يساعدوهم في محنتهم.. دخلت يومًا المسجد للصلاة وبعدما فرغنا منها، قام مسن سبعيني رث الحال وقال: يا مسلمين أغيثوني، فأنا أخوكم في الدين، وأخرج بطاقة هويته الشخصية مدللًا للحاضرين على إسلامه.. فتعجبت منه أشد العجب، وقد كنت أعرفه في شبابه لا يرى إلا حظوظ نفسه، ولم يعطف على فقير قط، فأين دينار الشباب الأبيض الذي ينفع في فقر الشيخوخة الأسود؟!

والحياة الزوجية في عالم الأوباش لا تحكمها إلا الشهوة واللذة، فبدايتها لا بد أن تكون مع زوجة فاتنة، الجمال شرطها الأوحد، حتى ولو كانت سيئة السمعة أو رديئة الخلق أو أي شيء آخر، بل إن الجمال هو العملة التي تحدد ثمن الرجل المتقدم، فالجميلة بطبيعة الحال لا ترضى إلا بالكسيب الذي يضمن لها رغد العيش، بصرف النظر عن أي اعتبارات أخرى.. منظر لافت تجده كثيرًا في هذه المناطق، حيث الخطيب وقد أخذ بيد خطيبته ويسيران في الشارع للنزهة، وقد عرضت العروس كل مفاتنها ولم تدخر منها شيئًا ممكنًا أن يبدو للناظرين، والعريس في غاية فخره واعتزازه، وكأن لسان حاله يقول: قدري كبير، ناسب أن أظفر بفاتنة عصرها وفريدة جمالها.

أما تعدد الزوجات فهو أمر شائع بين هذه الفئة، لا لعفة نفس، ولا لكثرة نسل، بل لمجرد المتعة وحب التنوع وكسر الملل، حتى ولو كثر العيال الذين يحتاجون لرعاية أكثر وتربية أشق، وهذا التعدد يتم ببساطة لأن عملية التربية تكاد تكون معدومة، فالطفل في هذه المجتمعات لا يعرف من الرعاية إلا القدر اليسير، لأن فاقد الشيء لا يعطيه، والآباء غارقون في أنانيتهم، خاصة رب الأسرة، وتلك الأسر لا تعرف من الطفولة إلا توريدها للعمل بالورش والمصانع في سن مبكرة، مما يعد جريمة في كافة الأعراف والقوانين الدولية. أذكر أنني التقيت يومًا بطفلة في سن الروضة، وسألتها السؤال التقليدي عن طموحاتها وماذا ترى أن تعمل لما تكبر، فأجابت: أريد أن أكون خادمة!!!!! وقعت الإجابة على نفسي وقع الصاعقة، خاصة وأنها كانت إجابة فريدة من نوعها لم أسمعها من قبل، وأظن أني لن أسمعها بعد.

التربية أولًا

الكلام عن مجتمع الأوباش ليس من قبيل حكاية الأساطير أو التندر بالغرائب، خاصة وأنه مجتمع منتشر وبكثافة في منطقتنا العربية والإسلامية، إنه عالم أشبه بقنبلة موقوتة يمكن أن تنفجر في الكل، انفجارًا لا يبقي ولا يذر، لأننا نتعامل وقتها مع من لا يملك شيئًا يخشى أن يفقده، وهذا من أصعب وأخطر أنواع التعامل.

تلك العوالم لا تنفع معها عصى السلطة الغليظة ولا القوانين الصارمة، لأن التحايل على مثل هذه الأمور فن هم من ابتدعوه وأتقنوا مفرداته، بل لا بد من إعادة تأهيل تلك المجتمعات بالاعتماد على برامج تربوية متخصصة.. نعم التربية أولًا وثانيًا وثالثًا.. التربية الطريق الأوحد والأنجع الذي لا طريق غيره.

فالتربية قادرة على إحاطة أفراد هذه المجتمعات بسياج فضائلي وقيمي يحميها من نفسها ابتداء ومن البطش بغيرها في ذات الوقت، وإذا نظرنا لتجربة أي دولة متحضرة نجد أن قضية التربية كانت على رأس أولوياتها، بل إن القرآن الكريم الذي يذخر بفنون التربية الربانية الفريدة كان هو الكفيل بنقل العرب من جاهلية موحشة إلى أمة راقية.

والتربية إن لم ترتكز على أسس إسلامية وعقدية صافة صارت جسدًا بلا روح، وصارت خالية من معاني المراقبة والخشية والإنابة والتوكل واليقين، وغيرها من عبادات القلب والجوارح التي هي أجل مقاصد التربية التي تضمن لها ثمرة يانعة تدوم أبد الدهر.

أما التربية القائمة على النظريات والفرضيات فهي أشبه بنوع من التوجيهات الجافة التي لا نضارة فيها، كما هو مشاهد في كثير من الدول الغربية العلمانية التي تنتاب مناهجها التربوية الرغبة في منافع مادية آنية لا علاقة لها برحلة الإنسان المديدة في الدنيا والآخرة.. مناهج تربوية تفهم الحرية -مثلًا- على أنها مطلقة بشرط أن لا تضر بالآخرين لا أكثر ولا أقل، فاستباح الفرد في ظلالها الكئيبة الزنا وشرب الخمر وإدمان المخدرات والتعامل بالربا، بل واستعمرت البلاد القوية منها البلاد الضعيفة وسرقت ثرواتها واستنزفت مواردها في تاريخ استعماري مخزٍ لكل الدول الاستعمارية الغربية.

إن تلمس الثواب واستشعار رضا الرحمن يثير في سلوكياتنا نبض إيماني يجعل صاحبه يتفاني في إسعاد نفسه وقومه في العاجلة والآجلة، ويجعله يرى بنور الله الذي أعلنها صراحة في كتابه الكريم: {يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً}[النساء:26-27] {مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللّهُ شَاكِراً عَلِيماً}[النساء:147]

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد