لم يكن كهنة المعابد يحثون الناس على تقديم القرابين والهدايا إلى تماثيل جامدة لا تضر ولا تنفع، إنما كانوا يعلمون علم اليقين أنهم يدفعونهم إلى ملء خزائنهم وتعبئة جيوبهم وتضخيم ثرواتهم، هم الكهنة لا تلك الآلهة المزعومة. وكأن الناس قد عميت أبصارهم عن تلك الحقيقة الفجة، فلم يتساءل أحدهم: كيف تنفق التماثيل تلك الثروات؟ كيف لا ترى أعينهم أثر الذهب والفضة عليها؟ كيف تختفي القرابين والذبائح التي يقدمونها بين يدي تلك الأصنام الصماء؟ أو ربما كانوا يتساءلون ثم تجيبهم أكاذيب كهنتهم أن آلهتهم تلك قد قبلتها منهم ووعدتهم بتلبية احتياجاتهم، وربما علقت على صدورهم نياشين الإخلاص والتدين ورضا آلهتهم عنهم، فراحوا يتفاخرون فيما بينهم، ثم يتسابقون ويسارعون إلى حرمان أنفسهم وأهليهم من قوت يومهم، ليقدموه بكل رضا وأريحية، راجين المزيد من الحظوة ومتقين نار السخط!

ثم كانت صكوك الغفران وعقود بيع قصور وأراض في جنة الخلد، فكانت قناطير الذهب والفضة تنهال على خزائن الأحبار والرهبان مقابل مغفرة الذنوب وحجز بيوت وحدائق غناء في الجنان. ولم تختلف عنهم كثيرًا خزائن حارسي قبور الصالحين وأصحاب المقامات من الأولياء، الذين أتخمت بطونهم من أكل أموال الناس والفقراء واليتامى في صناديق التبرعات في مسجد فلان ومقام علان، بينما هؤلاء المساكين يرجون قربى إلى ربهم وشفاعة شيخهم لقضاء حوائجهم، إذا بهم يحرمون أنفسهم وأولادهم من التمتع برزق ربهم ويتبرعون به إلى «الموتى»!

لم تختلف فكرة الدولة والوطن عن أفكار المعابد والكنائس والأضرحة إلا في الشكل، ولكن بقي المضمون المضلل ذاته، بل أزعم أن الفكرة الأخيرة أشد خطرًا لأنها أشد ضراوة وقسوة بما في يدها من كرابيج وأسلحة مسلطة على ظهور المساكين وصدورهم. فبينما كان «المغيبون» يذهبون إلى معابدهم وكنائسهم وأضرحتهم عن رغبة منهم، كان «الجميع» يساقون إلى مقصلة الدولة والوطن سواء رغبوا فيهما أم عنهما، يخرج أحدهم جلادًا والآخر ذبيحًا.

وطالت العدوى أحزابًا وجماعات وحركات وطرقًا ودعوات، فراحت الاتهامات تنهال على كل من يخالف في الرأي رئيس حزب، أو يفكر خارج صندوق أفكار جماعة، أو يطرح رؤية تصحيحية أمام زعيم حركة، أو ينتقد سلوكًا لشيخ طريقة، أو يراجع منهج أمير دعوة. صار كل من يتجرأ على أن يكون صاحب رأي أو فكر أو رؤية خارج ما اعتاده محيطه، صار محط الأنظار المتهمة والعيون المخونة والألسنة الحادة وقائمة من الاتهامات في انتظار إعلان نفسه عن نفسه.

سادت موجة الوطنية والعمالة، أو الولاء والخيانة، أو الاستقامة والضلال كل الأجواء فسدت وأفسدت، فصاحب السلطان راح يمسك بيد بختم الولاء والانتماء ليرسم به على «قفا كل من يزين جيدَه بحبل العبودية» بينما يقبض بالأخرى على ختم الخيانة والعمالة ليكوي بها «صدور هؤلاء الرجال الذين لا يقبلون الضيم، ولا ينزلون أبدًا على رأي الفسدة، ولا يعطون الدنية في دينهم أو وطنيتهم أو شرعية حقوقهم».

ثم فشت تلك الروح بين عوام الناس، فراحوا عن جهل يقلدون صاحب السلطان وأبواق إعلامه، فصاروا يكيلون الناس بمكيال الانقياد والانصياع عن عمى واستكانة، يصفون الخانع لأوامر الظالمين بالوطني، ويسمون المستكين للظلم بالعاقل الرصين، ويعرفون الوطنية بأنها التسليم لأولي القوة والبطش بحق الحكم والأمر دون اعتراض أو حتى انتقاد، ويخونون كل من يفكر ويعقل ويناقش ويجاهد بالحجة والدليل والبرهان، ويطالبون بنزع الجنسية وشرف الانتماء للوطن عن كل من يقف أمام الظالم، أو يكشف الفاسد، أو يعري الجاهل، أو يزيح الغشاوة عن أعين المغيبين السذج أصحاب القلوب الطيبة والنيات الحسنة والنفوس الطاهرة النقية.  

كانت تلك الروح وما زالت تمثل سلاحًا مسلطًا على رقاب المصلحين والثائرين من أجل الحرية والعدالة، والغريب أن كثيرًا ممن ذاقوا مرارة الظلم والفساد هم أنفسهم حائط صد يذود عن الظالمين والمفسدين، فزادوا بذلك الطين بلة، صارت بذلك معركة الثوار من أجل الحرية حربًا مع الجميع؛ معركة تحرير الوعي موجهة إلى عقول العامة، ومعركة كشف الفساد موجهة إلى الفاسدين والمفسدين، ومعركة الإصلاح وساحتها كل شبر من أرض الوطن.

وأحد أهم سبل حل تلك المعضلة هو تحرير مصطلحات الوطن والوطنية والمواطنة، والولاء والانتماء للوطن، والخيانة والعمالة، وغيرها من المصطلحات التي طالما فرقت بين القلوب وباعدت بين النفوس، وزهقت من أجلها آلاف الأرواح من الشهداء، وغيبت وراء الأسوار أجساد عشرات الآلاف من الثوار، وشردت ودمرت مئات الآلاف من النفوس البريئة من الأطفال والنساء والشيوخ.

ويحلو لنا أن نختم بما قاله أحد سجناء الحرية يومًا، حين كان الجلاد يصيح بضحاياه يومًا أن يرفعوا أصواتهم بهتاف «تحيا مصر» بينما هم يعانون آلام التعذيب تحت سياطه في حر الشمس المحرقة، وفوق جمرات الرمال التي تفترشها أجسادهم العارية الممزقة، وبأصواتهم التي كادت تفقد الأنفاس من هول الأنات والصراخ لتعذيبٍ صوَّرَ لهم كيف هي جهنم بعينها وويلها وسقرها وقعرها، متهمًا إياهم بعدم الإخلاص في هتافهم؛ تحيا مصر!

تحيا مصر تحيا مصر

وتحيا تحيا في كل ناحية الكل قال

تحيا مصر في المصانع في المزارع وفي الجبال

بس انتوا سيبوها تحيا وهي تحيا وتبقى عال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد