خَلق الله -عز وجل- هذا الكون مَبنيًّا على التَّعَدُديَة، التي تَحفظ توازنه وتفاعله واستمراره «وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ» واستأثر وحده بالفردانية والوحدانية، لذلك فالتعددية من لوازم وجودنا ومن مقوماته في هذه الحياة، فكيميائيًّا وفيزيائيًّا بدون التعددية لا تفاعل ولا تواصل، وبيولوجيًّا الوحدة هي الموت؛ فبدون وجود ثُنائية الذكر والأنثى ستستحيل الحياة وتنقرض.

وداخل هذا الإطار التعددي تتمايز «الفردية الناقصة التي يدفعها نقصها للتعاون والتكامل مع الآخرين» لتشكل بأواصِرِ التكامل والتشارك والتدافع حركة الحياة، وكل متفرد يحاول الاستغناء سيسلك سلوكًا شاذًّا يفضي به للموت والاضمحلال.

جريمة الاستبداد أنه يريد السير بعكس قانون الطبيعة وسنن الخليقة، فينتهي به المطاف خارج حركة الحياة وتفاعلاتها، فهو يدعي الفردانية المطلقة لنفسهِ، ثم يسعى لسلب التفرد النسبي الذي يمتاز به الآخرون عبر استنساخهم ووضعهم داخل مصفوفة، يسهل السيطرة عليها، وإخضاعها لمحددات منظومته الفكرية والتنظيمية، ولا يسمح لأحد بالبقاء خارجها؛ لأن التعدد والاختلاف يرعبه ويجعله يشعر بالارتباك وفقدان السيطرة. لذلك فالذي يريد معايشة الاستبداد عليه أن يستعد للعيش منفيًّا خارج ذاته، أو أن يحور من ذاته حتى يكون نسخة من القطيع داخل المصفوفة المحددة له.

لذلك فإن من أكثر ما تردد وتكرر ذكره عن الجانب المظلم للخليقة بعد الشيطان هو شخصية «الفرعون»، نفسيته، ومنهجية تفكيره، وطريقة إدارته لهرم السلطة واستئثاره بها.

«التَفَرعُنُ» أو الاستبداد «أبو الخبائث وأصل الخراب» كما يصفه الكواكبي في كتابه الخالد «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد»، هذا الداء الذي تشافت منه الأمم والشعوب الحرة، عبر مسيرة نضال فكرية وحركية طويلة، حتى هزمته وحيدته عبر إنشاء مؤسسات قضاء ومراقبة مستقلة، ونظم تعليمية وقيم مجتمعية ترفض قبوله أو التعايش معه.

ولكونه من أمراض السلطة المزمنة عندنا؛ لذلك لم يكن محبذًا للرعية إبصارها أو التبصر به، فقد غفلت وتغافلت عنه أدبيات المُلك العضوض، وفقهه المتواطئ معها. وبدلًا من أن ينتج لنا التراث الفكري والفقهي والحركي قيمًا وأحكامًا ملزمة لفقه الشورى في السياسة والإدارة، تحفظ وتحمي المجتمع ومؤسساته من التفرد الفرعوني، تجاهل نصوص القرآن الكريم ومقاصده الكلية، التي تعلي من قيم الشورى وحرية الاختيار ووصاية الأمة على نفسها؛ لتتبنى بدلًا عنها روايات ظنية اقتصت من سياقاتها ووظفتها كأدوات بيد السلطة؛ لتسهم بتدجين الرعية وإخضاعها متسترة على صور وأشكال من الاستبداد تسوقها للرعية باسم الحاكم المتغلب تارة، أو المستبد العادل تارة أخرى؛ لتبرر استئثار مستبديها وتفردهم، واستبدلت بمصطلح أولي الأمر الوارد بصيغة الجمع مصطلح ولي الأمر بصيغة المفرد في شروحاتها للنص واستنباطها لأحكامه، وأعطته الحق المطلق في جلد الظهر وأخذ المال، ودعت العامة للصبر على جوره، وحرمت الخروج عليه ومنازعته امتيازاته، وجعلت من موجبات الإيمان غض البصر عن انحرافه واحتكاره للسلطة واستئثاره بها، ودعت الناس إلى تقبله قدرًا لا مفر منه.

ورغم كل هذا لم يخل التاريخ من محاولات عظيمة وجادة للانفكاك والانعتاق من ربقته، وإعادة حق الأمة المسلوب بالاختيار والشورى، سواء على صعيد الفلسفة والفكر، أو الممارسة والثورة، ابتداءً من ثورة الحسين وابن الزبير – رضي الله عنهما- وابن الأشعث التي قاد فيها فقهاء الأمة الأحرار ضد ظلم الحجاج وطغيانه، وانتهاء بالربيع الذي أوقد البوعزيزي – رحمه الله- شعلة ميلاده الجديد.

ولخطورة آثار التفرعن الكارثية، كونه يمثل سياسة سلطة، وأسلوب حكم، وطريقة إدارة، وبنية تنظيم، فقد استعرضها لنا القرآن الكريم وأعطاها حقها من الاهتمام والتركيز والتفصيل: «نَتْلُو عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَىٰ وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ» ليس من أجل أن يقص علينا سيرة طاغية مر على نفوقه أكثر من 8 آلاف عام، ولكن لأجل الانتباه لهذا النموذج، ولأن القصة قديمة وتتكرر بين الحين والآخر؛ لذلك فليس مصادفة أن تأخذ قصة النبي موسى – عليه السلام- ثلث المساحة في القصص القرآني، ثم جاء حث النبي – صلى الله عليه وسلم- على صيام يوم عاشوراء تخليدًا لذكرى يوم الخلاص وهلاك رمز الاستبداد ونموذجه المسخ المتمثل بالفرعون؛ لكي تبقى هذه الذكرى حاضرة في ذاكرة الأمة التاريخية ووعيها الحاضر.

فشهوة الملك ورغبة الاستبداد مدفونة ومركونة في قلب كل إنسان، وسيظل خطرها داهمًا ما لم نحذ حذو الأمم التي حيدتها ووضعت القوانين والتشريعات التي تحمي المجتمعات والمؤسسات ومنظومات الإدارة من تغولها وفتكها.

تعالوا لنستعرض ماحكاه القرآن الكريم ورصده لنا من طريقة تفكير هذا النموذج السيئ وإدارته ومكره وكيده، أصل الفساد وسبب الدمار. لننتبه لها ونتنبه منها، لعلها تكون جينات استبداد مركونة في دواخلنا كأشخاص أو منظومات تسعى وتدعي امتلاكها لمشاريع إصلاح، وتسعى لإطاحة فراعينها الجاثمة على مقدرات البلاد والعباد، وهي أكثر تفرعنًا واستبدادًا من جلاديها وطغاتها.

1- العلو، وعدم القبول أو الخضوع أو الاعتراف بأي سلطة، أو دستور، أو مجلس فوق سلطته المطلقة «فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى».

2- الاستبداد بالرأي، والاستغناء عن الشورى «مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ».

3- لا يرى بديلاً له، ولا يقبل بمبدأ التداول «وَقَالَ فِرْعَوْنُ يا أيها الملأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرِي».

4- الظلم، والاستكبار، والطغيان، والإسراف والفساد من أبرز ما يميز منظومته وأسلوب حكمه.

5- استخفاف الجماهير بسياسة التجهيل، والتسطيح، والاستخفاف «فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ».

6- إشغال الجماهير بما لا طائل من ورائه من أعمال وإجراءات تستهلك طاقاتهم وتجعلهم غارقين بالانشغال فيها «وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ» «غافر 36».

7- يحاول تعويض خلل توازن انفراده بالسلطة بفرض توازن مسخ بشطر الرعية وتقسيمها الى طوائف وشيع، يستضعف طائفة ويعلي من شأن أخرى «إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ۚ إِنَّهُ كَان مِنَ الْمُفْسِدِينَ».

8- كل من يعارض أو يخالف هذا المنطق فهو «خائن، كاذب، متآمر» «قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ» 35«إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ» «..إِنَّ هَٰذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا ۖ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ».

9- وكل من يجهر بهذه المعارضة أو يهمس بها فليس له إلا القتل، والصلب، أو التقطيع، والسجن، والعذاب. «وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ ۖ » «قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَٰهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ» «فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَىٰ».

10- لا حدود لإجرامه عندما يستشعر بأي تهديد حقيقي أو محتمل يهدد سلطته «… قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ».

11- الاستمرار في الغي وعدم المراجعة والجنوح إلى الحق إلا بعد فوات الأوان «الآن فهمتكم»….. «حَتَّىٰ إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ * آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ».

كيف يلتف عليه كيده وينقلب عليه سحره؟

«وَكَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ ۚ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ» اعتداده برأيه يجعل منه لا يسمح بغير أمثال هامان من المسبحين بحمده وزراء ومستشارين، الذين يروه العالم ويفسرون له حركة الحياة كما يريد هو، لا كما هو موجود في الحقيقة؛ فتصبح الرؤية أحادية، فيرسم خططه ويضع قرارته بناءً على بيانات مغلوطة تُراكم أخطاءه لتعجل بنهايته؛ إذ ينتقي المستبد من بين الناس الإمعات المتعطشين للمناصب، والراغبين في العلو بأي ثمن؛ فيستخدمهم أدوات لتثبيت سلطته، ودروعًا لحمايته، وأبواقًا لتبرير أفعاله وتمجيده وتجميل صورته القبيحة؛ لتسهم أخطاؤهم وحماقاتهم بالضغط على الناس ودفعها للتمرد. ولأجل إحكام السيطرة على الناس يلجأ إلى تفكيك البنية المجتمعية وإعادة تركيبها بطريق مشوهة، يسهل اختراقها وتوجيهها، وتجعل المجتمع يعيش حالة انقسام مسيطر عليها «إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ۚ إِنَّهُ كَان مِنَ الْمُفْسِدِينَ» لكن سرعان ما ينفلت زمام السيطرة عليها؛ لأن الكره لا قانون يحده، فيحاول معالجة الأمر بمزيد من السطوة والقوة ضد المستضعف «قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ» ومزيد من المال والرفعة للموالين «وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ» وتبقى الفئة المستضعفة تخسر وتتراجع حتى لا يتبقى عندها ما تخسره، عندها ستكون أخطر من أي شيء آخر، عندما لا يكون عندها فارق بين الموت والحياة، تمامًا مثلما أحرق البوعزيزي نفسه لتتحول إلى بركان يغلي يبحث عمن يقوده للثوران وإطاحته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد