كانت الحرب سابقًا تقع ضمن النطاق الزمني لها والذي لا يخرجها من وجودها الزمني التاريخي في المكان، أي أنها محدودة وواضحة، لها مكانها وزمانها الذي تبدأ فيه لتنتهي، وفِي ذات الوقت لها عدو محدد لمواجهته. لكن الحرب على الإرهاب اليوم لا تأخذ بهذا المعنى القديم، لذلك أصبحت طويلة كفاية لتمر خلالها أجيال عدة دون ان تنتهي، بالإضافة لتعدد أشكال الأعداء.

مصطلح الحرب الطويلة استخدم ضمن الإدارة الأمريكية عام 2006، حيث جاء ضمن خطاب الرئيس الأمريكي بوش الابن، وضمن تقرير وزارة الدفاع الأمريكية لنفس العام، حيث أشارت الوثائق إلى الإجراءات التي تتخذها الولايات المتحدة ضد تنظيم القاعدة وأتباعها، بالقول «أن الولايات المتحدة هى دولة تشارك فى ما سيكون حربًا طويلة». ووضعت الاستراتيجيات لهذا النوع من الحرب دون التطرق إلى نسب نجاحها أو فشلها ولا إلى كيفية الربح والكسب فيها.

وكون هذا النوع من الحروب، يقاتل ما يسمى بالتنظيمات الإرهابية، جماعات أو أفراد، فإن العالم بأكمله يواجه هذا العنف أو على الخصوص الموجه ضد أمريكا. ففي الخطاب الذي أدلى به جورج بوش بعد وقت قصير من أحداث ١١ سبتمبر يقول:

«لا ينبغي لأي مجموعة أو دولة أن يعتبر نوايا أمريكا خاطئة ولن يهدأ لنا بال حتى يتم العثور على الجماعات الإرهابية العالمية وإيقافها وهزيمتها»، فأن لن يهدأ لأمريكا البال يعني أن هذه الحرب لن تتوقف حتى يقضي على هذه الشبكات بشكل جذري، وأن لا يقبل التشكيك في مصداقية هذه الحرب تعني أن من يكون ضد الحرب يكون ضد أمريكا أيضًا، ومن يقف على حياد يعتبر داعمًا للإرهاب.

لكن مشكلة الحرب الطويلة لا تتمثل فقط في إشكالية المصطلح، بل حتى في عدم القدرة على تحديد العدو الذي تواجهه هذه الحرب، فهناك أحزاب إرهابية عملية عنيفة، وأحزاب إرهابية نظرية مثل إخوان المسلمين، ومنظمات وشبكات مثل داعش وبوكو حرام وجبهة النصرة، ومليشيات شيعية إرهابية، وهناك حكومات مثل طالبان، ومتمردين…إلخ، هذه التشكيلة تجعل من الحرب واسعة المساحة كما هي واسعة الزمان، وهذا الخليط المنوع من الأعداء يعطي إمكانية توسيع القائمة، وإضافة جبهات أخرى تحت جنح الإرهاب، دون مراعاة أيديولوجيات كل جبهة، ولا قابليتهم على العنف، ولا حتى الأسباب التي أدت إلى تبنيهم الإرهاب.

المشكلة الأكثر تعقيدًا هنا أن هذه الحرب انتزعت من سياقها التاريخي الزمني حسب نظر الكاتبة الأمريكية كيلي أوليفر، حينما رُبط الخطاب الأمريكي السياسي بالأبدية والله، حيث «ختم بوش خطابه في ذكرى أحداث ١١سبتمبر لعام ٢٠٠٦ بقوله: (أننا نسير قدما بثقة في تلك الروح -روح الشعب الأمريكي- والثقة بهدفنا، والإيمان برب محب هو الذي جعلنا أحرارًا). فإذا كنا نحارب إلى الأبد، فإننا نخوض حربًا بلا نهاية، حربًا دائمة دونما احتمال للسلام. وثمة جانب خطير في خطاب الأبدية هذا، وهو انتزاع الحرب من سياقها الاجتماعي التاريخي. وعلى ذلك فليست الحرب من أجل البترول، أو الأسلحة النووية، أو الحكام المستبدين، أو المحافظة على مكانة أمريكا بوصفها قوة عظمى، أو إعادة بناء العراق، إو حتى إجراء انتخابات حرة في العراق، بل حرب من أجل الخير الأبدي وإيماننا بالله. ويتمثل خطر نزع الأحداث من سياقها الاجتماعي والتاريخي في أننا نحرم من المعلومات الضرورية لتأويل هذه الأحداث وفهمها. ونعطي صور بلاغية انفعالية تحرك المشاعر، مشاعر الكراهية والانتقام العنيفة». إن الحروب إذا ما أخذت بمعان دينية أخرجت من محتواها السياسي، فتصبح الحرب على الإرهاب هي إرهاب أيضًا، لأن السلفية الجهادية لا تخرج عن هذا الإطار الديني الذي تقاتل هي أيضًا من خلاله، فتكون كما قال مؤسس منظمة بوكو حرام محمد يوسف: «هذه الحرب التي بدأت الآن سوف تستمر لوقت طويل».

وتصبح الكراهية هي الملامح الوحيدة لهذه الحرب الطويلة، طالما أيديولوجية العنف هي الشيء الوحيد المستخدم من طرفي الصراع، الذي سيبقى صراعًا قويًّا وسيطرة، وسيبقى الإرهاب يعمل بشكل فردي شبكي ضمانًا لاستمراريته، وتبقى هذه الحرب إلى زمان غير معلوم وضمن نطاق غير معلوم أيضًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد