ينقسم الناس إلى مبتدئين ومحترفين، ويسري هذا التصنيف على خلق الله في كل المجالات، لكن البعض يخلع على نفسه الاحترافية ليشقى من حوله. وترى في تجارب الآخرين ما يجسد مرحلة الهبد التي نعيشها، والاطلاع عليها يهم كل من يبحث عن النجاح في هذا العالم؛ فإن استوعبت معوقات الطريق أحسنت التعامل معها، وتحقق لك بلوغ مرادك بأقل الخسائر الممكنة. كن واقعيًا وثق أنك ستجد ممن حولك خذلانا بين وقتٍ وآخر، وعليك أن تتعامل معه بالصبر ومتابعة مشوارك دون تردد أو نكوص والاستفادة من تجارب الآخرين، ولله در أبي العتاهية:

تعودَّتُ مسَّ الضرِّ حتى ألفتُهُ وأحوجني طولُ العزاءِ إلى الصبر
ووسَّـع صبري بالأذى الأنس بالأذى وقد كنت أحيانا يضيقُ به صدري
وصيَّرني يأسي من النَّاسِ راجيًا لسرعةِ لطفِ الله من حيث لا أدري

تعرض الكاتب اليمني وجدي الأهدل لتجربة قد تفيدك في مشوارك، تدور أحداثها عام 1996 بعد صدور قصة قصيرة للأهدل بعنوان «أنفي المزعج»، وتعرفت الأوساط الأدبية على الرجل ووضعته في دائرة الضوء، وهذا إنجاز يحلم به الأدباء الشباب ويداعب خيالهم ليل نهار، وقد يترتب على ذلك إتاحة الفرصة للأديب في الصفحات الثقافية والمنتديات الأدبية، لكه هيهات أن يمر الأمر دون أن يقحم البعض أنوفهم في كل شاردة وواردة، وإلا كيف يشار إليهم بالمحترفين! والمحترفون أنواع؛ منهم أهل صدقٍ وبصيرة وحكمة، ومنهم أهل هبدٍ واستعراض للعضلات الثقافية لحاجة في نفس أحدهم، والنوع الأخير هو ما نقصده في هذا المقال.

في لقاء جمع الأهدل مع واحد ممن خلعوا على أنفسهم لقب الناقد الخبير والموسوعة النحرير، بلع الخبير ريقه وقال بثقة منقطعة النظير: «هذه القصة مسروقة بنصها وفصها من رواية العطر للألماني باتريك زوسكيند»، نظر الناس شذرًا للأهدل وتخيل نفسك مكانه؛ فلا تعلم أتطير فرحًا لأن مخيلتك وصلت في إبداعها لدرجة التطابق أو حتى التوافق مع زوسكيند، أم تأسف لأن الخبير نسف إبداعك بقوله إن قصتك مسروقة وبصمات زوسكيند واضحة للأعمى في قصتك، وعبثًا يحاول الأهدل الدفاع عن قصته لكن قرار الناقد الخبير لا يقبل النقض أو الطعن عليه، والناس وإن لم تقرأ الرواية فإن الخبير قد كفاهم مؤنة قراءتها وأصدر حكمه الفصل.

وتمضي عقارب الساعة متسكعة تسكع العورة وهي تتكحل، ومرارة الموقف لا تغيب عن بال الأديب الشاب؛ فقرر أن يقرأ رواية زوسكيند ليقف على مدى التقارب والتباعد بين قصته القصيرة ورواية العطر. لم يجد الأهدل توافقًا من الدرجة الأولى أو الثانية أو حتى العاشرة بين قصته والرواية، ولعل الأمر قد اختلط على الناقد المحترف؛ فأشار إلى التطابق في السرد والحبكة والمعالجة الفنية للقصة والرواية! ربما رأى الناقد أن الأنف والعطر بينهما علاقة تلازم كيميائي؛ فأطلق حكمه على محمل الهبد! ومن يدري فالمعنى في بطن الناقد، وهو وحده من يحل هذا اللغز.

تمضي الأيام والسنون، ويجتمع الأهدل بالناقد الجهبذ ويتجاذبا أطراف الحديث؛ فيقول الأهدل: إنني لم أجد أي تقارب بين قصتي ورواية العطر، ويرد الناقد ببرود أعصاب: «أنا أصلًا لم أقرأ رواية العطر». لم يقرأ الرواية الذي تبجح بقوله إن القصة القصيرة مأخوذة عنها بل مسروقة منها! هل تتخيل أن يصل الهبد إلى هذه الدرجة من البجاحة والوقاحة؟ أن يستخف الناس بمجهودك وتعبك ونتاج عقلك، كل ذلك لا لشيء إلا لتنتفخ أوداجه ويبدو للناس عالما ببواطن الأمور. أنا أصلًا لم أقرأ رواية العطر».. بكل برود قالها ثم ولى كأن شيئًا لم يكن، وتغلي أعصاب الشاب ولكن من يهتم، ولو استدرك من الأمر ما استدبر، ما أعطى مثقال ذرة من اهتمامه لأقوال هذا الناقد الحقود.

لو وقفت مع نفسك لوجدت أنك تعثرت بواحد أو أكثر من هؤلاء في طريقك، وربما كان هذا الشخص سببًا في إقلاعك عن هدفٍ كنت ترجوه أو فكرةٍ كنت تعمل عليها، والأمثلة تفوق الحصر في هذا الشأن. ومع التألق الكبير للنجم المصري محمد صلاح في ليفربول الإنجليزي، تمر كلمات ممدوح عباس -رئيس نادي الزمالك الأسبق- في خانة الذكريات، وهو يتكلم بلسان الناقد الخبير ويلقي بصخور كبيرة عريضة في طريق اللاعب؛ فمن ذلك قوله في ديسمبر 2011: «ده لعيب محتاج لشغل كبير جدًا حتى ينصهر في بوتقة الـ Team، لعيب عنده ذاتية شديدة…». كلام كبير وألفاظ ضخمة قالها الأستاذ ممدوح عباس عن محمد صلاح، وماذا بعد؟ أنت ترى وتسمع عن تحطيم الفرعون المصري للأرقام القياسية في الملاعب الأوروبية، والتي بلغت حد أن لقبه الإنجليز بالملك المصري.

اقرأ أيضًا: قف على ناصية الحلم وقاتل 

ترى وتسمع خبراء -مزيَّفين- يلفظون كلماتهم التي صدعوا بها أدمغتنا، ولم تصدر هذه الكلمات عن علم ولا حكمة، لكنها بث لروح الهزيمة والإحباط لكل صاحب موهبة، كلمات هؤلاء الخبراء جاءت على محمل الهبد وترصُّد الطامحين واستئصال أحلامهم، وعندما يثبت المرء نفسه لن يقع الخبراء المزعومون في حيص بيص؛ فأحدهم سيقول دون أن يطرف له جفن: «أنا لم أقرأ الرواية دي أصلًا»، والثاني يقول: «وكنت قد رفضت انضمام محمد صلاح إلى نادي الزمالك عندما كنت رئيسًا له، واعتقد أنه يشكرني على هذا اليوم». بهذه البساطة يلوك الخبراء المزعومون كلماتهم بغض الطرف عن الألم النفسي الذي حفروه في الأنفس والصدور، ولا يعدم حيلة يتملص بها مما قاله إن أثبتت الأيام فساد زعمه.

تغريدة ممدوح عباس التي غازل فيها محمد صلاح

هذه عينة من الخبراء، وليس في ذلك تعميم؛ فكل تعميم خاطئ بما فيها هذا التعميم، لكنها عينة من خبراء أخذوا على عاتقهم تكسير مجاديف كل من يبحث عن فرصة، واستحقوا عن جدارة لقب أعداء النجاح. يتعين عليك أن تحلم وأن تطارد حلمك وتتمسك به، ولا تتخذ من كلمات الآخرين ذريعة للإحباط والفشل؛ فلن تجد من يدفعك للأمام وعليك أن تذلل طريقك بنفسك، وما عليك من أقوالهم مهما بدت منمقة أو رنانة، وعند بلوغك مراتب النجاح سيكونوا في طابرو المباركين والمهنئين، وما ذلك بغريب عليهم فلهم في كل أمرٍ تصريف ومن كل هبدة مخرجًا.

كم طوى البؤس نفوسًا لو رعت منبتًا خصبًا لكانت جوهرًا

والهبد من بواعث البؤس التي تأكل القلوب، وتعصف بالأحلام والطموحات وتفتك بالمواهب، ولا يتحرج تجار الهبد أن يظهر عوارهم، وقديما قالوا: «حُبُّ الظهورِ قَصَمَ الظهورَ»، وقد قصمت ظهورهم وهم يتشبثون بالأضواء، ولا بأس أن يطعنوا على الناس ولو بالباطل؛ فالمهم أن تتاح لهم الفرص وأن يظهروا في المشهد. لو أدرك هؤلاء حجيم المعاناة التي تسببوا فيها لغيرهم، ولو عاشوا لمحات من كفاح الآخرين وشقائهم؛ ما قبلوا على أنفسهم أن تُنسف أحلامهم لقاء استعراض سخيف، أو اجترارًا لكلمات ممجوجة باردة المشاعر باهتة الملامح.

للاطلاع: واصل بلا فواصل 

فيا كل مبتدئ! واصل طريقك بلا فواصل، ولا تسمع لهؤلاء ولا لهؤلاء، وامض واثقًا بقدراتك عازمًا على بلوغ هدفك، وإن كنت تشعر بالغصة والأذى مما يقال؛ فلقد قيل في حق سيد المرسلين ما نزل فيه قرآن يتلى: «وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ»؛ فلا تبتأس ولا ترضخ للإحباط والفشل، وانفض عنك اليأس والقنوط؛ لتجني ثمار العمل الدؤوب والإصرار على بلوغ الغاية. واحرص قدر استطاعتك أن لا تجتمع بأصحاب النفوس المريضة، وأن يكون لقاؤك بالمثبطين والمرجفين وأهل الهبد والهري والخنفشاريين مرة في العمر؛ فمرة واحدة تلتقي فيها هؤلاء تكفي وزيادة.

توقَّ الأذى من كلِّ نذلٍ وحاقدٍ فكم قد تأذى بالأراذِلِ سيدُ
ألم تَرَ أن الليثَ تؤذِيهِ بقةٌ ويأخُذُ من حدِّ المنهدِ مِبردُ

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد