في الإصدار السينمائي الجديد من شركة Marvel والذي يتناول إحدى قصص «الرجال إكس» X-Men، لن تجد كالعادة أبطالًا خارقين يرتدون ملابسهم البلاستيكية الضيقة اللامعة، ولن تجد أجهزة وأسلحة إلكترونية خارقة ومدمرة، ولن تجد مقرات رئيسية فخمة تفتح أبوابها ببصمة العين، ولن تجد رجالًا يطلقون الليزر من أعينهم، أو نساءً يغيرن الطقس ويطلقن الرعد والبرق بإشارة من أدمغتهن.

لن تجد أيًّا من ذلك في فيلم «لوجان» Logan، بل ستندهش عندما تعلم أن البروفيسور «إكسافير» مؤسس مدرسة إكس للمتحولين، لم يعد يعمل في مختبره الضخم المعدني المسمى بـCerebro، بل أصبح يعيش داخل خزان مياه معدني صدئ!

تدور أحداث الفيلم في المستقبل القريب، وتحديدًا عام 2029 (بعد أكثر بقليل من عقد واحد من الآن)، حيث تناقص عدد المتحولين Mutants بشدة وخصوصًا مع الحظر المفروض عليهم من جانب حكومة الولايات المتحدة الأمريكية، في هذه الحقبة يعمل لوجان – المشهور أيضًا باسم «وولفرين»، ويقوم بدوره الممثل هيو جاكمان – سائقًا على عربة ليموزين، يحاول الابتعاد عن حياة العنف تجنبًا للمشاكل، ويحاول الحصول على قوت يومه ليستطيع الحياة، وليستطيع رعاية البروفيسور تشارلز إكسافير – يقوم بدوره الممثل المخضرم باتريك ستيوارت – حيث يقيمان مع «كاليبان» – وهو أيضًا متحول أمهق لديه قدرة خارقة على استشعار المتحولين – في مكان أشبه بمزرعة خربة قرب الحدود المكسيكية.

يبدو كل شيء بائسًا وفي طريقه للنهاية، أجواء تمت لـ«دستوبيا» سوداوية بجدارة، يبدو لوجان – المشهور في أفلام إكس مِنْ بمخالبه الحديدية الطويلة واللامعة التي تبرز من يديه وقت القتال، وأيضًا بقدرة جروحه على الالتئام السريع – يبدو وقد شاخ كثيرًا، وتبدو على وجهه علامات المرض الشديد وكأنه على وشك الاحتضار. أيضًا البروفيسور إكسافير – العقل الجبار الذي كان يجلس في برجه العاجي في السيريبرو ليتمتع بقدراته الخارقة على التواصل الذهني «تليباثي» – يبدو عجوزًا مريضًا مشتتًا بشدة، يبقيه لوجان وكاليبان في صندوق معدني ضخم لعزله عن العالم، ويعطيانه من حين لآخر مهدئات خاصة كي يستطيعا السيطرة على قدراته التي قد تكون مدمرة، التي لم يعد يستطيع هو السيطرة عليها، ومن حين لآخر يتحدث إلى لوجان بنبوءات تشبه الهلوسات، عن شخص متحول عليه أن يجده، وأنه سيقابل ذلك المتحول تحت تمثال الحرية! يخبره لوجان في إشفاق أن مسألة تمثال الحرية تمت تسويتها منذ زمن – مشيرًا للأحداث التي وقعت في أول فيلم من سلسلة X-Men عام 2000 -.

تبدأ القصة حينما تلجأ ممرضة مكسيكية إلى لوجان طلبًا لمساعدته في توصيلها هي والفتاة الصغيرة «لورا» إلى الحدود الكندية، وعرضت عليه مبلغًا كبيرًا للغاية طالبة منه أن يحضر سيارته ويقابلها هي والفتاة في مكان حددته، وألا يتأخر لأن هناك من يطاردهما ويريد بهما شرًّا. لكن لوجان يصل متأخرًا قليلًا للفندق الصغير الذي يقيمان به ليجد الممرضة مقتولة، ولا يجد سوى لورا، الفتاة الصغيرة التي لا تتحدث إطلاقًا، والمتشبثة بحقيبة صغيرة لا تريد التخلي عنها – تقوم بدورها الطفلة الموهوبة دافني كين. ينظر لوجان إلى اللافتة النيون التي تعلو الموتيل، يجدها تحمل اسم Liberty Motel، وتحمل أيضًا رسمًا مضيئًا لتمثال الحرية!

يعود لوجان بالطفلة إلى كاليبان وإكسافير، حيث يرحب الأخير بها للغاية ويخبر لوجان أنها هي بالضبط المتحول الذي توقع العثور عليه. ولا يمضي وقت طويل حتى يتعرض المتحولون الأربعة لهجوم شرس من عصابة مسلحة شقت عرباتهم المصفحة الصحراء قادمين إليهم من بعيد. ويقود هؤلاء المرتزقة شخص عنيد ذو مزاج متقلب بين الفكاهة والشراسة، له يد روبوتية معدنية، ويدعى «بيرس» – الممثل بويد هولبروك – ويطلب من لوجان تسليم الفتاة.

هنا نفهم أن هؤلاء الأشرار هم من يحتاجون الحماية من الفتاة وليس العكس، حيث تظهر قدرات الفتاة الخارقة في قتال هؤلاء، ونجدها وكأنها نسخة مصغرة من لوجان، تظهر لها مخالب حديدية طويلة ليس فقط من يديها، وإنما من قدميها أيضًا، بجانب بالطبع قدرتها الخارقة على شفاء إصاباتها بسرعة. وبسرعة رهيبة أيضًا يمكنها – بمعاونة لوجان – التغلب على كل هؤلاء المسلحين، والهروب منهم مع إكسافير ولوجان في سيارة الليموزين الخاصة بالأخير.

مخرج الفيلم «جيمس مانجولد» قرر إضفاء نكهة إنسانية خاصة على هذا الفيلم، سواء عبر قراره في استخدام أقل قدر ممكن من المؤثرات البصرية في سلسلة الرجال إكس على الإطلاق، أو في تتبع أحوال الرجال إكس أنفسهم الذين اضطرهم الزمن إلى التخفي والهروب والشعور الدائم بالتعقب والاصطياد، ذلك الشعور الرقيق بالضعف الذي غلفهم، فجعلهم أبعد ما يكون عن الأبطال الخارقين اللامعين، ورجع بهم إلى أصولهم البشرية المذعورة التي تحتاج إلى العناية، وتحتاج إلى استكشاف علاقاتها الإنسانية من جديد. ولذلك كان مدهشًا أن تستضيف عائلة أمريكية من المزارعين مكونة من أب وأم وابن مراهق، الرجلين والفتاة. كانت العائلة التي علقت على الطريق مع جيادها، قام لوجان وإكسافير بمساعدتهم، مما جعل العائلة تصر على دعوتهم للغداء في منزلهم، ثم لاحقًا الإصرار على دعوتهم أيضًا للمبيت. تراص الجميع حول طاولة الطعام في سعادة بالغة، وهم يتحدثون ويتضاحكون ويأكلون كأشخاص طبيعيين – لم يخل الأمر من تصرفات متوترة للوجان، إلا أنها كانت تخفت مع الوقت – وقبل الخلود للنوم قال إكسافير للوجان وعلى وجهه تعلو ابتسامة: «هذه من أجمل الليالي التي قضيتها في حياتي منذ زمن طويل». وتابع كلامه بلهجة مشفقة: «أمامك وقت يا لوجان لتعيش حياة طبيعية مثل هؤلاء، أن تجد لنفسك شخصًا يحبك وأن تؤسس عائلة».

مانجولد سبق وتعاون مع هيو جاكمان في أكثر من عمل، أبرزهم الفيلم الرومانسي الكلاسيكي Kate & Leopold عام 2001، وThe Wolverine عام 2013. وتبدو هناك كيمياء ظاهرة بينهما، استغلها مانجولد لتطويع الصورة النمطية لوولفرين التي تظهر في أفلام ومجلات الكوميكس – ومنها مجلات الكوميكس التي تتابعها لورا نفسها -، وتكشف الجزء الرمادي في شخصيته الذي لم يظهر من قبل، الرجل الذي لم يعد قويًا واثقًا ومغرورًا ومتعاليًا كما عادته، وإنما عجوز مريض هش لا يريد من الحياة سوى «أن يموت»، ولورا جاءته في الوقت المناسب لتمنعه من أن يستسلم للموت. جاءت حاملة معها رابطة جينية قوية وكأنها ابنته، ورسالة تستجديه فيها بأن يجد من جديد هدفًا لحياته، ومعنى لوجوده.

سواء كنت من الرجال الخارقين أو لا، هذا زمن صعب، ومستقبل صعب، يجب علينا فيه جميعًا أن نتكاتف ونكتشف مواطن قوتنا الجمعية لكي نستطيع البقاء ومواجهة التحديات الصعبة التي تقابل الجنس البشري، من تغير مناخي، وتطرف ديني وسياسي، وتفكك دولي، وانهيار اقتصادي. أعتقد أن هذه رسالة جيمس مانجولد لنا، العالم في وضع مزرٍ من الصعب فيه التلهي بإنتاج فيلم لامع آخر للرجال إكس، ولذلك قرر إنتاج فيلم عادي لمواجهة زمن غير عادي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد