أعلنت الحكومة الفلسطينية في بيان لها، صدر بشهر يونيو الماضي، تحديد يوم السبت الموافق 8 أكتوبر المقبل موعدًا لإجراء انتخابات المجالس والهيئات المحلية، وتكليف لجنة الانتخابات المركزية البدء بإجراء كافة التحضيرات والترتيبات اللازمة لذلك.

وتأتي الانتخابات في ظل ترقّب على الصعيد الدّاخلي من جهة، إذ تعتبر أول انتخابات حقيقيّة يتم إجراؤها منذ عشر سنوات على مستوى الأراضي الفلسطينيّة كاملة، ممّا من شأنه إعطاء لمحة جيّدة لمختلف الكيانات بالداخل، بما فيها حكومة الاحتلال، عن مزاج الشّارع الفلسطينيّ، وعلى الصعيد الدوليّ من جهة أخرى، حيث تخبو تحالفات قديمة وتولد أخرى.

ماهيّة المجالس المحلية الفلسطينية؟

ظهرت الدولة الفلسطينية بشكلها الحالي بعد اتفاقية أوسلو في أواسط التسعينيات، وبعد إنشاء وزارة الحكم المحلي تقرر ضم المجالس البلدية المختلفة في أنحاء البلاد تحت لواء الوزارة، وبرغم تنافي مفهوم الحكم المحلي الذي يعني الاستقلالية السياسية والإدارية والتشريعية عن السلطة المركزية، إلا أنه قد تم تبريره من قبل السلطة في ذلك الوقت بالحالة الاستثنائية التي تعيشها فلسطين.

على الرغم من ذلك فقد ضمن القانون الصّادر لسنة 1997 للمجالس المحليّة، والذي لم يتغيّر كثيرًا حتى الآن، عددًا من الصلاحيّات المؤثّرة، كتنظيم وتخطيط المدن، وتعبيد الشوارع والطرقات، وإصدار تراخيص الأبنية، وتنظيم الحرف والمهن والصناعات، وشبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي، وتنظيم الأسواق العامة والمحلات، والدفاع المدني وإغاثة المنكوبين، وتنظيم شؤون الباعة المتجولين ومنع التسول، ومراقبة الموازين والمكاييل، وغيرها.

بكلمات أخرى يعتبر العاملون بالمجالس، واجهة الحكومة في التعامل مع مواطنيها، إلى جانب وزارة الداخليّة بالطبع، أي أن المجالس المحلية الفلسطينيّة، هي قاعدة الهرم الانتخابي.

الوضع بعد انتخابات 2012:

تعرضت المجالس المحلية منذ إنشائها بالشكل الحالي إلى عرقلة في سير العملية الانتخابية، والتي ينص القانون على إجرائها كل أربع سنوات، حيث تنتهي مدة الأعضاء، ومع ذلك لم تقم سوى مرتين، الأولى في عام 2005، والتي شاركت بها حركة حماس بقوّة، والأخرى في عام 2012، والتي قاطعتها حماس، المسيطرة على مجريات الأمور في قطاع غزّة منذ عام 2006، ومنعت حدوثها في غزّة، وبذلك لم ينافس مرشّحو منظمة التحرير بالضّفة الغربيّة سوى بعض المستقلين الذين حصدوا عددًا لا بأس به من المقاعد رغم ذلك.

وكما يبدو فإن المجالس المحليّة بوضعها الحالي، تديرها شخصيّات مرتبطة بشكل وثيق بالحكومة، سواء فتح في الضفة أو حماس في غزّة، ممّا أضفى عليها طبيعة بيروقراطية تبعيّة بعيدة عن مجال التنافس واللامركزية المرتبطة بمفهوم المجالس الرسمي.

فلسطين على صفيح ساخن:

منذ أن تسلمت حماس مقاليد السلطة بغزة في عام 2006، مرّ القطاع بثلاث حروب مع الكيان الإسرائيلي في الأعوام، 2008 و2012 و2014، تسببت في استشهاد وتشريد عدد من السكان، فضلًا عن تدمير أجزاء من البنية التحتية، كما أن الأوضاع السياسية الملتهبة بالجارة مصر، أدت إلى تشويه حماس إعلاميًّا، بل وإعلان الاصطفاف مع إسرائيل في محاربتها، وتضييق الخناق على المعبر التجاري والبشري الوحيد على سيناء المصرية.

السعودية والإمارات أيضًا تضامنا مع النظام المصري الجديد، كما أن حرب السعودية وإيران، في اليمن وسوريا، أثرت في المساعدات المالية الإيرانية لحماس، كما شهدت العلاقات الإسرائيلية التركية تحسّنًا ملحوظًا بعد محاولة الانقلاب الفاشل، ربما تلقي بتداعياتها على الموقف التركي من حماس.

من ناحية أخرى تمر حركة فتح بظروف حالكة، مرورًا بخسارة الانتخابات في 2006، وفضيحة الجدار الإسمنتي في 2009، وصولًا إلى فصل محمد دحلان، أحد أهم قياديي الحركة في 2011.

وبرغم بعض الإنجازات الدبلوماسية التي حققتها الحركة في السنوات الأخيرة، كالوصول إلى الأمم المتحدّة، إلا أن محاولات السيطرة على الاستيطان الصهيوني المتزايد باءت بالفشل. ولكن تظل الحركة هي المكوّن الأساسي لمنظمة التحرير الفلسطينية الممثلة للسلطة الفلسطينية المعترف بها دوليًّا.

وفي تقرير لصحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، المحسوبة على اليسار، كانت نشرته في مطلع شهر يوليو الماضي، تحت عنوان «هل يصبح مروان البرغوثي مانديلّا فلسطين؟» أشارت فيه الصحيفة إلى أن البرغوثي حتى لو بقي كل أيامه بالسجن فهو يطرح بديلًا فكريًّا كاملًا للرئيس عباس، جوهره مصالحة مع حماس، ووقف فوري للتنسيق الأمني، وقيادة السلطة الوطنية لاحتجاجات سلمية ضد إسرائيل، ومقاطعة المنتجات الإسرائيلية.

كما تشير الصحيفة أيضًا إلى احتمالية تفاقم الجدل في الأوساط الإسرائيلية حول إطلاق سراح البرغوثي من عدمه، لا سيما بعد إعلان الرئيس عبّاس نيته في عدم الترشّح للسباق الرئاسي القادم الذي يبقى موعده في علم الغيب.

بينما تشير تقارير أخرى إلى ضغوط تمارسها بعض الأنظمة العربية، خاصةً مصر والإمارات، لعودة دحلان إلى صفوف الحركة، وربما الإمساك بزمام الأمور بعد تنحي الرئيس عبّاس.

وفي وسط الأجواء الملبّدة بالغيوم، أعلنت حركة حماس استعدادها الكامل لانتخابات المجالس المحليّة، فقدّمت قوائم باسمها في قطاع غزة، كما دعّمت قوائم أخرى مستقلّة في الضفّة الغربية، بينما قدمت فتح قوائم باسمها بالضفة وقطاع غزة أيضًا.

فوز حماس بالانتخابات يعدّ ضروريًّا لتجديد الشرعية، خاصّةً في ظل الظروف التي شهدها أبناء القطاع منذ وصولهم إلى سدة الحكم، وهو ما طالب به في مطلع العام الجاري، فايز أبو شمالة، الكاتب والمحلل السياسي المقرّب من حماس، إلّا أنه قد يضعها في موقف لا تحسد عليه في ظل محاصرتها دوليًّا، وعدم الاعتراف بها.

كما أن خسارة فتح للانتخابات ستدق ناقوس الخطر على أبواب أبي مازن، فبالنسبة لإسرائيل هو ذلك القائد الذي لم يستطع التصدّي لحماس على المستوى السياسي، ولا السيطرة على «انتفاضة السكاكين» على المستوى الأمني، وبالنسبة لأهالي الضفّة فشبهات الفساد وتزايد الاستيطان تنغّص معيشتهم، وأخيرًا الأشقاء العرب يريدون دحلان!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد