بالطبع فإن الأحداث الكبرى هي أقوى محفز لإحداث تغيير جذري في الإستراتجيات، بل في تبني خطط جديدة قد تغير حالة الأمة من حال إلى حال، ففي بريطانيا وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية أمر رئيس وزراء إنجلترا وتسون تشرشل بتشكيل لجنة لوضع أسس لكيفية بناء الأمة من جديد، وقد جاءت توصية اللجنة التي ترأسها الاقتصادي وليام بيفريدج (وعرف تقريرها فيما بعد بتقرير بيفريدج) لتؤسس لدولة الرفاه البريطانية، حيث حدد هذا التقرير خمس مساوئ كبرى لتجاوزها، فيجب على الدولة أن تحقق دخلًا كافيًا للجميع، الرعاية الصحية للجميع، التساوي في الفرص التعليمية، توفير مسكن لائق، ووجود عمل لائق.

واليوم تواجه دول العالم أجمع حرب مختلفة، حرب ضد كائن يهدد استمرارية اقتصاديتها وقد يؤدي إلى حالة من الركود والكساد غير مسبوقة، مهددة السلم الاجتماعي لكل دولة، كما أن التعامل مع هذا الفيروس يؤسس لمرحلة يتم فيها إعادة النظر في الترابطات الاقتصادية الكبرى ومدى فعالية الاعتماد على الغير في انتاج السلع، ولنا في حرب الكمامات وأجهزة التنفس بين دول العالم الأول خير دليل.

ففي بداية الأزمة ونتيجة الاعتماد المبالغ فيه صناعيًا على الصين، خصوصًا في صناعات اعتبرتها الاقتصاديات الرأسمالية غير مهمة، ولا تقع ضمن الأولوليات، شهدنا اتهامات مختلفة، كأن تتهم ألمانيا حكومة الولايات المتحدة الأمريكية بالاستيلاء على 200 ألف كمامة كانت قد اشترتها من تايلند، أو أن تقوم الحكومة الفرنسية بمصادرة كمامات ومعقمات كانت موجهة إلى كل من إيطاليا وإسبانيا، وعليه بعد الأزمة فإن على كل دولة أن تتعلم خطورة الاعتماد على دول اخرى لتوفير اساسيات بقائها من أغذية، معدات طبية ،الاجهزة والأدوية.

تحديد الصناعات الإستراتيجية وتوفير الحماية لها ليست صرعة جديدة ومرتبطة بجائحة الكورونا، فقبل انتشار الوباء ومع تصاعد حصة اليمين السياسي في العديد من دول العالم كانت إحدى الأوراق الرئيسة لديهم هي إعادة الصناعة من الشرق الغربي، وليس أدل من ذلك تأكيد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المتكرر على ضرورة إعادة تشغيل المصانع في أمريكا وحثه على رفع نسبة المصنع من أي منتج داخل الولايات المتحدة ليتم الاعتراف به كمنتج أمريكي.

وبغض النظر عن التوجه السياسي علينا الاعتراف بأن هناك صناعات إستراتيجية لا يمكن لأي دولة الاستغناء عنها، أو أن تتركها للمنافسين في السوق العالمي لتحديد مصيرها، أو أن تصبح عرضة للاستحواذ من قبل شركات أخرى، بل يجب على كل دولة أن توفر لها الحماية وربما تشرع قوانين لضمان إستمراريتها والاحتفاظ بملكيتها حتى ولو لم تكن مجدية اقتصاديًا في المدى المنظور، ولعل أبرز مثال على ذلك قانون حماية الصناعات الإستراتيجية الذي أقرته الحكومة في الفرنسية في بين العام 2005 – 2006 حينما اقتربت شركة بيبسكو الامريكية من الاستحواذ على شركة الألبان الفرنسية العالمية دانون، حتى أن القانون أطلق عليه اسم «قانون دانون».

إلا أن توطين الصناعة يواجه عدة تحديات، منها تحديد الصناعات الإستراتيجيات التي سيتم توفير الحماية لها، فالصين والولايات المتحدة الأمريكية قد تعتبر الصناعات الالكترونية وصناعة أشباه الموصلات إستراتيجية، دول أوروبية أخرى تعد الصناعات العسكرية هي الإستراتيجية، في أغلب دولنا العربية لا أعتقد أننا سنواجه هذه المشكلة، فأغلب صناعتنا هي ذات علاقة بالمواد الأولية المرتبطة بالغذاء أو التعدين فالمفروض من الحكومات أن تبحث توطين سلاسل الإنتاج وتعزيز القيمة المضافة لهذه الصناعات الاستخراجية، ووضع أكبر عدد ممكن من الشركات الصغيرة والمتوسطة على خطوط سلاسل التزويد والإنتاج.

المشكلة الأخرى هي مدى كفاءة استخدام عناصر الإنتاج، فالنتيجية التقليدية لتدخل البيروقراطية الحكومية في أي صناعة هي انخفاض كفاءة الإنتاج، ومع انخفاض كفاءة الإنتاج وصعوبة تحقيق أي أرباح اقتصادية لبعض الصناعات ستكون النتيجة انعدام الاستثمار في البحث والتطوير والدخول في حلقة مفرغة من الخسائر المتكررة، التحدي الأخير هو من سيتحمل تكلفة الاحتفاظ بهذه الصناعات، فدول يعاني اقتصادها من الديون المرتفعة وبالطبع سترتفع أكثر بعد الجائحة، وأضف إلى ذلك عدم وجود أي مجال فيها لفرض أي ضرائب جديدة كيف ستطيع تبني سياسة الحفاظ على الصناعة الإستراتيجية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد