الإحصاءات:

أكثر الأدلة قوة هي المعتمدة على أرقام، لأن الأرقام لا تكذب، فهي لغة العلم الموضوعية، المحايدة، الدقيقة، لكن ليست المشكلة في علم الإحصاء، وإنما المشكلة حين يتدخل الإنسان في طريقة الإحصاء، وتوظيف الأرقام، ودلالة النتائج.

  1. المتوسط:

كثيرًا ما نجد أرقامًا إحصائية تشير إلى الرخاء الاقتصادي وعدالة التوزيع، في حين لا نرى ذلك حقيقة!

مثلًا نريد حساب متوسط مرتبات الموظفين، الواقع يقول أن مجموعة صغيرة تتقاضى مرتبات عالية جدًا، وعددًا كبيرًا يتقاضون مرتبات ضئيلة، دعنا نرى كيف تختفي هذه الحقيقة أو تظهر بالإحصاءات.

لدينا ثلاث طرق لحساب المتوسط:

الوسط: يتم جمع المرتبات وقسمتها على عدد الموظفين. الرواتب المرتفعة للبعض يزيد من هذا الرقم، لذا فهو يُستخدم ليظهر أن متوسط المرتبات عالٍ!

الوسيط: يتم ذكر المرتبات، وأخذ الرقم الموجود في المنتصف. وهي حسبة غير دقيقة ولا منصفة بالمرة.

المنوال: هو المرتب المتداول، الذي يتناوله أكبر عدد ممكن من الموظفين. هذا هو الرقم الذي يشير لعدالة التوزيع بالفعل.([1]

2. الإحصاءات المستبعدة:

إن قلنا أن نسبة وفيات لاعبي الملاكمة زادت 100%، فلا شك أنها نسبة مخيفة، في حين لو كان عدد وفيات لاعبي الملاكمة العام الماضي 2، فأصبح 4. عندئذ تخف حدة النسبة السابقة.

إن قلنا أن 50 سيارة تعرضت لحادث على طريق (أ)، بينما 100 سيارة تعرضت لحادث على طريق (ب)، عندئذ نستنتج بوضوح أن الطريق (أ) أكثر أمنًا من (ب).

لكن إذا اكتشفنا أن السيارات التي مرت في (أ) 50 سيارة، هذا يعني أن كل السيارات التي دخلت الطريق (أ) تحطمت، أي أن نسبة تحطم السيارة 100%. أما في الطريق (ب) فعدد السيارات المارة فيه 1000، هذا يعني أن نسبة تحطم السيارة 10% فقط، وبذلك فهو الأكثر أمنًا.

هنا اعتمد التضليل على إظهار إحصاء غير مفيد، وإخفاء غيره وهو الأهم. 

رد الفعل:

في مسلسل (هاوس) مرضت بنت من الأقزام، وتبين أن قصرها ليس وراثيًا وإنما هو نتاج مرض عارض، وبعملية بسيطة يمكن علاجها وتصبح بطول طبيعي، لكن المفاجأة أن البنت رفضت إجراء العملية!

أمها أرادتها أن تتكيف مع القزم فربتها على أن القصر ليس عيبًا، بل بالغت وربتها على أنه ميزة، وأن الطول هو عيب وشاذ، فنشأت البنت على أن الطول الطبيعي نقص ورفضت إجراء عملية تجعلها معيبة!

يقترب ذلك من محاولات الشيوخ لتكييف الفقراء مع فقرهم، وبالغوا في رد الفعل حتى صدَّروا مفاهيم أن النبي كان فقيرا، والله يحب الفقراء، وموتك فقيرا خير من موتك غنيًا، حتى تفشى في الأذهان ارتباط الإسلام بالفقر والزهد عن أي تطور!

شهدت أمريكا في أوائل القرن العشرين اضطهادًا للسود، فظهرت حركة (أمة الإسلام) لتقاوم هذا الاضطهاد، لكنها تبنت مفهوما شاذًا للإسلام باعتباره رد فعل لاضطهاد السود وأن الإسلام أُرسل للسود فقط، وأنه جاء ليميز السود عن البيض!

وليست مغالطة رد الفعل بعيدة عن حياتنا العملية، فقد كتب د. أحمد خالد توفيق: «(بريجيبت).. هذه اللفظة تعني محاولة تقويم العصا المثنية بحيث تنثني إلى الناحية الأخرى، الناس تتوقع أن يلقى ابن المعلم تدليلًا خاصًا، وتتوقع أن يثني صديقك الناقد على كتاباتك مهما كانت سيئة، لإثبات العكس يُعاقب ابن المعلم بقسوة دون زملائه، ويهاجم الناقد هذه الرواية بكلمات لم يكتبها في حياته، نحن عادلون، نحن عادلون لهذا سنظلمك ظلمًا فادحًا».

مقاومة الشر تضطرنا أحيانًا للتطرف في الجهة المقابلة كي نتمكن من مواجهته، إلا أن في عالم الأفكار نجد الحقيقة محددة ملامحها، تأبى أن تغادر محرابها، تفقد صحتها إن تركت حدها. ولا يغريها أن عدوها متطرف لتتطرف هي الأخرى، فالتطرف يمينًا يساوي التطرف يسارًا، وكلاهما خطأ.

مثلًا نجد مجتمعًا ذكوريًا ينتهك حرية المرأة واستقلالها، ولمقاومة ذلك نجد نساء متمردات على كل تقليد وكل عرف، حتى باتت تتباهى بالسب علنًا، وخلع الحجاب، وإتيان كل ما يرفضه المجتمع، ليس لقناعة خاصة وإنما فقط لإثبات تحررها! عندئذ قد سقطت وتمرغت في مغالطة رد الفعل، فقد قاومت تطرف مستبد بتطرف شاذ.

ويشهد التاريخ أن صراع الأيدولوجيات يُشحن من هذا اللغم؛ فليست مبالغة إن قلنا أن أغلب توجهاتنا هي ردود أفعال، مثلًا حين نجد جماعات تقدس التراث وتعود بنا لنحيا في قرون مضت، عندئذ نجد أنفسنا نرفض التراث كله ونتأفف من ذكره! وهم حين يجدون جماعات منبهرة مولعة بتقليد الغرب، سيرفضون كل فكرة مستوردة وإن كانت صحيحة!

ويستمر الصدام لأن كل طرف يستمد قوته من تطرف الآخر! والحقيقة بريئة من كل تطرف، تقف بينهما وتلعن كليهما، ولا نحتاج سوى رد عقلاني حكيم هادئ، يقاوم دون أن يترك أرض الحق، يرد دون مبالغة، يقاوم اعتداء دون غلو.

(وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا).

التفكير ثنائي القطبية:

س: «انتقادك للسيسي يعني ضمنيًا تأييدك لمرسي، والعكس صحيح».

ص: «كيف تقرأ للإمام القرضاوي ود. علي جمعه في نفس الوقت؟!».

د: «إعجابك بسيد قطب يعني ضمنيًا موافقتك على آرائه الإرهابية».

إذا امتلك رجل شعرة واحدة على ذقنة، هل يعتبر ملتحٍ؟ مؤكد لا، ماذا لو امتلك شعرتان؟ الإجابة أيضًا لا، ماذا عن 3 شعرات أو 4 أو 5؟ تظل الإجابة لا، يجد الخصم صعوبة بالغة لمعرفة متى يجيب بنعم، لأنه إذا أجاب عن 100 شعرة بلا، ثم أجاب عن 101 شعرة بنعم، فكأنه اعتبر هذه الشعرة هي الفارق بين الرجل الحليق والملتحي!! طالما نقف بين قطبين بعيدين، فلا نعرف تحديدًا الحد الفاصل بين الحليق والملتحي، وكذلك الأبيض والأسود، الذكي والغبي، الوطني والخائن …إلخ،

ولا يمكن الخروج من هذه المتاهة إلا بتغيير صيغة السؤال الثنائي: حليق أم ملتحي؟ أبيض أم أسود؟ نافع أم ضار؟ وإنما يجب تقسيم هذا الخط الواصل بينهما إلى عدة مستويات: حليق، ولحية خفيفة، ولحية كثيفة، ولحية كثيفة جدًا. وكذلك أبيض، وفضي، ورمادي، وأسود. بذلك يسهل التصنيف والوصف الدقيق. كذلك أغلب الصفات يمكن تقسيمها إلى عدة درجات، وليس قطبين فقط، ليس في الأفكار الضلال المبين والحق الناصع، وإنما هي درجات تتفاوت نسبها.

مثلا.. المخدرات، والأفلام الإباحية، والإسراف. طبقًا للتفكير الاستقطابي هو مخير بين خانتين فقط: نافع وضار. وبالطبع لن يضعهم في خانة النافع، لذا يضعهم جميعًا في خانة واحدة، وهي الضار، ولكي يكون متسقًا في فكرته، يجب أن يمتد الخط كالتالي: كما تجرم الحكومة المخدرات، يجب أن تجرم الإسراف كذلك!

إلا أن الواقع يفرض فروقًا حتمية، تجعل المخدرات مضرة جدًا، لدرجة تصل إلى إعدام من يتاجر بها، لكن الأفلام الإباحية أقل ضررًا، لكن يجب الحد من تداولها، أما الإسراف فهو مضر، لكن لا يمكن أن يعاقب عليه القانون. وبذلك نتبين أنه لا مناص من اللجوء للدرجات الرمادية.

كلنا يريد حدودًا حاسمة فاصلة واضحة، وإنما الواقع يفرض قضايا تحتمل آراء ودرجات وترددات، مثلًا لا علاقة زوجية بلا مشكلات، لكن ما قدر الخلافات الزوجية الذي يجعلنا نحكم على العلاقة بالفشل؟ كل مشروع اقتصادي يمر بفترة خسارة، لكن ما قدر الخسارة الذي يجعلك توقف المشروع؟

كلام صحيح غير مفيد:

تخيل إذا ذهبت لطبيب وقال لك: شفاؤك في العلاج، دون تحديد أي علاج لمرضك! تخيل إذا أمسك أحد بقماشة بيضاء وحاول إثبات وتأكيد وبرهنة أنها بيضاء! هي أحاديث صحيحة، إلا أن عدم دقتها أفقدها قيمتها، تأثيرها، أصبح كلامًا استهلاكيًا بلا أي وزن. الأهداف العظيمة للأحزاب والأماني الجليلة للأشخاص إن لم تُحدد الوسائل المناسبة لتطبيقها تصبح كذبًا وتزييفًا.

إذن يجب أن يأتي الحديث بحديث. أن يكون محددًا ودقيقًا ومفيدًا.

 

__________________________

[1]. (الأسئلة المناسبة .. مرشد للتفكير الناقد) ص297

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد