لقد شهد عام ألف وتسعمائة وعشرين حركة فلسفية علمية منطقية، اتخذت موقفًا من الفلسفة في عصر العلوم وازدهارها، ويعد مقرها هو «جامعة فيينا»، وقررت أن المعرفة الحقة هي ما ثبت على الميزان التجريبي، وأن قضايا ما بعد الطبيعة عبث، لا طائل تحته، فهي لا تستحق أن يعنى بها، بله أن يحكم عليها بالصدق أو الكذب. فما بعد طبيعة ليس صادقًا، وهو كذلك ليس ما ذهب إليه أوغست كومت، وجون ستيورات مل من أن قضاياه كاذبة، بل هو قبل ذلك غير شيء، وقضايا جوفاء، خلو من معنى.

أما القضية الكاذبة فتحوى معنى، ثم نحكم عليها بالصدق أو الكذب. أما ما في جعبة ما بعد الطبيعة فهو في حكم الغمغمة التي لا يبين صاحبها، ولا يعي منها مخاطَبه شيئًا. وهذا في الحقيقة قول فيما يتعلق باللغة، لا بالطبيعة. لذلك تعد الفلسفة الوضعية فلسفة في اللغة والمعنى والمعنوية أو معيار المعنى. (الوضعية المنطقية، موسوعة بريتانيكا)

ومما تميزت به هذه الحركة التي سميت بالوضعية المنطقية الميزان المعرفي للتحقيق. فليس الميزان هو تجربة العالم بذاته، بل المعيار هو المجتمع على أساس التجربة.

فأعادت هذه الحركة صياغة مهمة الفلسفة ووظيفتها، وحددتها فيما يسمى بالتحليل. فلا يسمح للفلسوف بأن يقول شيئًا مثبتًا حول العالم، بل هو دور العالم الذي يتسلح بالتجربة والملاحظة وسائر أدوات المنهج العلمي الحديث، فيحكم على كذا بكذا، وعلى كيت بكيت.

أما الفيلسوف فلا ينبغي له أن يقول شيئًا حول العالم، بل دوره يبدأ بعدما يقرر العالم شيئًا، فيأخذه الفيلسوف، ويقوم «بتشريحه» وتحليله. فمهمته لغوية، تتعلق بالمعنى. لذا نلفي أن الوضعية المنطقية والفلسفة التحليلة كندماني جذيمة. فالوضعية المنطقية ليست فلسفة من الفلسفات، بل حركة واتجاهًا، يحكم على الفلسفة، ويمكن أن تسمى بفلسفة الفلسفة، بمعنى أن فلسفة الفن هي وضع أولوياته وبديهاته موضع السؤال والدراسة، وهي عادة ما لا تدرس في الفن نفسه.

فالوضعية المنطقية تضع الفلسفة نفسها موضع الدراسة، وتضرب حولها سياجًا من الحدود التي لا يجوز لها أن تتخطاها، فتقرر أن الفيلسوف لا يسوغ له أن يقول شيئًا مثبتًا في العالم، بل إنما يوضح ما قاله علماء الطبيعة. فالقول للعلماء، وإنما إلى الفيلسوف التوضيح. والفلسفة الحقة ما هي إلا نقد اللغة، وثمرتها – عند بعض أبرز رموز الوضعية المنطقية – أن تستعرض أن المعرفة الموثوق بها فيما يتعلق بالطبيعة يمكن أن تصب في لغة مشتركة، تعم جميع فروع العلوم الطبيعية، وتشملها. فالوضعية المنطقية عندهم ساعية لإيجاد لغة علم مشتركة.

مما يجدر الإشارة إليه أن ما يسمى بالتجريبية المنطقية لا يختلف عن الوضعية المنطقية في الأسس والرؤى، وإن كان بينهما اختلاف في بلاد المنتمين إلى كل منهما.

نسوق في هذا المقال نبذة من مصطلح الوضعية المنطقية، ونذكر تعريفًا بكل جزء منه، ونسلط الضوء على أساسه؛ كي يكون عونًا على فهم ما يليه من المقالات من الخلفية التاريخة وغيرها. فإن الخلفية التاريخية للوضعية المنطقية، بل لكل نظام فلسفي، لا يمكن أن يكون لقارئها تفهم قبل أن يلم بأطراف النظام؛ كي يتسنى له أن يربط الآثار التاريخية بالنظام الذي يقرأه.

فنعرف أولًا فيما يلي، بإذن الله تعالى العنصرين اللذين تركب منهما مصطلحنا، ثم نلي المصطلح من حيث التركيب.

الوضعية:

الوضعية في سياق الفلسفة الغربية كل نظام فلسفي، يربط نفسه في تخوم المعطيات الحسية، ولا يعتد بما يسمى بما بعد الطبيعة مما لا تنسحب عليه ظلل الحواس، ويلوح هذا المصطلح أيضًا في دلالة أخص من الأولى إلى المنظومة الفكرية للمفكر الفرنسي «أوغست كونت» (1798 – 1857). وهذه الوضعية هي التي تطورت إلى الوضعية المنطقية حتى حطت رحالها إلى ما يعرف بالفلسفة التحليلية. لذلك أشرنا في المقدمة إلى أن الوضعية المنطقية والفلسفة التحليلية كالتوأمين في زمان وجودهما، بل سنعرف في السطور الآتية أن التحليل هو جوهر الوضعية المنطقية.

كلمة الوضعية ترجمة لمصطلح أوروبي، هو Posivitism. ومن حسن حظنا أن المصطلح الإنجليزي يعني ما تدل عليه كلمة الوضع في أصلها اللغوي العربي. فالمراد بالمصطلح الأوروبي هو الإثبات. وهذا المعنى دان جدًّا مما تدل عليه كلمة الوضع. فإن مادة الوضع تدل مما تدل عليه، على الخلق والإيجاد، فقد جاء في المفردات للإمام الراغب الأصفهاني:

«والأرض وضعها للأنام [الرحمن 10] فهذا الوضع عبارة عن الإيجاد والخلق»

والمراد بالوضع في النظام الفلسفي الوضعي هو إيجاد قضية أو دعوى، فإن كان وضع الأرض هو إيجادها حسًّا، فوضع القضية إيجادها وإثباتها معنى. فالآصرة بين المعنى المدلول عليه في أصل اللغة والمعنى الاصطلاحي الفلسفي قائمة.

هذا من حيث الأصل اللغوي. أما من ناحية دلالة الكلمة من حيث المصطلح الفلسفي، فالوضعية متوكئة على عصا أمرين:

1: أن المعرفة المتعلقة بالعالم الواقعي مسورة بالمعطيات المثبتة «الموضوعة» بالحواس.

2: وأن ليس ما وراء العالم الواقعي إلا ارتباطات وأواصر منطقية، لاغير.

هذا المبدأ له جانب هدمي وجانب إنشائي. أما الجانب الإنشائي فواضح جلي، فإنه ينطق بطريقة التحقق من المعرفة. أما الجانب الهدمي فكان عداء لما بعد الطبيعة.

وتشبث النظام الوضعي بشهادة الحس وحدها جعلها في وجهتها الفكرية العقدية علمانية دنيوية، وصيرها متجافية عن مضاجع الدين وما يتعلق بالآخرة.

ولا يقتصر الأمر على ذلك. بل ألقى هذا التشبث بظلاله على نظام القيم أيضًا عند أصحاب الوضعية. فقد كانوا في وجهتهم القيمية نفعيين، وكان شعارهم «أكبر قدر من المنفعة لأكبر عدد من الناس».

ومن الجدير بالذكر بهذا الصدد، أن أوغست كونت الذي يعد أبا عذرة الوضعية وضع ديانة، لم يكتب لها دوام فماتت قريبًا، لم يكن قطب رحاها إلهًا من الآلهة، بل كان وثنها هو «الإنسانية».

ومما ينبغي أن يلفت له أن الوضعية المنطقية تعرف بالتجريبية المنطقية والمذهب النقدي التجريبي أيضًا. وهذا يدل على أن كلمتي الوضعية والتجريبية متبادلتان في هذا السياق، سادة إحداهما مسد صاحبتها. حاول بعض الناس التفريق بين الوضعية المنطقية والتجريبية المنطقية، ولكن مقالة بريتانيكا نصت على أنهما سواء.

فالوضعية في مصطلحنا «الوضعية المنطقية» في الأصل تشير – وسيأتي بالتفصيل ما إليه هذه الإشارة إن شاء الله تعالى – إلى أحد نوعي القضايا التي يحتضنها هذا النظام الفكري، ويطوي كشحه عن سواها.

المنطقية:

أما الجزء الثاني من المصطلح – وهو المنطقية – فتلويح إلى النوع الثاني من القضايا التي تقيم لها الوضعية المنطقية وزنًا. فالقضايا المنطقية التي هي العلاقات بين الأفكار معتد بها في هذه المملكة. ومن هنا جاء هذا المصطلح المركب لتسمية هذا النظام الفلسفي.

الوضعية المنطقية

إن الوضعية المنطقية تنبني على الوضعية، فتتخذ منها الميزان لتحقيق القضايا العلمية، ولكنها تختلف عن الثانية في أن قضايا ما بعد الطبيعة عند الثانية تحمل معاني ولكنها كاذبة، وعند الأولى غير ذات معنى، فلا توصف بالصدق ولا الكذب. فلا يعتد من القضايا إلا بما كان رياضيًّا منطقيًّا يتحدث عن الروابط والعلاقات بين الأفكار وبما كان ممكن التحقيق بالتجربة الحسية، فلا ثالث للقضايا المعتد بها عند الوضعية المنطقية. فليست القسمة الأولية للقضية المنطقية هي ما كان صادقًا وما كان كاذبًا. بل القسمة الأولية هي ما كان غير ذي معنى، وما حمل معنى. الثاني يتنوع إلى الصادق والكاذب. فغيرت الوضعية المنطقية من أساس علم المنطق. ثم وضعت ميزانًا للفرقة بين ذي المعنى وغيره، وعرفت به وتميزت. اشتركتا – الوضعية والوضعية المنطقية في رفض ما بعد الطبيعة.

الفيلسوف عند الوضعية المنطقية:

استتبعت هذه الوجهة الوضعية المنطقية تحديد دور الفيلسوف، وتعيين مكانة الفلسفة. لقد عرفت على مر الدهور وظيفتان للفلسفة. الأولى تحليل القضايا، والثانية التأمل فيما يضيق عنه دائرة الحس وحدس ما يتعلق به من القضايا. فالفيلسوف حينما قام بالوظيفة الأولى سمي بالفيلسوف التحليلي النقدي، وإذما ولي الوظيفة الثانية، عرف بالفيلسوف التأملي.

فإذا رفضت الوضعية المنطقية ما يتعلق بما بعد الطبيعة، كان من الطبيعي أن تشطب الوظيفة الأولى من قائمة مهمات الفيلسوف. لذلك تعد هذه الفلسفة محددة لدور الفلسفة ومعينة لقسماتها وملامحها. فالفيلسوف هو المحلل فقط، وليس له أن يثبت «شيئًا» ويدعيه فيما يتعلق بالعالم الخارجي. وهذا من شأن العالم التجريبي الذي يجرب الأشياء في معمله، ثم يصدر حكمًا. فالفلسفة التأملية مرفوضة رفضًا باتًا، وأما الفلسفة التحليلية فمرحب بها.

فالفيلسوف النقدي مثل حافر بئر ليعثر على الماء، فهو لا يخلق الماء خلقًا، بل يكشف عنه. فهو لا يقيم برهانا على فرض من الفروض.

الفيلسوف المحلل لا يفترض من عنده فروضًا، فأنى له أن يقول في حكم العالم الخارجي شيئًا ويثبته، فإنه إن فعل ذلك، قال له الوضعي المنطقي: «هذا ليس من عشك، فادرجي». بل هو يتلقى من الناس فروضهم، فيحللها إلى عناصرها الأولية التي لا تستند إلى شيء، ثم يعيدها إليهم مرة أخرى. وهنا تنتهي وظيفته.

الفيلسوف التحليلي بمنزلة المؤرخ الذي يؤرخ لعصر من العصور المبادئ العقلية الأولية التي استند إليها العلماء في مجالاتهم والناس في أحكامهم القيمية والخلقية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد