شهدت شوارع القاهرة ظهيرة يوم 29 مارس (آذار) 1954 مجموعات من المصريين يهتفون:

«تحيا الثورة، يحيا الجيش، يحيا عبد الناصر»

كانت تلك المجموعات تنادي بسقوط الأحزاب والنقابات والرجعية، وكذلك بسقوط الدستور ومعه الحرية والديمقراطية، فيما تعارف عليه تاريخيًا بـ«أزمة مارس».

وكان عبد الرزاق السنهوري حينها يشغل منصب رئيس مجلس الدولة، ويعد السنهوري أحد أعلام القانون الذي عاد إلى مصر ليعمل مدرسًا للقانون المدني بكلية الحقوق بعد أن حصل على درجة الدكتوراه عام 1926 من جامعة «ليون» الفرنسية، والذي غادر إلى بغداد عام 1935 بعد أن فصلته الحكومة من الجامعة بسبب نشاطه السياسي وتأسيسه لـ«جمعية الشبان المصريين».

وصلت إحدى هذه المجموعات إلى الجيزة حيث مقر مجلس الدولة، مُعلية الهتاف بسقوط الجاهل الخائن عبد الرزاق السنهوري، فدخل أحد الضباط إلى مكتب السنهوري وطلب منه الخروج إلى حديقة المحكمة لمخاطبة المتظاهرين، وعند خروجه، اقتحمت الجموع فناء المجلس وانقض بعضهم على السنهوري بالسب والضرب.

ويروي السنهوري في أوراقه الشخصية «وحينئذ أدركت أن الأمر لم يكن مظاهرة أخاطب فيها المتظاهرين ــ كما ادعى الضابط ــ بل أمر اعتداء مبيت، وما لبث المتظاهرون أن دفعوني دفعًا إلى الحديقة وتوالى الاعتداء».

في ذلك اليوم كاد المتظاهرون أن يفتكوا بالسنهوري، ولم يتمكن من مغادرة مقر المجلس إلا بعد قدوم الصاغ «صلاح سالم» الذي اصطحبه إلى الخارج . ثم كان اليوم التالي للاعتداء، ومن فراشه بالمستشفى أدلى السنهوري بأقواله إلى النيابة العامة؛ موجهًا الاتهام إلى الصاغ «جمال عبد الناصر» بتدبير الاعتداء عليه، وطالبًا من زوجته عدم السماح بدخول عبد الناصر لغرفته، عندما جاء لزيارته جمال.

هكذا احتدم الصدام بين القانوني والعسكري، وبالطبع حسم العسكري الأزمة لصالحه وأطاح بالسنهوري من الساحة القانونية، وفُرضت عليه عُزلة إجبارية استمرت حتى عام 1970، بعد حل مجلس الدولة وفقًا لهذا القانون الجديد الذي استصدره عبد الناصر لتصفية رجال المجلس من القضاة المعارضين لسياسته، ورغم ما كان من تأييد السنهوري لحركة يوليو (تموز) 1952، وما بذل من جهود كبيرة لتنفيذ مشروع الإصلاح الزراعي، إلا أنه طالب بإرساء الديموقراطية وحل مجلس قيادة الثورة وعودة الجيش إلى الثكنات، وفي ظل رئاسته لمجلس الدولة ألغى العديد من القرارات الحكومية الصادرة من عبد الناصر الذي شغل منصب رئيس الوزراء آنذاك.

ويذكر «خالد محي الدين» وهو أحد ضباط يوليو في مذكراته «أن جمال عبد الناصر هو الذي نظم إضراب العمال في مارس 1954 وأنفق عليه، وأن جمال قد أخبره أن هذا الإضراب كلفه «أربعة آلاف جنيه».

ويضيف «خالد محي الدين» أكثر من ذلك، بأن عبد الناصر هو الذي دبر الانفجارات التي حدثت في الجامعة وجروبي وبمخزن الصحافة وفي محطة سكة حديد القاهرة، وأنه اعترف لبغدادي بتدبير هذه التفجيرات لإثارة مخاوف الشعب من الديمقراطية، وللإيحاء بأن الفوضى ستسود وأن الأمن سيهتز إذا مضوا في طريق الديمقراطية.

هكذا كان عبد الناصر ضد الديمقراطية على طول الخط يدير شؤون مصر بهذه العقلية التآمرية، يفجر القنابل و ينظم الإضرابات ثم يبحث عن متهمين وهميين يعلق في رقابهم الاتهامات.

ورغم هذا الإرث الثقيل الذي خلفه عبد الناصر من مشكلات اقتصادية وسياسية تظل جريمته الأعمق أثرًا تتعلق بتشكيل عقل الإنسان المصري ومبادئه ونظرته للأمور واتساقها مع المنطق، فقد أفسد عبد الناصر البنية النفسية المصرية، وخلق مجتمعًا مشوهًا لا يحترم الاختلاف ولا يؤمن بالتنوع ولا يمتلك قدرًا سويًا من التفكير، مجتمع لا يستنكر الجشع ولا يحترم إلا الادعاء، مجتمع يعيش تحت وطأة الخوف.

منذ تمكن عبد الناصر ورفاقه من فرض سيطرته على مفاصل إدارة القطر المصري، وتلاشت مؤسسات الدولة أمام سطوة مؤسسة بعينها، وأُصيب المجتمع المصري بقدر مُخيف من الخلل في التفكير يسري كالسرطان من جيل لآخر، وأصبح أغلب المصريين مُؤهلين لقبول الشيء ونقيضه في الوقت ذاته دون منطق محدد يمكن الارتكاز عليه .

تلك الازدواجية قد ارتبطت بالتنافر المعرفي حيث المعتقدات المتناقضة التي تسبب الصراع الذهني للمرء، وفقًا لتعريف جورج أورويل المعروف بـ«التفكير المزدوج – Doublethink».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد