منذ أن بدأت الثورة السورية في 2011 والداخل السوري عبارة عن فصائل متنازعة تديرها تدخلات أجنبية غيرت تحركات الثورة والوجود الثوري في الداخل وأثرت على توجهات الفصائل المسلحة، تلك الفصائل التي كانت تابعة للجيش الحر في بداية الثورة؛ هذا الانقصام خلف تصرفات مماثلة لتلك التي يمارسها الأسد، وتغاضيًا تامًّا عن الهدف الرئيسي المصاحب للثورة السورية، والتي تمثل الحرية والعدالة والمطالبة بحقوق السوريين وبحرية الرأي والتعبير، محاربة الاعتقالات الظالمة والمهينة، والممارسات المخزية تجاه السوريين نساء ورجالًا داخل المعتقل وخارجها خلال حملات المداهمات الهمجية.

اليوم، ها هي الفصائل تتبع نهج الأسد متأثرة بالسياسات الخارجية غافلة عن هدفها، حيث بدأت جموع الفصائل المسلحة بممارسات «تشبيحية» مثل السرقة (التعفيش)، التعدي واعتقالات خادشة للأساليب الإنسانية، كذب ومحاولات لنشر الخوف بين المواطنين، ممارسة التعذيب على المعتقلين، تصفية الحسابات وممارسة سلطة الخلافات الشخصية؛ وهذا ما حدث تمامًا منذ يومين مع عائلة مهجرة من حي التضامن الدمشقي في بلدة عزاز في الشمال السوري 30 يونيو (حزيران) 2020 حيث دخل فصيل لواء الشمال التابع للجيش الوطني السوري، واعتقل عائلة كاملة لمحاولة اعتقال أبو همام التضامن أحد المقاتلين السابقين لدى الجيش السوري الحر في جنوب دمشق حي التضامن، دون أي سبب وجيه؛ الجيش الوطني السوري الذي جمع شتات الفصائل منها فصيل (لواء الشمال) تحت رعاية ودعم مادي ولوجيستي تركي-أمريكي، بزعم محاربة تنظيم القاعدة والمحافظة على الأمن والاستقرار في المنطقة بعيدًا عن بطش الأسد.

خلال حملة الاعتقال اقتيدت النساء من منزل أبو همام التضامن ومنزل عائلته دون مراعاة للآداب العامة وبطرق غير أخلاقية، كما وصفت العائلة، اقتحم الفصيل المنزل بشكل مفاجئ واقتادوا النساء دون أن يسمح لهن بتغطية رؤسهن، كانت إحدى النساء والتي هي أخت أبو همام التضامن في زيارة مرضية لدى عائلتها بسبب حملها، حيث اقتيدت إلى المعتقل مع أطفالها الصغار، و أخذ الفصيل أيضًا زوجة أبو همام التضامن مع طفليها، أحدهما رضيع ذو أشهر مع والد ووالدة أبو همام التضامن دون أي مراعاة لمرضهم ولكبر سنهم، حيث يعاني الأب من مرض القلب، وكان قد خضع موخرًا لعملية جراحية لم يُشف منها بعد.

واعتقل معهم الناشط الشاب محمد د. وشقيقه بهاء د. والذي كان أيضًا من قوات الجيش الحر في حي التضامن، وقد تعرض لإصابة ما زال يعاني منها حتى يومنا هذا، وهم أشقاء أبو همام التضامن؛ خلال المداهمات استخدم الفصيل السلاح وأطلق النار، رغم عدم مقاومة العائلة عملية الاعتقال، لم يكتفوا بذلك بل أخلوا المنزل من المال، الأجهزة، الذهب وغيره من مقتنيات شخصية ثمينة، واستوطنوا المنزل.

لقد لاقت العملية التشبيحية الشنيعة هذه رفض الأهالي السكان والمهجرين في المنطقة، خرجت مجموعات من السكان في تظاهرات تطالب بالإفراج عن العائلة، وبعد مفاوضات عدة من الداخل السوري والخارج والضغط الذي تعرض له لواء الشمال، قرر الفصيل الإفراج عن النساء والأطفال وبعدها بيومين بالإفراج عن والد أبو همام، وتحفظ على شقيقي أبو همام الناشط محمد وبهاء، بل لفق تهمة الانتماء لنتظيم الدولة كتبرير لتصرفهم المخزي، هذه التهمة التي لاقت رفضًا كبيرًا وتامًا من سكان المنطقة، والذين نظموا اعتصامات رافضين التهمة والتحفظ غير العادل على أخوة أبو همام.

كما نشرت عدة منظمات وتجمعات ثورية بيانات استنكارية رافضة لتحفظ الفصيل على الشابين محمد وبهاء، موضحين أن أبو همام وأشقته لم يكونوا إلا معطائين للثورة ورفضوا رفضًا تامًا مبايعة تنظيم الدولة في أثناء وجودهم في حي التضامن، هذه العائلة التي لاقت الويل من حكم وحصار الأسد والتي ذاقت ظلم داعش وتبعات رفضهم مبايعتها، ها هي تعاني من اختلال وجشع الفصائل المثير للشفقة، حيث خرج والد أبو همام بعد أن تعرض للضرب والتعدي عليه، وحدثت والدة الشابان محمد وبهاء عن سماعها أصواتهم وهم يتعرضون للتعذيب والاعتداء من قبل الفصيل أثناء اعتقالهم.

لقد غادر أبو همام التضامن وعائلته حي التضامن منذ ما يقارب السنتين بعد هدنة بين تنظيم الدولة ونظام الأسد، غادروا متجهين نحو إدلب ثم عزاز، حيث مرت العائلة بسلام، ولم يكن يعتقد فصيل لواء الشمال حينها أنهم يتبعون لتنظيم الدولة، هل الآن وبعد عامين قرر الفصيل ربط تنظيم الدولة بعائلة مسالمة؟! ما الذي جعل الفصيل ينتظر هذه المدة؟ أهي مشاكل شخصية مع أبو همام التضامن، هل يوجد بالفعل تفسير آخر لهذه التصرفات التشبيحية بعد سنتين؟ أم أنه وبالفعل كما يبدو، يعد خوفًا من أن يتوقف الدعم الخارجي، وبسبب عدم قدرتهم على الإمساك بخلاية التنظيم الحقيقية، لقد بدأ لواء الشمال بتلفيق التهم لعائلات مسالمة، وكما هو معروف عنه هذه ليست عملية التلفيق والاختطاف الأولى التي يقوم بها اللواء فقد شُهد لهم مثل هذه التصرفات سابقًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

لواء الشمال

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد