بالصدفة وأنا أتصفح الإنترنت كعادتي الشبه يومية وقع نظري على خبر نزل عليّ مثل الصاعقة وظل الحزن يخيم عليّ لساعات طويلة كان الخبر عن رحيل الصديق العزيز “لوكانيكوس”.

 

أعلم أن كثيرًا منكم أيها السادة لا يعلم من هو “لوكانيكوس” فدعوني أحاول أن أعرفكم عليه لعلنا نتعلم منه شيئًا، “لوكانيكوس” كان واحدًا ممن شاركوا في التظاهرات بالعاصمة اليونانية أثينا عقب إعلان الحكومة اليونانية والاتحاد الأوروبي خطة تقشف بعد الأزمة الاقتصادية التي تعرضت لها اليونان في عام 2008، إحقاقًا للحق “لوكانيكوس” لم ينزل هذه التظاهرات ضد هذا القرار، ولكنه نزل مع صاحبه ليحميه ويدافع عنه إحساسًا منه بالخطر عليه، لم يكن ذا جسم ضخم، بل كان جسمه ضئيلاً جدًّا وبرغم ضآلته، إلا أنه كان يملك قلبًا شجاعًا جعله يتقدم الصفوف الأمامية طوال مدة التظاهرات، ثلاث سنوات أصبح من خلالها “لوكانيكوس” أيقونة التظاهرات اليونانية.

ذاع صيته في أرجاء المعمورة حتى غنى له المغني الأمريكي “ديفيد روفيكس” أغنية أصبحت من أهم الأغاني المرتبطة بالاحتجاجات اليونانية، كان “لوكانيكوس” بمثابة خط الدفاع الأول للمتظاهرين فكان ما إن يرى الشرطة تطلق قنبلة غاز حتى يجري عليها ويبعدها عن أصدقائه المتظاهرين، شهرته الكبيرة التي تخطت حاجز اليونان وأوروبا جعلت من كل من يقرأ عنه يقف منبهرًا متخذًا منه المعلم في الإخلاص والوفاء.

 

رحل “لوكانيكوس” عن عالمنا وكان السبب في رحيله تراجع حالته الصحية بسبب الكيماويات والغازات المسيلة للدموع التي أطلقتها الشرطة على المتظاهرين، والتي كان يستنشقها بشكل مستمر أثناء وجوده في المظاهرات، حسبما قال الطبيب المتابع لحالته، الحقيقة إنني لا أعلم إن كان “لوكانيكوس” يعلم أن تلك الغازات التي تصدى لها بكل شجاعة وجسارة ليبعدها عن المتظاهرين ستكون سببًا في رحيله يومًا ما أم لا، ولكن تبقى حقيقة رحيلة هي الأكيدة الآن.

 

رحل “لوكانيكوس” ولكن بقيت القيم التي دافع عنها وتحلى بها كما بقيت من قديم الأزل، ولكنه صرخ في وجه جميع أبناء آدم ليذكرهم بها بعد أن انغمسوا في عالمهم وأهوائهم وشهواتهم المادية.

 

“العدل، الرحمة، التسامح، الشجاعة… إلخ” تلك القيم العظيمة المجردة التي تسمو بالإنسان لتجعله حقًّا إنسانًا، تناساها أبناء آدم منذ بداية عصر ما يسمى بالنهضة الصناعية بعد أن سخر الإنسان عقله ونفسه للمادة مهملاً تارة، وكافرًا أخرى، بما وراء هذا العالم المادي؛ فظهرت النظم الرأسمالية والاشتراكية، والتي ما زالت تسيطر على العالم حتى وقتنا هذا.

 

تلك النظم التي تبدو مختلفة في معالجتها للأمور الاقتصادية والاجتماعية، إلا أنها متفقة على أن الإنسان مسخر للمادة وليس أن المادة مسخرة للإنسان كما ينبغي أن يكون الأمر، لم يعجب “لوكانيكوس” هذا الوضع فقرر أن يتدخل بنفسه لمحاولة إعادة الأمور إلى نصابها في عالم هو شريك فيه، وقرر أن يضحي بنفسه من أجل أن يُذكر أُناسًا هم ليسوا من بني جنسه.

 

قد تندهش عزيزي القارئ عندما تعلم أن لوكانيكوس هو مجرد حيوان ينتمي إلى عالم الحيوانات فهو لم يتخطَ كونه “كلبًا” ولكنه أدى رسالة لم يؤدها كثير من أبناء آدم الذين اختاروا أن يعيشوا عيشة الحيوانات لا يفكروا سوى في المادة، وقرر هو أن يعيش كبني آدم ويتخطى حاجزها.

أخيرًا قد أكون بالغت كثيرًا في أمر “لوكانيكوس”، ولكني أؤمن أنه لن ينصلح حال هذا العالم حتى يعرف الجميع أين هم من “لوكانيكوس”.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد