يُخلق الإنسان وحيدًا دون طلب أو إذن أو ميعاد سابق، كما أن الحزن والفرح ينشآن معه كالليل والنهار، متى حان الوقت قام كل منهما بدوره فكلها أحاسيس ومشاعر وحالات للنفس البشرية التي لا يمكن أن تنفصل عنها أو تمارس إحداها بدوام كامل. لكن بمجرد أن يكبر الإنسان ويدرك أن عليه مواجهة كل السلوكيات الاجتماعية المختلفة والتماشي معها بطريقةٍ أو بأخرى يتحتم عليه أيضًا أن يتماشى مع أحكامها وقوانينها وكل تناقضاتها السخيفة، كأن يكون الغناء والرقص بطريقة وحشية من طرق التعبير عن الفرح كما في المجتمعات الأيرلندية، أو كأن يكون الخطف واغتصاب العذارى من علامات الحب كما في مجتمعات كازاخستان وكردستان وغيرها من العادات والسلوكيات المتناقضة نظرًا لاختلاف الطبيعة الجغرافية أو العادات والأعراف الاجتماعية.

لكن من خلال الأبحاث والملاحظات وكل تلك السنوات من الاختلاط بالأجانب من مختلف دول العالم تبين أنه لا أحد يحب الشخص الوحيد أو يُحب لنفسه أن يكون وحيدًا لفترات طويلة بطبيعة الحال، فالجزء الأكبر منهم يرى الوِحدة على أنها مرض أو سلوك نفسي خاطئ، ولقد وصل بأحدهم القول بأن الوحدة هي عدو يهرب ويتهرب منه الإنسان طوال الوقت، ظنًا منه أنه بسيطرة إحساس الوحدة على شخص ما فلن يسمح له بالاستمتاع بأي شيء على الإطلاق كما أنهم قد ربطوا الوحدة بالحزن وهو دليل قوي على أنه لا أحد يرى الجزء المشرق للوحدة، لذلك آمل من خلال هذا المقال أن نستعرض معًا حقيقة الوحدة بين المضرة والمنفعة وما لها من مسببات ونتائج، لكن علينا أن نتفق أن الوحدة هي شعور يتمكن من كل إنسان على وجه الأرض من وقت لآخر ولكن بصورة متفاوتة ويرجع هذا لعوامل نفسية واجتماعية تربت مع كل منا خلال سنوات.

في حياة كل منا أحد أولئك الذين يفضلون قضاء الوقت بأنفسهم رغم تعدد وتنوع فرص قضاء الوقت مع الأهل والأصدقاء، وهذا النوع من الأشخاص لا يصنف وحيدًا لأنه قد اختار أن يبقى وحده بكل حريته، كما أن هذا الاختيار من شأنه أن يدخل السرور على قلبه ويسمح له بممارسة ما يحب من هوايات وأنشطة، كما أنه قد تعود على شعور الانفراد بذاته فرآه كالاشتياق والجوع والعطش والحب وغيرها من الأحاسيس والحالات النفسية، أما الشخص الوحيد فهو الذي لا يملك من يشارك الوقت معهم من الأساس، فيأكل وحيدًا ويعيش وحيدًا ويعجز على ممارسة الحياة بصورة سليمة لأنه لم يعتد أن يكون بمفرده ولا يحب هذا الإحساس إطلاقًا، ورغم ذلك لا يمكنه تغيير الواقع الذي يقول بأنه شخص وحيد، فيتأثر نفسيًا وجسديًا ويصاحب ذلك أعراضًا أخرى لا تحمد عقباها.

ومن الغريب أن تصنف شعوب كاملة على أنها شعوب وحيدة كما حدث في ٢٠١٧ وتبين أن نسبة ٤٦٪ من الشعب الأمريكي يعانون من الوحدة، أما الإنجليز فكانت نسبة الوحدة بين شبابها من عمر ١٨-٣٤ تساوي ٦٠٪ وهي ما تعد نسبة كبيرة جدًا في هذا السن من الشباب الذي يجب أن يعيش فيه طليقًا فرحًا ومكتشفًا لحياته مع أقرانه، لكن لا يمكن لشخص ما أن يُصنَف أو يُصنِف نفسه وحيدًا إلا عند ملاحظته للاحتياج الاجتماعي وعدم تحصيل أي منه.

فالشخص الذي اعتاد أن يكون في تجمعات لفترات طويلة يشعر بالوحدة بشكل أسرع وتصاحب وحدته حالات من الاكتئاب والحزن العميق، كما أن الشخص الاجتماعي يخاف الوحدة أكثر ما يخاف السطو المسلح، وذلك لأنه يرى أنه مهما تعرض لظلم أو إيذاء فيمكنه أن يتفوق على ذلك بجماعته وأصدقائه الذين سينتصرون له، كما أنه لو مرض فسيكونون هناك لمواساته ورعايته، أما لو كان وحيدًا لما استطاع مواجهة أيًا من ذلك ولذلك تصبح وحدته من مسببات عدم الاطمئنان، أما من اعتادها أو رأى في وحدته الحالة النفسية التي تمكنه من إنجاز الأعمال بصورة أدق وأسرع فلا يشعر بالوحدة إلا نادرًا وذلك لأنها أصبحت جزءًا من شخصيته.

مسببات الوحدة

  • غياب الدور الأُسري، وافتقاد من يسمع وقت الشكوى أو يقدم الدعم النفسي عند الاحتياج.
  • زيادة تأثير الواقع الافتراضي على المجتمع الذي أصبحنا نعيش فيه مؤخرًا وتنوعه بين صفحات ومواقع يتم استخدامها وتصفحها بصورة عبثية لا تخضع للمتابعة أو الرقابة من الأبوين.
  • زيادة المراسلة والمحادثات المكتوبة عوضًا عن اللقاءات وتبادل الكلمات وملاحظة تعابير الوجة التي تشغل حيزًا من الذاكرة ويدوم تأثيرها لفترات، كما تترك أثرًا أجمل من كون المحادثة مكتوبه تعبر عن انغلاق الشخص في واقعه الافتراضي.
  • التعرض للتنمر أو المضايقات العنصرية وكل ما يصحبها من مضايقات لفظية ونفسية وجسدية.
  • كثرة الأوامر والمحادثات السلبية داخل المنزل والتي ينتج عنها أن يفضل الشخص قضاء الوقت بمفرده خوفًا وكراهيةً في الحوار وليس حبًا في قضاء الوقت بمفرده.
  • اختصار الأنشطة أو الرياضات على الأنشطة الجماعية فقط وهو ما لا يسمح للشخص بقضاء بعض الوقت بمفرده دون الشعور بالملل.
  • التعرض لمجتمع لا يقوى على التشاور أو حل المشكلات، أو حتى بعض العادات الأسرية كتسلط أحد الآباء على الآخر مما ينتج عنه تفضيل الأبناء للانعزال عوضًا عن مشاركة الحديث مع آبائهم.
  • الفراق وفقدان الأعزاء أو التعرض لخيبة الأمل في شخص ما.
  • متابعة حياة المشاهير وأصحاب النفوذ الذين تراهم مبتسمين في تجمعات بصورة مستمرة وهو ما يجعل الشخص ساخطًا على ما يملك ظنًا منه أنه ليس سعيدًا فيدخل في نوبات اكتئاب بلا سبب واضح. ولذلك صُنف إنستجرام على أنه من أهم مسببات الاكتئاب حول العالم.

ما قد ينتج عن الوحدة

من أهم ما قد ينتج عن الوحدة غير المرغوب بها هو النوم المتقطع، فقدان الرغبة في بدء أشياء جديدة والشعور بالملل بصورة سريعة، تدني مستوى الثقة بالنفس لأن الشخص يشعر أنه غير مرغوب به، وفقدان الثقة بالآخرين بصورة كلية لأنه يراهم جميعًا متشابهين في رفضهم له، زيادة الاحتمالات السلبية وسوء الظن بالناس والمعاناة من الاكتئاب.

الوحدة شعور يحل ضيفًا على كل منا بصورة أو بأخرى بين الحين والآخر، لكنها تضر أكثر وأعمق الذين لم يعتادوها ولهذا فهي تختلف باختلاف الأشخاص والحالات التي تأتي عليها وخيرها ما كان مرتبًا له، فعلى سبيل المثال ستشعر بالوحدة وتبدأ بالتفكير بأشياء أخرى عند المذاكرة لأنك لا تحبها، لكنك ستقع في غرام الوحدة إن كنت من الكتاب أو القراء أو من الذين لديهم فضول تجاه اكتشاف العالم المحيط والقيام ببعض الاكتشافات والأبحاث.

ستحب البقاء في جماعات عند مشاهدة مباراة لكرة القدم أو الذهاب لأحد الأعراس، لكنك ستشعر بالبغض تجاه البقاء في تجمع يحدثك عن السياسة أو الزواج وأنت لا ترغب في ذلك، فالأمر حتمي لكنه نسبي من شخص لآخر.

 

نظرة المجتمع للشخص الوحيد

أكثر ما يقال عن الشخص الوحيد أنه شخص متكبر وانطوائي، أو أنه يتجنب التعامل مع الناس لأنه خجول، لكن هذا ليس أكيدًا أبدًا، فمن استغل وحدته لفترات قصيرة يمكنه أن يصبح أقوى وأنجح في أوقات أقصر، فلو أنك تحب القراءة أو ممارسة هواية ما لمدة من الوقت دون انقطاع ستصبح أفضل ممن يمارس نفس الرياضة لسنوات بصورة متقطعة، إن تمكنت من التعرف على نفسك وهواياتك ومميزاتك وعيوبك خلال فترة تواجدك وحيدًا ستزداد ثقتك بنفسك وستتمكن من القيام بأعمالك بصورة أفضل.

دعني أذكرك بأن كل العلماء والكتاب والنقاد والعابدين والمؤرخين العظماء حتى الرسل أنفسهم كانوا ينجزون أعمالهم ويبلغون رسائلهم منفردين، فلا يمكنك الكتابة أو القراءة في ضوضاء كما لا يمكنك عبادة الله بحق في جوف الليل إلا وحيدًا ولا يمكنك أن تذاكر بصورة أفضل أو تتمكن من بحث ما في وقت قصير إلا منفردًا، لم يتل أي من الرسل الكرام رسالته من الله في جماعة وإنما كان على كل منهم أن ينفرد بذاته ويختلي لأوقات طويلة ليتلقاها، وتذكروا قول الله تعالى «وكلهم آتيه يوم القيامة فردًا» فحتى لقاؤه عز وجل يكون على انفراد كما هو القائل «وهو معكم أينما كنتم».

كما أن من فوائد الوحدة إن تعودت عليها و انتهزتها أن تكون لك خير صديق فلا تخاف من فراق أحدهم أو تقلق من ضياع شيء ما، فالوحدة ليست مرضًا إلا عندما تجهل كيفية التعامل معها.

 

كيف يمكن استغلال الوحدة

  • ممارسة بعض الهوايات الفردية كالسباحة أو الرسم أو تعلم الموسيقى أو الذهاب إلى الصالات الرياضية.
  • تربية بعض الحيوانات الأليفة وهو ما سيضفي على حياتك وجهًا آخر من المتعة.
  • القراءة أو الكتابة، فالكتاب خير صديق وكتابة الأحاسيس السلبية تقللها وتزيل جزءًا هائلًا من تأثيرها.
  • زيارة طبيب نفسي ولا خجل أو عيب في ذلك فالطبيب النفسي كطبيب الأسنان موجود من أجل مساعدتك.

وأخيرًا لا تقسوا على من ينفردون بأنفسهم من أجل التفكير، فهم يفعلون ذلك حبًا في المُطالعة وليس كرهًا في وجودكم، ولنتأكد أن بعض العلاقات من الأفضل أن تبقى على مسافات لأن كثيرًا من الود والعشم قد يضر.

دُمتم مطمئنين أينما كنتم وكما تريدون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد