لم يستطع العقل البشري حتى الآن فك اللغز حول بناء الهرم الأكبر «هرم خوفو» الذي يبلغ عمره 4500 عام كشاهد على إمكانيات البشر حتى وهم في مهدهم على أرض المعمورة، الهرم الأكبر ليس فقط صرحًا عظيمًا مكونًا من 2.5 مليون قطعة من الحجر الجيري، لكنهُ أيضًا يصل وزن البعض منها لأكثر من 10 طن، استغرق بناؤه أكثر من 20 عام على يد 26 ألف عامل، ولكن عندما نستطرد التفكيرهذا العدد الهائل من قطع الأحجار ذات الوزن العملاق لرفعها في هذه المدة الزمنية معناه بناء أكثر من 300 حجر يوميًا، وهذا معدل لا يمكن الوصول إليه حتى باستخدام الأوناش الحديثة اليوم.

موقع الهرم وسيمترية بنائه الدقيقة تُحدد موقع الشمال والجنوب بدقة، وتُعطي بالشفرة إحداثيات هندسية متناهية الدقة عن كوكب الأرض.

بمعادلة بسيطة إذا ضربت ارتفاع الهرم في 43 ألف و200 تكون النتيجة نصف القطر القطبي لكوكب الأرض، واذا ضربت محيط قاعدة الهرم في 43 ألف و200 تكون النتيجة المحيط الاستوائي لكوكب الأرض «عرض الكوكب».

ورقم 43 ألفًا و200 ليس رقمًا عشوائيًا، ولكنه له دلالة على محور كوكب الأرض في الفضاء.

ربما كان هناك حضارة متطورة تكنولوجيًا أكثر مما نحن عليه الآن؛ مما أثار – على مدار العقود الماضية – فضول المتخصصين في علم الأثريات والمصريات، وأرسلوا بعثات من جميع أنحاء العالم ليقطفوا آثار بناة الأهرامات الحقيقيين، ورغم أن الاكتشافات لم تحل اللغز، إلا أنها كانت اكتشافات مُذهلة.

البنية التحتية التي أُنشئت خصيصًا لهذا المشروع الضخم هي بنية لوجيستية على أعلى مستوى عملت على تغيير ملامح الموقع الجغرافي لبناء الهرم تمامًا.

لدعم إمداد المشروع بالمواد الخام، والعمال، والطعام أُنشأت مدينة كاملة «مدينة حيط الغراب» التي اكتُشفت بمحيط الهرم، وكانت مبانيها تحتوي على عنابر للعمال يسع كل منها لـ20 عامل مع وجود غرف خاصة لمُشرفي العمل، بالإضافة إلى وجود مخابز، وأماكن للماشية، ومخازن، وكان العمال يتغذون على أجود المخبوزات، واللحوم، ويشربون الجعة.

حيط الغراب لم تكن فقط مدينة عمال، بل كانت أيضًا ميناء نهريًا ضخمًا متصلًا بقنوات وسدود لتحويل مياه نهر النيل الذي كان قريبًا نسبيًا من موقع البناء، خاصةً أيام الفيضان. ميناء «حيط الغراب» كانت تستقبل المواد الثقيلة مثل الحجر الجيري لكساء بناية الهرم من الخارج، وكان يؤتَى به من محاجر طرة في الضفة الشرقية للنهرعلى بعد 13 إلى 17 كيلو متر من الهرم، وكانت تستقبل الجرانيت لبناء الغرف الداخلية للهرم، وكان يأتي من أسوان على بعد 620 ميل من الهرم، وكانت تستقبل النحاس لصناعة الأزاميل والمناشير لتشكيل وتكعيب الأحجار الخاصة بالبناء، وكانت مناجم النحاس فقط في سيناء.

في عام 2013 اكتُشفت أقدم وثيقة في تاريخ البشرية وهي بردية مرمر في «وادي الجرف»، ويعتبر «وادي الجرف» أقدم ميناء بحري في تاريخ البشر، يمتد رصيفه لمئات الأمتار على ساحل البحر الأحمر جنوب العين السخنة على بُعد ١٩٥ كيلومتر من مدينة حيط الغراب.
الوثيقة كانت أشبه بمسودة لبرنامج الإكسيل، جدول لتسجيل ما يفعله العمال وعمود آخر لما تدفعه الدولة في المقابل من مؤن وطعام وخلافه، هذه الوثيقة هي بمثابة حجر شامبليون جديد للكشف عن تفاصيل المنظومة اللوجستية لبناء الهرم٠

كانت ميناء الجرف البحري ترسل البعثات للتنقيب على النحاس في عُمق سيناء، والتي يقودها قائد الأسطول «مرمر»، وكانت تدوم لأكثر من شهرين، وبعد الانتهاء من المهمة تُفَك المراكب وتُخزن داخل كهوف وتُسد هذه الكهوف بأحجار عملاقة لحمايتها من غارات البدو، ثم يُنقل النحاس على البغال والحمير عبر صحراء السويس حاليًا، إلى أن يتم شحنهُ على المراكب النهرية المتجهة لطرة بنظام Multimodal «لتحميل الأحجار الجيرية من المحاجر هناك، وكان ذلك يحدث فقط أيام الفيضان للحفاظ على غاطس المراكب من الحمولة الثقيلة، وكانت تربط المراكب ببعضها البعض للتوجه إلى وجهتها الأخيرة «حيط الغراب».

كان «مرمر» يستورد أخشاب الأرز من لبنان لصناعة المراكب عالية الجودة لدعم أسطولة البحري والنهري وأيضًا لصناعة العمدان الخشبية التي كانت تدعم عملية رفع الأحجار على المنحدر الذي أُنشئ لبناء الهرم.

بحساب كُتلة الهرم نجد وزنه 6 مليون طن من الأحجار الجيرية والجرانيت وغيرها تم شحنها من سيناء وصعيد مصر ومحاجرطرة في حلوان عن طريق الشحن النهري، والبحري، والبري، وMultimodal، كما كان يشحن 26 ألف عامل إلى مدينة «حيط الغراب»، ويمدون بكل احتياجاتهم من مأكل، وملبس، ومشرب لبناء الهرم، وخدمة هذه المنظومة بنظام تخزين على أعلى مستوى.

كيف جرى بناء الهرم؟ لا أحد يعلم، ومن يدعي أنهُ يعلم فهو كاذب، ومن يدعي أن من بنى الهرم هم العبيد فهذا عبث، بل هم عمال مصريون قمة في المهارة والتفاني، وكانوا يتقاضون الأجور ويأكلون أجود أنواع الطعام الذي كان غير متاح لجميع المصريين في هذا الوقت.

الأسطورة ليست فقط بناء الهرم، ولا المنظومة اللوجستية وعمليات إمداد هذا المشروع القومي الضخم بمواد البناء والعمال والمعلومات، الأسطورة هي كيفية إدارة وتخطيط عملية سلاسل الإمداد «supply chain management» التي كانت تحدث في كواليس بناء الهرم، والتي طبقها المصريون القدماء بمهارة واحترافية مُطلقة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد