إسلام رضا
إسلام رضا

«روى: يروي: رواية».

هذا ملخص الأمر فإن فهمت المغزى فلا حاجة أن تكمل.

«شارع واسع يطل على أرض مزروعة بالكاد نبتت السنابل وشبعت التربة من الماء وتبخر الباقي فتستطيع الآن أن تضع قدمك ولا تنزلق في الطين، اجتمع بضعة رجال لا يهم هل كانوا ستة أو سبعة فقط يبدو عليهم التعب ولكن تتعالى ضحكاتهم من أفواه يبدو عليها الهم لكنها أصرت أن تقاوم للنهاية، وفي وسط ذلك تعلقت عيونهم برجل ستيني كأنه استخدم عليهم السحر، فمضى الرجل يحدثهم ويروي لهم قصصًا حدثت في عهد سابق فلم تنزل عيونهم إلا في أوقات قصيرة وهم يقطعون حديثه.

ولكن أكثرهم تعلقًا كان شابًا في مقتبل حياته، جلس يسمع القصص ولا يضحك إنما صمت فمه وضحكت عيناه من الدهشة، وكلما تحدث أحد ليقطع القصة نظر إليه بغيظ ومن داخله ود لو يقتل هذا الرجل لكن لا شيء من أطرافه يجرؤ أن يتحرك».

هكذا هي الرواية. تكون لبعض الناس بمعنى قصة للتسلية ولبعض الناس تعني (الارتواء) أي الشرب حتى الشبع بعد الظمأ.

إني أحدثكم عن الرواية وما زلتُ جديدًا في عالم الكتب، وقد بدأت حياتي في القراءة الثقافية عن طريق الروايات. نعم لأكون صادقًا لقد بدأت الطريق بروايات رومانسية وأغلبها باللغة العامية البسيطة، وهي أصبحت الآن أفيون الشباب اليوم، خاصة أولئك الذين هم في بداية حياتهم، يفتح أحدهم تلك الروايات الرومانسية خاصة تلك الروايات المكتسية برداء ديني تتحدث في طياتها عن نوع من الحب يسمونه (الحب الحلال).

نعم تلك الروايات ذات نفع ولكنها أفرطت في الحديث عن الرومانسية المثالية فصنعت للشباب عالًما خياليًا هو في المستقبل سيتعارض مع واقعهم، والحياة لا ترحم.

ولكني لم أكتب لأتحدث عن تلك الروايات ولكني أتحدث عن الروايات بشكل عام، خاصة (الواقعية، والخيال العلمي، والنفسية).

قال لي أحدهم يومًا  لماذا تقرأ الروايات إنها تضيع وقتًا، لقد اقتنعتُ بالفكرة.

فإن الوقت الذي أقضيه في قراءة رواية يماثل الوقت الذي أقرأ فيه كتابًا أو عشرات المقالات، وهجرت الروايات مدة، ثم مدة ثم عاد الحنين.

إنني أحسست بالفقد، أحسست أن شيئًا ما ناقص.

إن الناقص كان الروح، إن الكتب وإن كانت أذكى وأكثر معلومات ولكنها جوفاء، ثقافتها جامدة هي ألبوم صور ملتقطة من على بعد آلاف الكيلومترات، لا تكاد تحس بالبشرية بداخلها.

دعني أحدثك اليوم عن بطرسبرج الأرستقراطية أيام القيصر وستنسى ما أذكره وستمل منه، ولكن مجرد أن تقرأ رواية لدوستويفسكي وستعيش أنت في بطرسبرج مع الرواية ستكون شاهدًا على كل شيء هناك. إن كان الكتاب صورة تلسكوبية فإن الرواية صورة ميكروسكوبية تبرز أدق التفاصيل، وإن كان الكتاب يعطيك حقيقة الحياة فإن الرواية تعطيك الحياة لتكتشف أنت منها الحقيقة.

إني تعلمت عن بطرسبرج (مدينة روسية شهيرة) وعن كولومبيا وعن البرازيل من الروايات. استشعرت واقعها وكأنني كنت أحد مواطنيها أراقب أبطال الرواية وهم يفعلون الأشياء أمامي.

والأندلس وما أدراك ما الأندلس إنني عشت فيها دهرًا طويلًا أتنقل فيها بين كتاب ورواية كنت فيها مع دخول طارق بن زياد (رحمه الله) حتى خروج أبي عبد الله محمد ابن الأحمر الصغير.

وقفت معه لأزفر زفرة العربي الأخير، وتنقلت في الأندلس من قصورها ومروجها لسجونها ومحاكم التفتيش فيها وأعد كفني في ثورة الموريسكيين الأخيرة مع محمد بن أمية (رحمه الله) هذا كله عشته لحظة بلحظة، لن تحتاج إلى آلة الزمن يكفيك كاتب وروائي عبقري.

 الكاتب العبقرى في نظري من ينقل لك الحياة كما هي، ولكن العبقري من ينقلك للحياة تلك لتعيشها لحظة بلحظة.

أما القصص النفسية: فحدث ولا حرج عن كم الشعور والأفكار التي تأتيك من خلالها، إنها تنقل إليك صورة المعاناة الحقيقية؛ إنها معاناة النفس، دع عنك كتب علم النفس جميعها وعش مع المرضى النفسيين في حياتهم الحقيقية، في طرق تفكيرهم، في آلامهم، في شكوكهم. صدقني ستتعامل معهم بمزيد من الرحمة والإشفاق. سيتبدد عندك المفهوم الخاطئ عن المرضى النفسيين وتتبدد تلك الصورة التلفزيونية السخيفة، لتشعر بالحقيقة نصب عينيك.

….
صديقي أنت لك لغز وأنا لي لغز ولكل شخص لغز هذا ما أعتقد فيه أنا. وأنا قررت البقاء في عالم الروايات وأتمنى رؤيتك قريبًا، وأنا على يقين أنني سأبحث عن الألغاز وستكون لي فيما بعد روايات أرويها وأجلس مكان هذا العجوز الستيني لأروي من أتاني ظمآنَ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك