الفارق بين الشخص الانطوائي والمنفتح أنّ الأخير يستمّد طاقته من الأنشطة الاجتماعية، أمّا الأول فإن تلك الأنشطة تستنزفه استنزافًا، ولكن ليست تلك المشكلة.

كثيرًا ما قابلت أحدهم بعد غياب طويل وبعد السؤال عن أحوالي وأحواله أجده يسألني السؤال المعتاد عن أسباب غيابي عن العالم، فتكون إجابتي أنني في البيت وسعيدٌ بذلك، فلماذا أخرج؟ فأجده حين أقول ذلك يضرب أخماسًا في أسداس باستغراب شديد، ويدعو لي الدعاء الشهير «ربنا يهديك!».

أعلم جيدًا أن أصدقائي هؤلاء وأمي التي دومًا ما ترجوني أن أخرج وأشمّ الهواء بدلًا من الجلوس منفردًا الجالب للاكتئاب والمرض، أعلم جيدًا أنهم ما يقولون ذلك إلّا إشفاقًا عليّ، ورجاءً لمصلحتي، وخوفًا علي من الوحدة والاكتئاب، واللذين كثيرًا ما أشعر بهما بالمناسبة، ولكن ما أكثر أن أشعر بهما في أكثر المناسبات ازدحامًا بالناس من حولي.

تلك التركيبة التي لا يفهمها الكثير هي ما تجعلهم يعتقدون دومًا أن من يفضّل العزلة هو شخص معقد، حسنًا هو شخص معقد ولكن ليس لأنه يفضّل العزلة، ولكنه يفضل العزلة لأن التعقيد الذي بداخله يصعُب على من حوله أن يستوعبه، وهذا الشعور وحده؛ أي شعور عدم الفهم والاستيعاب كافيان لأن يجعلاه يشعر بالوحدة ولو كان بصحبة أقرب الناس إليه.

فكيف يمكن إذن أن يشعر بالوحدة بين الناس، ويشعر بالأُنس منفردًا؟ ذلك السؤال الذي يستعصي فهمه على الكثير.

إذا أردنا أن نصف الشخص الانطوائي فيمكننا أن نقول إن عالمه في رأسه، فإذا كان هناك العالم الخارجي الذي يحيط بنا جميعًا، فإنه يمتلك عالمًا – أو عوالم – بداخل رأسه، قد لا يدري هو نفسه عنها شيئًا، فتراه غارقًا في التفكير، وتسأله بم تفكّر؟ فيجيبك أنه لا يعلم. هو في حقيقة الأمر لا يعلم فيما يفكر على الإطلاق؛ أفكار تجيء وتروح في رأسه، لا يعلم لها رأسًا من ذيل.

ذلك العالم الذي برأسه يجد فيه الأُنس عن الناس، فهناك قد سافر واجتاز البحار، بصحبة أصدقاء يفهمهم ويفهمونه، أصدقاء صامتين بالطبع لا يرهقونه بكثرة أحاديثهم، يخبرهم عن أحلامه ويكشف لهم عن آلامه، يكتب ويؤلّف من الأشعار ما يحلو له، ولكن لا تخطها يمينه في عالم الواقع. ولكن من يدري أي العالمين هو الواقع؟!

وعلى الجانب الآخر فإن الخلطة بالناس تطلب منه أن يشاركهم بمثل ما يشاركونه، يتجاوب معهم، ويستمتع بالوقت مثلهم، وهو ما لا يجيده، ولكنه قد يفعل ذلك من حين إلى آخر لأنه في النهاية لا يريد أن يشعر بالعزلة عن العالم الخارجي. ولكن هناك شيئًا إذا ما وُجِد في علاقته بالناس فسيشعر حتمًا بالوحدة، وهو في نفس الوقت المفتاح الأكيد لشخصيته المعقدة: التفهّم.

التفهّم ليس مقصودًا به التفاهم بين طرفي الحوار، أي ليس مقصودًا به أنّك تفهمني وأني أفهمك. التفهم شيء زائد على مجرد ذلك.

التفهّم يعني أنك تفهمني وأني أفهمك، تفهم أفكاري وخواطري، تفهم مخاوفي وهواجسي، تفهم مشاعري وعواطفي، وإضافة إلى ذلك فإنك تتقبل ذلك كله، لا تنظر إليّ لا بعين الشفقة أو السخط، تفهم ما بداخلي وتتقبله على ما هو عليه، وتحاول أن تتجاوب معي في ضوء هذا الفهم. هذا هو التفهّم، وبالتأكيد هو ليس بالمهمة السهلة.

لا تستعجب أن تجد صديقك أو أخاك يبتعد عن الاختلاط بالناس، وينزوي وحيدًا في غرفته، لا يعني ذلك بالضرورة أنه يعاني من الاكتئاب، كل ما في الأمر أن الاختلاط بالناس صار أمرًا مرهقًا عليه، لم يعُد يحتمل أن يظهر أشياءً خلاف الحقيقة كي لا يسيء الآخرون فهمه، لم يعد يطيق التمثيل أو التظاهر، فيفضّل العزلة والانسحاب.

الشخص المنعزل ليس مريضًا ولا مكتئبًا ولا وحيدًا، ربما يعاني من هذه الأشياء إذا اختلط بأناس يسيئون فهمه ويحملونه ما لا يحتمل. فجنّة هذا الشخص في صدره، وفسحته في كتاب يقضي معه كل وقته، وخلوته بنفسه إعادة شحنٍ لروحه وجسده.

يا صديقي هذا العالم مليء بالوحشة، ولولا الأُنس بالنفس لما استطاع هؤلاء الاستمرار فيه، فالعزلة عن العالم لا تعني هجره، ولكن تعني الهجرة منه، الهجرة إلى عالم آخر أكثر نقاءً وطهرًا، فإن لم نصله الآن بأجسادنا فيكفي أن تحاول الأرواح الوصول.

سلامٌ إلى أولئك الواقفين على عتبات الأبواب، واصلوا الطرق فقريبًا ما ينفتح!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد