بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد،

بإذن الله سأنشر سلسلة مقالات لتفهيم المنطق والمغالطات المنطقية وكيفية معرفتها ورصدها، وإسقاطها على أمثلة حية غالبًا موجودة في طرح الملحدين عامتهم أو المشاهير منهم. لذا فبمعرفتها ومعرفه لِمَ هي مغالطة، وعلى أي أساس يمكننا بناء تفكير سليم لا يقع في تدليسات وأخطاء المغالطات المنطقية. وهذه المقالة بإذن الله سيكون البداية بالتعريفات ثم بعدها سنتكلم عن كل مغالطة على حدة.

نبدأ أولًا بتعريف، ما المنطق؟ المنطق هو منهج عقلي للاستدلال -كالمنهج التجريبي العلمي، هما يختلفان ولا يتضادان. فمناهج المعرفة مختلفة، وكل منهج يصح حسب صحة دليله- ويتم بناؤه وإعادة كل الحجج فيه إلى ثلاث قواعد بدائية مطلقة من العقليات الضرورية.

1- مبدأ عدم التناقض: والذي يعني باختصار أنه لا يمكن جمع الضدين في المسألة نفسها.

وينبه في هذا الأمر على شيء، هو أن الضدين قد يكونا موجودين لكن في مسألتين مختلفتين.

ومثال ذلك: شخص كذب في شيء وصدق في شيء آخر. فما حكمه؟ هل كذب أم لم يكذب؟ هو فعليًا كذب ولم يكذب، لكن ليس هذا تناقضًا؛ لأن الحكمين ثابتان في مسألتين مختلفتين وليس المسألة نفسها. فلو قيل هو كذب ولم يكذب بشأن الأمر الفلاني تحديدًا فهذا إذن تناقض. وهو يرفض حسب هذا المبدأ الأول الذي ذكرناه.

2- مبدأ الثالث مرفوع:

وهو يشبه مبدأ عدم التناقض، لكن هنا في حال النفي؛ بمعنى أن مبدأ عدم التناقض يقضي بعدم إمكانية ثبوت الضدين في المسألة نفسها. وفي مبدأ الثالث مرفوع يقضي بعدم إمكانية نفي الضدين أيضًا في المسألة نفسها. فيُقال مثلًا عن المثال السابق، لم يكذب لكن لم يصدق. فهو نفى الحكمين هنا، وهذا أيضًا يعد تناقضًا، لأنه لا يوجد حكم ثالث، وهذا ما يعنيه «الثالث مرفوع». أي غير ممكن التحقق في المتناقضات «وفي هذا مسألة مهمة سنعود لها عند الكلام عن طبيعة الأحكام»

3- مبدأ الهوية: والذي يقضي بأن الشيء هو نفسه. فلا يمكنك أن تقول إن زيدًا ليس زيدًا. أو عمرًا ليس عمرًا أو هذا القلم ليس قلمًا وهكذا. «وهذا سنعود له أيضًا في المسألة المذكورة أعلاه إن شاء الله».

فهذه القواعد الثلاث هم البداية التي ينطلق منها الاستنتاج المنطقي السليم للخروج بأحكام صحيحة.

—————-

لكن ما طبيعة الأحكام المختلفة؟

الأحكام تنقسم إلى نوعين، الحكم الواقع الفعلي في المسألة الخارج عن الإنسان. وهذا يسميه أهل المنطق «الحكم في الخارج» أو «الحكم الواقعي» أو غيرها.

النوع الثاني هو الحكم الشخصي على المسألة. وهذا هو رأي الإنسان وادعائه القائم على أدلة صحت أو لم تصح.

ولنفهم هذا الفرق بين هذين النوعين فهذا مثال بسيط، هل الشمس موجودة؟

هذا سؤال إجابته في الحكم الواقعي إما نعم وإما لا، وبالأدلة الصحيحة عرفنا أن الإجابة «نعم».«1« لكن في الحكم الشخصي قد تجد شخصًا أتى أمامك ويجيب عن هذا السؤال بلا ويبدأ بسرد ما يظنه أدلة صحيحة على حكمه هذا. أو قد يقول هي موجودة وغير موجودة وهذا رأيي إلخ«2»

فلاحظ هنا المسألة التي أشرت إليها بالأعلى، هي أن الأحكام التي لا يمكن أن تخرج عن قواعد الفكر الرئيسية التي بالأعلى هي الأحكام في الواقع، لكن الحكم البشري الشخصي قد يخالف حكمه الحكم الواقع الصحيح أو قد يثبت النقيضين أو يرفعهما أو يقول على الشيء بأنه ليس نفسه.. إلخ، وهذا إنما يرجع إلى كون البشر غير معصومين، فالبشر يصيبون ويخطؤون، وليس لأن «بشرًا» حكم بالحكم الفلاني إذن فهو صحيح.

– ولكن هذا يستدعي سؤالًا، ما الأسباب التي تجعل الحكم الشخصي يخالف الحكم في الخارج؟

والإجابة أن هذا يكون ناتجًا عن بدايات وحجج خاطئة، فتصل بالشخص إلى نتائج خاطئة تخالف ما هو متحقق وثابت في الواقع.

ومن هنا أتى ما يعرف في المنطق بـ«المغالطات المنطقية» والتي هي حسب هذا التعريف: الحجج أو القواعد الخاطئة التي «يمكن» أن تؤدي إلى أحكام خاطئة، أو تؤدي إلى مخالفة الحكم الشخصي للحكم الواقع بالخارج «الواقعي».

– وهذا يستدعي سؤالًا آخر، وهو كيف يمكننا أن نعرف هذه المغالطات والحجج الخاطئة؟

لهذا طريقان، إما أن يثبت بحجة صحيحة عكس ما تقود إليه الحجة الخاطئة. وهذا أسهل الطرق ويحدث بمجرد ضرب مثال تقود فيه المبادئ التي يلتزم بها الخصم إلى نتائج غير صحيحه. وهذا هو الأفضل في حال الكلام مع غير المتمرسين لتفادي الكلام بمصطلحات معقدة.

الطريقة الثانية هي الكلام عن المبدأ التي تعود إليه هذه الحجج بشكل مجرد وردها إلى مبادئ الفكر المذكورة أعلاه. فإن خالفت أحدها أصبحت تسمى مغالطة منطقية، وهذه الطريقة في الاستدلال هي الشائعة في المنطق. وبإذن الله في كلامي سأستعمل كلتا الطريقتين.

– ولاحظ قول «يمكن» في تعريف المغالطات، لأن بعض الحجج قد تدل على الحكم الصحيح كما تدل على الحكم الخاطئ بالضبط، وهذه ترفض من مبدأ «عدم التناقض»، لكن قد يستخدمها شخص في الدلالة على حكم صحيح. فهي تبقى مغالطة وتبقى لا تدل إطلاقـًا على الحكم الصحيح وتفرق بينه وبين الخاطئ. لهذا ففي الاستدلال على نفي قاعدة ما وكونها تدل على أحكام خاطئة يكفي ذكر مثال واحد لهذا، لكن لو أراد المخالف الاستدلال على إثبات صحة هذه القاعدة أو الحجة، فلا تقبل منه بمثال واحد دلت فيه القاعدة على الحكم الصحيح. لأن المغالطات المنطقية قد تدل على الصواب كدلالتها على الخطأ. فهي لا تقبل لكونها تقود إلى أحكام خاطئة، ولو كان الحكم صحيحًا فستوجد عليه أدلة صحيحة تدل عليه.

وهناك مغالطة بالفعل يقع فيها من لا يفهم هذه المسألة الأخيرة، وتسمى بمغالطة المغالطة. والتي تعني أن يستدل الشخص بكون المخالف وقع في مغالطة على وجوب كون ما استدل عليه خاطئًا، ومثال بسيط على ذلك:

قال صالح لمازن: «أستاذي في المدرسة يقول إن التدخين يضر بالصحة، فيجب أن تقلع عن التدخين» ورد مازن عليه، «استخدمت مغالطة الاحتكام إلى سُلطة؛ إذن، حجتك خاطئة والتدخين لا يضر بالصحة». فهنا مازن نفسه وقع في مغالطة أدت به إلى حكم خاطئ، لأنه تغافل عن آخر نقطة تكلمنا عنها، ونسي أنه بالفعل توجد أدلة صحيحة على كون التدخين مضرًا.

ولو أردنا أن نسقط هذه الحجة على أقوال بعض الملحدين؛ فهذا مثلًا في أن يبحث الملحد عن أي مؤمن يستدل على الإيمان بدليل خاطئ أو بمغالطة منطقية، فيفرح بهذا ويأتي لهذا وينقضه ويبين أنه إنما بنى كلامه على مغالطة، وبالتالي يستنتج أن أصل المسألة نفسه خاطئ. وهذا كما قلنا مغالطه ناتجة عن فهم خاطئ لطبيعة المغالطات المنطقية نفسها.

هذه كانت المقدمة، وبإذن الله سأبدأ بنشر أشهر المغالطات المنطقية، وضرب بعض الأمثلة لها، حبذا لو من كلام بعض الملحدين. وهذا من ناحية التأصيل المنطقي، وإثبات كونها مغالطة نعرف لم هي مغالطة ثم نسقطها على الأمثلة. وهذه القواعد مفيدة ومهمة لبناء تفكير سليم لا يقبل ما ينشره أي أحد من مغالطات عامة وفي الإلحاد خاصة لانتشار هذا الفكر بمغالطاته هذه في هذه الفترة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد