سر عظمة المارد الأخضر العملاق (1) «الإسلام»، كما كانت تسميه أوروبا المسيحية في عهد الخلافة العثمانية، والذي كان وقتها قد جمع زمام العالم من شرقه إلى غربه تحت حكم واحد ولواء واحد -إلا أجزاء قليلة منه- لإرادة الله -سبحانه وتعالى- أن تستمر سنة المدافعة بين المسلمين وغيرهم، لم يكن في قوة ومتانة انتماء حكامه ومحكوميه للقبيلة، أو القومية، أو الأرض، أو ما اصطلح أن يسميه فقهاء وباحثو العلوم الإنسانية والسياسية بالأوطان.

ولكن منذ ظهور الإسلام وفي مفرداته، وأدبياته، وقواعده الأساسية الأولى التي علمها سيد الأنام، وحبيب الرحمن الرسول الأمين سيدنا محمد بن عبد الله ﷺ المسلمين أن الانتماء الأول للعقيدة، التي هي بمثابة الوطن والجنسية (2) بدليل أنه ترك أحب البلاد إلى قلبه، وهي مكة، وهاجر إلى المدينة؛ ليكّون أول دولة بالمعنى السياسي للإسلام، ثم أنه لما فتح مكة لم يجعلها عاصمة الدولة الإسلامية السياسية، بل رجع مرة أخرى إلى المدينة لفضلها العقدي في حسن الضيافة للرسالة السماوية، وكذلك فعل الخلفاء الراشدون من بعده، حتى تغير ذلك بظهور نجم الدولة الأموية لأسباب سياسية محضة.

وكذلك فإن النبي ﷺ لما أمر المسلمين بالهجرة الأولى إلى الحبشة، كان الدافع وراء ترك بلد المنشأ والوطن هو العقيدة، فهناك سوف يكون الفرار بالدين والدعوة إلى الله أيضًا.

كما أن الإسلام الذي اهتم من أول يوم ببناء الإنسان المسلم، وغرس فيه قيمًا روحية تعلي من شأنه، وتبين له قيمة نفسه، وتستخرج الكنوز التي بداخله.

فقد جعل بلال بن رباح –رضي الله عنه- «الحبشي» الأسود يطأ الكعبة بقدمه ويؤذن فوقها، وأعلى من قيمة تضحية صهيب بن سنان –رضي الله عنه- «الرومي» الأبيض لما ترك ماله وأراد أن يلحق بالنبي ﷺ في المدينة المنورة، وهو الذي قال له: «ربح البيع أبا يحيي»، وهو الذي نسب سلمان –رضي الله عنه- «الفارسي» الأصفر إلى آل بيته؛ لما جعله الله سببًا في نصر المسلمين في غزوة الخندق، فقال: «سلمان منا آل البيت».

وهكذا فإن الإسلام الذي جمع الحبشي، والرومي، والفارسي، والعربي، على اختلاف الألوان والمشارب، وصب ثقافات، وأدبيات، وأخلاقيات كل هؤلاء في بوتقة واحدة، وصبغهم بصبغة العقيدة الإسلامية ليخرج إلينا أنجح حلقة حضارية في التاريخ الإنساني ككل، فنجدها أنها جمعت ولم تفرق، ووحدت ولم تشتت، وجعلت كل الخلق سواسية كأسنان المشط، لا فضل لأعجمي على عربي إلا بالتقوى والعمل الصالح، ولا إكرام لأمير على رجل من العامة لنسب أو شرف كما قال أمير المؤمنين علي – رضي الله عنه- «إن الجنة لمن أطاع الله، ولو كان عبدًا حبشيًّا، والنار لمن عصاه، ولو كان شريفًا قرشيًّا».

وكما قال أمير المؤمنين الفاروق –رضي الله عنه-: «كنا أذلاء فأعزنا الله بالإسلام، وإن ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله».

لذلك نجد أن دولة الإسلام التي حكمت أهم أجزاء العالم في الأندلس، وشمال أفريقيا، والهند، والأناضول، وبلاد الشام، والحرمين الشريفين، تنقلت الزمرة الحاكمة فيها من العرب إلى العجم، لم نجد أنها فشلت في إحدى حلقات الوصل، بل إنها ازدادت قوة ورونقًا؛ لأن الذين آلت إليهم السلطة والحكم فهموا أن الذي يجمع قلوب المسلمين على مختلف مشاربهم وأعراقهم هو عقيدتهم، وحبهم لدينهم، وهكذا استمرت دولتهم، ولما أذن الله – سبحانه وتعالى- الخمول، والكمون، والاختفاء المؤقت، لما بعدت عن هذا المعنى.

ولما أراد الغرب المسيحي أن يترك المسلمين مختلفين متخلفين بعد انفراط عقد الخلافة الإسلامية أثار بينهم النعرات القومية والشعوبية والقبلية، والتي ما إن ظهرت، وحتى وقتنا الحاضر لم نر إلا الخراب والبوار في شتى ربوع العالم الإسلامي، والقومية الناصرية التي جعلت مصر في أسفل سافلين خير دليل على هذا المنطق، والبعثية النصيرية تشهد علة خراب الشام والعراق.

ومنذ ذلك الحين، وعندما أراد المستخرب أن يلملم أوراقه ويترك بلاد المسلمين، أراد أن يطمئن على أن يتركهم متفرقين، ومتناحرين، فأوجد لهم الحدود الوهمية ليتنازعوا حولها، وحارب الفكرة الإسلامية وكل معتنقيها، وجعل له أذنابًا من أشد الناس انصاتًا له وتنفيذًا للأوامر، وهم العسكر المجرمون الذين عدوا بالنسبة للأمة احتلالًا بالوكالة عن المستخرب.

وكان لا بد أن يكون هناك من الغطاء الذي يستر عورته أمام الناس؛ حتى لا ينكشف أنه مجرد موظف في سفارة المستخرب، وأداة لتنفيذ الأوامر والأجندات، فكما جاء في كتاب «لعبة الأمم» لرجل المخابرات «مايلز كوبلند» يكشف أنه صُنع ما يسمى بحركات التحرر الوطني، التي تطالب بحق تقرير المصير، والتي صنعت في أقبية المخابرات، وبأعين الصهيونية العالمية؛ لأن فكرة الجندي الأجنبي الذي كان يكلف خزينة المستخرب أموالًا طائلة، وبات شكله منفرًا لأهل البلاد، وجعل قتله أسهل، أصبحت مستفزة؛ فكان الحل الجهنمي، والذي بسببه علا نجم أمريكا، وباتت القطب الأوحد بحكم براءة اختراعها هذه الفكرة، أن يكون الاحتلال وطنيًا خالصًا، وبات الذين يحكمون الشعوب باسم الشعوب عقولهم ملساء فارغة، غير متخصصين في أمور الحكم والإدارة، وتسيير شئون العباد، وما عملهم إلا تلقي أجندات وتنفيذها.

وكان لا بد من تلميع هؤلاء القادة في أعين الناس، فاشتغلت ماكينة الإعلام صباح مساء، تدوي كدوي النحل، تتغنى ببطولات الزعماء الذين لم يعرفوا عن السياسة إلا الجعجعة الفارغة، والشعارات الزائفة، وعن الحرب إلا الخسران والدمار، وجرى شراء أقلام وذمم، وإنتاج أفلام تنسي الإنسان ماضيه العقدي، وتربطه بواقع جديد كله ألم، وسلمت الآلة الإعلامية الضخمة لكل حاقد على الإسلام من الشيوعيين، والعلمانيين، واستمرت العجلة من عام 1924 وحتى وقتنا الحاضر.

وباتت المعارك التي يخوضها العباد منذ أن غابت الفكرة الإسلامية في سبيل ما يسمى بالأوطان، فمنذ حرب 1948 والأمة تتلقى النكسات والهزائم المتتالية، ولما ربطت هذه الحرب بالإسلام، وجعلتها في سبيل الله، انتصروا في العاشر من رمضان سنة 1973، ولسنا بصدد التحدث عن ملابسات ونتائج خيانة حولت النصر إلى هزيمة.

وسارت الدنيا في هذا الاتجاه، وباتت الحرب من أجل التراب، وأعليت قيمة الحجر على حساب البشر، وصار المواطن الذي هو غراس الأرض وماؤه وهواؤه مجرد رقم أو نفر، إذا مات أو قتل لم يتغير شيء، وصارت الأهزوجة الكاذبة الزائفة التي تلحن على آذان الناس أن يحيا الوطن، ولو على جثة المواطن، ولو أن هناك عقولًا تعي تجارب الأمم لعلمنا أن الوطن هو الإنسان أغلى ثروة موجودة على الأرض، وبدون الإنسان لا وجود لما يسمى الأوطان، فمثلًا اليابان التي قتلت تربتها قنبلتان نوويتان ألقتهما أمريكا عليها، محت مستقبل الموارد الطبيعية في هذه البقعة، لم ييأس الإنسان فيها، ولم يجلس يرثي حاله وينتج بكائيات ونواحًا لا فائدة منه، بل قام مرة أخرى وأعاد الحياة فيها، بعد أن كانت قد امحت، وصارت اليابان من أقوى الاقتصاديات في العالم، وصارت تصدر التكنولوجيا للعالم أجمع، مع العلم أنها أمة بلا عقيدة، والديانات أقرب ما تكون للوثنية البوذية، ولكنها أدركت قيمة أعظم ثروة على وجه الأرض، هي الإنسان.

الإنسان الذي هو سر النهضة والتقدم والحداثة، كما أشار إلى ذلك الكثير من قادة الأمم وبُناتها وزعمائها، فمثلًا يقول مؤسس الإمارات العربية المتحدة الشيخ زايد آل نهيان: «الثروة الحقيقية هي الرجال؛ وليس المال والنفط، ولا فائدة من المال إذا لم يسخر في خدمة الشعب».

ويقول الجنرال سعد الدين الشاذلي، رئيس أركان حرب الجيش المصري الأسبق، وواضع خطة حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973: «إن الفرد هو أغلى عنصر في الثروة البشرية للدولة، فإذا كان مقهورًا لا يملك ثقته بنفسه لا يمكن أن يقدم شيئًا لبلده في أي مجال».

لذلك «لا بد أن نعي جميعًا أن الوطن هو الإنسان وليس أطلالًا أو أحجارًا، وبدونه لا وطن، وإذا حيا الإنسان بكرامة وشرف، فسوف يحيا الوطن، وإذا مات الإنسان فلتذهب الأوطان إلى الجحيم».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

الله اكبر المارد الاسلامي قد استيقظ لمحمد اسعد بيوض
الرساله الخالده للدكتور عبدالله عزام
مذكرات حرب اكتوبر لسعد الدين الشاذلي
عرض التعليقات
تحميل المزيد