“إن كبرى شبكات الأخبار، الأمريكية والأوروبية، أجمعت على أن الديمقراطية هي دافع المصريين في الثورة، ثم استنتاج أن كل هذه الجموع من المتظاهرين المصريين يريدون حكماً ديمقراطيا، ثم الاعتقاد بأن تلك الديمقراطية هي التي حركت الناس في مختلف الميادين.
لقد حرصت شبكتا CNN و BBC على إجراء حوارات مع النخب القادرة على التحدث بالإنجليزية وتلقت تعليما أجنبيا، ما أخشاه أن ينبهر الغرب بهذه النبرة الواعية عن الديمقراطية وأن يتناسى وسط ذلك كله عباراتِ (( الله أكبر، تسقط أمريكا، الموت لإسرائيل )) ”

ما سبق هو جزء من مقال بعنوان “ماذا يريد المصريون عقب الثورة المصرية ” بقلم الإسرائيليّ ” بيني موريس ” أحد أبرز الذين عبَّروا عن الحقد الإسرائيليّ على الثورة المصرية، كما وصفه الإعلاميّ “أحمد المسلماني ” في كتابه (( ما بعد إسرائيل )).

لا يهمنى من أمر هذه الجملة سوى آخر سطر فيها الذي تناول مخاوف الكاتب من تلك العبارات التي نسبها للثورة المصرية، منذ نعومة أظافري لم أرَ قط في حياتي أن الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل تتحدثان فقط عندما تشعران بدنوِّ خطر منهما، بل دائما تتحركان وإن اقتصر ظنهما على أن هناك خطر قد يحدث. وتسلكان في ذلك كل الطرق الشرعية وغير الشرعية لحماية أنفسهم، وإن تطلب ذاك ظلما دائما واستبدادا تجاه غيرهم من الدول.

أدركت أمريكا أن هناك خطرا يهددها من ميدان التحرير، وهي تعلم جيدا أن القاهرة هي رمانة ميزان الشرق الأوسط، فإن هُمُ امتلكوها امتلكوا بامتلاكها ما يريدون. وامتلاك مصر لا يأتي إلا بامتلاك حاكمها المطيع فإن سقط بأمر مفاجىء كثورة غير متوقعة من قبلهم فقد دنا الخطر.
تسقط أمريكا

استطاع ثوار يناير بناءَ دولة كاملة الأركان عاصمتها ميدان التحرير، وأقاليمها تتوزع على باقى ميادين المحافظات طبقت فيها الديمقراطية السليمة لأول مرة في تاريخ مصر، حيث كان يحكم الشعب نفسَه بنفسِه، بالفعل نجحت تلك الدولة في التغلب على هؤلاء ممن كانوا يسمون أنفسهم الدولة حينئذ وأجبرت رأس نظامهم على التنحي، فسقوط نظام مبارك يعني ببساطة انهيار العلاقة المصرية الأمريكية، أو بلغة وزير الخارجية الحالي كان ( خلع الزوجة لزوجها ).

أدركت أمريكا ذلك مبكراً، ونجحت على مدار ثلاثِ سنوات ونصف أن تقوم بإخماد دولة الثوار، بداية بالتخوين والخيانة الفعلية من البعض، مرورا بضغوط الانهيار الأمني والاقتصادي على الشعب واستغلال الثقافة الفاسدة التي زرعها النظام الحالي ( بالمناسبة: ليست غلطة مطبعية ) في عقول المواطنين وإظهار رموز الثورة بصورة سيئة أمام الشعب بواسطة الإعلام الغير مهني والمنحاز، فاليوم نرى نجاحهم فيما أرادوا فقد أصبح الشعب نفسُه يرضى حكم النظام الذي ثار عليه بل ويطالب به ويعطيه شرعيته، انهارت دولة الثوار وبقيت دولة مبارك ولم تسقط سلطة أمريكا بعد.

الموت لإسرائيل

في ستينيات القرن الماضي كان الباسبور الهندي يمكِّن مالكَه من زيارة أي بلد يريدها سوى إسرائيل تقديرا للدولة المصرية في ذالك الوقت، في 20 يناير 1992 توطدت الأواصر بين الهند وإسرائيل وأقيمت علاقات دبلوماسية بينهما، حيث يمثل نظام كامب ديفيد كنزا استراتيجيا لإسرائيل ساهم بقوة في وصول تل أبيب إلى هذه القوة التي تتمتع بها الآن.
عقب ثورة يناير تحولت ثمار الربيع المصري لطاقة نور جديدة للفلسطينيين، تدفعهم نحو انتفاضة ثالثة بروح الثورة التي تمكنت بعد شهرين فقط من قيامها بالحصول على توقيع حركتي التحرير الوطني فتح وحماس على اتفاق المصالحة الذي يهيىء الطريق نحو إنهاء الانقسام بين غزة والضفة الغربية، منذ هذا التاريخ حتى يومنا هذا مرت حوالي 4 سنوات نجح فيها الكيان الصهيوني بتحويل تلك الطاقة الثورية النقية التي ترغب في تحرير الأراضي المحتلة إلى نظرة كره وعدوان إلى الفلسطينيين، وخلق عدوا مشتركًا بين مصر وإسرائيل وهذا في حد ذاته كارثة،
انهارت دولة الثورة ولم تمت إسرائيل!

الله أكبر

نبذْ التيار الإسلامي في مصر والقضاء عليه كان التطور الدرامي الطبيعي لأيدوليجيات الفزاعة الدينية والتجارية بالدين واستغلاله للوصول إلى مناصب سياسية، أو بمعنى أشمل إلى كرسي الرئاسة الذي يتطلب في أغلب الأمر طاعة ووفاء للولايات المتحدة الأمريكية وحليفتها إسرائيل، وهذا ما تراه بوضوح عند تأمل الفاصل الزمني بين هتافات قيادات الإخوان (( على القدس رايحين شهداء بالملايين )) إلى (( صديقي الوفى بيريز )) ومن (( انتخبوا شريك الثورة )) إلى (( اضرب يا مرسى واحنا معاك ))، بالقطع كان الفاصل لا يتعدى أياما قليلة على كرسي الرئاسة.

 

أتذكر جيدا تلك الأيام التي كنت شغوفا فيها بجماعة الإخوان المسلمين التي يجمع بين أعضائها صلة الدين والظلم الذي يتعرضون له مذ أن عرفوا الحياة السياسية، لكن بعد أن جاءت الأحداث مخالفة لما توقعته منهم وتركهم لميدان الثورة من أجل أهداف دنيئة قضت عليهم في نهاية المطاف. ولم تمنعني مواقفهم المخزية مع ثوار محمد محمود ومجلس الوزراء، وغيره من الأحداث التي شهدت عليهم بالخيانة لمطالب الثورة، من تأييدهم في جولة الإعادة ضد أحمد شفيق مرشح النظام الحالي (( ليست غلطة مطبعية )).

وقتها كنت أريد التمسك بأمل ضعيف لنجاح الثورة ولكن سرعان ما انهار ذلك الأمل حين استكمل الإخوان مسلسل خيانتهم للثورة خلال عام كامل من الحكم الفاشل الذي دفعني للتمرد عليهم والمشاركة في إسقاطهم.

ولكن كل ذلك لا يعطيني الحق الآن لإباحة إراقة دمائهم أو المشاركة في إبادتهم، ليست هذه أخلاق الثورة التي قامت من أجل الإنسان، فالتعاطف مع قتلى ومعتقلى الإخوان حاليا هو واجب إنساني وثوري، حتى وإن خالفتهم سياسيا. استخدام الدين كان وسيلة جيدة للإخوان ساعدتهم للوصول إلى غايتهم الدنيئة وإسقاطهم بعد عام واحد، ولكن يا ليتهم سقطوا فحسب؛ فقد أسقطوا معهم تلك العبارة التي أخافت الكاتب الصهيوني وهي “الله أكبر” فأصبح كل من يرددها الآن أو يدعوا إليها في نظر الشعب (( إرهابي )).

انهارت دولة الثوار، لم تسقط أمريكا، لم تمت إسرائيل، ولكن سيظل الله أكبر من كل شيء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد