طفولة لاجئ.. هواءٌ غَزِّيٌ تسلَلَّ إلى رئتيهِ؛ فرواهُما حريةً وحياة.. عَلَا صوتُ صراخِ الصغيرِ مُعلِنًا الميلاد، هناك في مشفى الشفاء بغزة.

وُلِد عماد بتاريخ 26 فبراير (شباط) لعام 2001 لعائلةٍ فلسطينيةٍ تعودُ أصولُها لقريةِ وادي حنين قضاء الرملة، والتي هُجِّرْتُ منها عام 1948.

في مخيم النصيرات للاجئين كانت أولى خطواته تتعثَّرُ ثُمَّ تمضي، ثُمَّ تركُضُ حاملةً معها رائحةَ الوطنِ المسلوبِ بضحكةٍ يُسْمَعُ صدَاها في أرجاءِ أزِّقَةِ المُخيَّمِ الضَّيِّقَةِ؛ فتُحيي الأملَ في روحِ الكبارِ الذين فاضت عيونُهم حزنًا وحنينًا.

عماد.. شتلةُ حُبٍّ مُتنقِّلةٍ ببسمتِه الحنونة وبريقِ عينيهِ الدافِئَتَينِ المتدفقتينِ رجولة.

ذاك الأسمرُ الجميلُ يتراكضُ حول أقدامِ أُمِّهِ ويُغامِزُها بعينيهِ ويلاطِفُها بضحكاتِهِ البريئة، كيف لا وهو البُرعُمُ الأصغرُ لعائلةٍ يبلُغُ عددُ أفرادِها 12 فردًا، وهو وردتُهُم التي تفتَّحَت على الحياة فغمرت البيتَ سعادة.

دراسةٌ في المخيم

ترعرع عماد مع أبناءِ المخيم الجديد في مخيم النصيرات بعيدًا عن أرضِهِ جسدًا، قريبًا منها روحًا، كَبُرَ متنقِّلًا بين مسجد المخيم – مسجد الإمام الشهيد حسن البنا – وبين مدارس المخيم التابعة للأونروا، فأنهى المرحلتين الابتدائية والإعدادية هناك، ثم انتقلَ لمدرسةِ شهداءِ الأقصى الثانوية للبنين، وأنهى فيها الصف العاشر، وتحوَّلَ بعد ذلكَ لمركزٍ تعليمِيِّ؛ ليدرُسَ الحلاقةَ لِمُدَّةِ عامين، مكونًا رفقةً وصحبةً متنوعةً ومن كافَّةِ أطيافِ اللون الفلسطيني ضاحكًا مغامرًا معهم راسمًا للحياةِ معنىً ناثرًا فيها عبيرًا.

عماد الذي ارتقى بعمر السابعة عشر.. ماذا تعني لك السبعةَ عشرَ ربيعًا أيها الطفلُ الفلسطينيُّ الغضُّ البريء؟

ماذا تعني من عمرِكَ المِعذَّبِ بين أنيابِ الظُّلْمِ والخذلان؟

ماذا أعطتك السبعة عشر عامًا وماذا سلبت؟

إنها تعني 13 عامًا في حصارٍ خانقٍ ظالم، تسبقهُنَّ أربعةُ أعوامٍ في احتلالٍ مقيت.

تعني طفولةً مسلوبةً وبطونًا جائعةً وبيوتًا محروقةً بشمعةٍ مقصوفةْ بطائرات F16، تعني ثلاثَةَ حروبٍ قاصماتٍ قاهرات.

ما قصمْنَنَا ولا قهرنَنَا ولا أفلَلْنَ عزمَنا ولا أطفأْنَ فتيلَنا ولا أخمَدْنَ جذوةَ حقوقِنا، لكنهُنَّ أثبتْنَ للمُحتلِّ أنَّ الطفلَ المولودَ بعد النكبةِ بما يقارِبُ نصفَ قرنٍ من الزمان، ذاكرته حديد تستحضر قريةَ الرملةِ قبل استحضارِها أزِّقةَ مخيم النصيرات، ماردًا منتصِبًا يدافِعُ عن أرضِه، يطالِبُ بحقِّه.. حقَّهُ المشروع والمسلوب الذي راهنتم جميعًا أنه سيصبح طيَّ النسيان، أثبت لكم بإصراره المتكرر على المواجهة وهو الأعزل أمام سلاحكم البغيض.. أثبت لكم أنَّ الذاكرة الفلسطينية حيَّة لا تموتُ ولا تندثر عصيةً على الضياعِ ومعانِدةً للتشوُّه، ذاكرة عنقاء تُولَدُ مع ميلادِ كُلِّ طفلٍ فلسطينيٍّ؛ ليُحييها من جديد أمامَ أرتالِ دباباتِكُم صدِئَةَ الإنسانية وخرِبةَ الإحساس وعديمةَ الحضارة.

عماد وكتيبة الكوشوك

في الذكرى السنوية الثانية والأربعين ليوم الأرض الفلسطيني، الموافق: 30 مارس (آذار) 2018 خرجت الجماهير الفلسطينية في غزة أفرادًا وعائلات، عشائرَ وتنظيمات، خرجت في مسيراتٍ حاشِدَةٍ نحو الحدودِ مع الوطنِ المحتل، انتفضَ الشعبُ الغزِّيُّ كُلَّهُ مؤكدًا على حقِّهِ ليس فقط في كسر هذا الحصار الظالم، بل حقِّهِ الشرعيِّ والأساسيِّ في بلادِه المسلوبةِ منه والمغتصبَةِ من عصاباتٍ تم تجميعها من أنحاء العالم؛ لتستوطِن بلادَه، وكانت هذه هي البداية الفعلية لانطلاق مسيرات العودة وكسر الحصار المستمرة على حدود قطاع غزة حتى الآن.

وثار عماد كما الكثير من أبناء شعبِه شارَكَ في المسيراتِ السلمِيَّةِ بصدرِهِ العاري ومقلاعِهِ بهتافاتِه، بحبِّه،ِ بانتمائِه،ِ بطفولتِه، وبراءَتِه.

وانطلقت الدعوات لجمع الكوشوك من كُلِّ بيوتِ غزة وشوارِعِها؛ وذلك لتعميةِ القنَّاصة الصهاينة والتغطية على الشبابِ العُزَّل والنساء والأهالي هناك في مخيمات العودة، كان عماد على رأسِ كتيبةِ الكوشوك في مخيم النصيرات؛ لتجميع الكوشوك ونقلِهِ وإيصالِهِ لنقاطِ التَّماسِ على الحدود، أنت حين تراه لا ترى إنسانًا فقط أنت ترى كتلةَ طاقةٍ متفجِّرةً غيرةً وحرارةَ انطلاقٍ وإصرارٍ.

يضعُ الكوشوكَ هنا، يضرب بالمقلاع هناك، يسحب هذا المُصاب، يتقدَّم مع رفاقِه نحو السلك الشائك الذي قصَّهُ أكثرَ من مرَّة، واقتحم إلى ما بعد السلك مع المتظاهرينَ بسلميَّتِهم، بغضبهم، بصراخهم، بحقهم الذي لا يموتُ طالما هم أسُودٌ تزأرُ وتنادي به.

عماد العملاق الذي أُصيب ثلاث مرات خلال صولاتِهِ وجولاتِهِ ما منعتْهُ إحداهُنَّ أن يعود أو ينكص أو يتخاذل، كانت إصاباتُه الثلاثةِ في القدم، وعلى فتراتٍ زمنيَّةٍ متباعدة، لكنَّ أشدَّها تلك التي أُصيب بها في ذكرى النكبة الفلسطينية 15 مايو (أيار) 2018؛ إذ أصابَه طلقٌ متفجِّرٌ في مُشْطِ قدمِهِ اليسرى؛ مما تسبب له بعمليَّةِ بترٍ لثلاثةٍ من أصابعِ القدم، مكث على إثرها في المستشفى قرابةَ الشهر، ثم خاض عملية التأهيل الطبي؛ ليستطِيعَ المشيَ مجددًا، وما إنْ تمكَّنَ من المشي حتى عاد للمشاركة في المسيرات بقوة وعنفوان رُغم إصابته.

عماد والدشمة 119

تسلل عماد برفقة مجموعةٍ من الشباب الثائر في يوم الخميس 1 نوفمبر (تشرين الثاني) 2018 إلى دشمة القناصة اليهود المنصوبة قبالةَ مخيم العودة شرق البريج في المحافظة الوسطى، تسلَّلُوا حاملينَ معهم الموادَ الحارِقَةِ والفتيل فسكبوا البنزين على المعدات هناك وغنموا ما استطاعوا غنيمتَهُ من أدواتٍ ومعدات، في أثناء انسحابهم هاتف عماد أخته وهو يلهث راكضًا: «مرقنا جوه وعلّمنا عليهم علّمنا ع اليهود»، وصل منزلَهُ بعد آذان المغرب مُغَبَّرَ الثيابِ ضاحِكَ المُحيا مُنتعِشًا في قمَّةِ السعادة، حاملًا بين يديه النمرة، نمرة ماذا؟ نمرة الدشمة التي اقتحمُوها؛ ليوثِّقَ انتصارَه في الاقتحام، نمرةً مُرَّقمَةً بالرقم 119.

في الجمعة 2 نوفمبر 2018 اليوم التالي للحدث خرجَ وشارك في المسيرات بكلِّ سعادةٍ وعنفوانٍ قائلًا لأخته: «والله غير أستشهد»، عاد للمنزل بعد انتهاء فعاليات المسيرة هادئًا صامتًا، فلطالما كان الكتمانُ جزءًا من شخصيَّتِه الممتزجةِ بالهدوءِ والثورةِ في آنٍ واحد.

وجاء السبت

تجَّهَزَ عماد وتعطَّر وتزَّين وأعدَّ بلطتَهُ، وخرج مُمَازٓحًا أُمَّهُ التي نادتْهُ؛ لتربِطَ لهُ رباطَ حذائِهِ كالعادة، لكنَّه رفض، فسحبته وجلست تربطَ له الرباطَ، ثُمَّ رفعت صحنَ البسبوسة: تعال كُل يما يا عماد، أجابَها عماد بأنه غير جائع، لكنَّها قرَّبتْهُ منها وأطعمَتْهُ بيدَيْها ثلاثَ ملاعق: «كُل يما إنتَ بتحب البسبوسة، لم تكن تلك العملاقة تدري أنَّ هذهِ آخرُ لُقيماتٍ تُطْعِمُهُنَّ لعماد، وأنَّها آخرُ ما تناولَهُ عماد في غزة»!

وخرج عماد، نعم خرج صلَّى الظهرَ في المسجد والتقى مع رفاقه (ونزلوا على موقع أبو مطيبق).

هناك قطعُوا المنطقة المِقْفَرَة واختبأوا خلف الكُثْبانِ الرملِيَّة مُراقِبِينَ مُقْتَنِصِينَ لفُرصةٍ للتسلل، تقدَّمُوا قليلًا.. وفجأةً فُتِحَ عليهم الرَّصاصُ كمطرٍ مُتطاير، تراجَعَ رفيقاهُ ظانَّا أنَّ عمادَ بصحبَتِهم، وحين تمكَّنُوا من الاحتماءِ بالكُثْبانِ الرملِيَّة؛ انتبهوا أنَّ عماد ليس معهم، لقد أُصيبَ ولم يتمكَّن من الانسحاب، كان مُلقىً بجوارِ السلك من ناحيةِ غزة، وينزِفَ بغزارة.

مكثوا قُرابةَ النصفِ ساعة وهم ينادون عليه: «عماد ازحف، احنا بنسحبك.. ازحف يا عماد.. شِدْ حيلك وازحف يخوي».

كل هذا وجراحَهُ تَنْزِف، ولا يستطيعُ أحدٌ منهم الاقترابَ لسحبه، ثُمَّ تقدَّم جُنْدِيَّان صهيونيانِ وحملاهُ للداخل وجاءت طائرةُ هيلوكابتر للمكان حملته إلى مستشفى سوروكا في بئر السبع، ودخل عماد أخيرًا أرضَهُ المحتلة، دخلها مُصابًا بعد نزفِ دمِهِ لأكثرَ من نصفِ ساعة وبعد نزفِ آلامٍ وأحلامٍ طَوَالَ السبعةَ عشرَ عامًا.

عماد والمجهول

تناقلت وسائلُ الإعلامِ الخبرَ، ووصل إلى أهله، كان أَفْجَعَ ما في الخبر هو اعتقالُه.

والأسئلة التى أثارها اعتقاله: هل ارتقى شهيدًا؟

لقد كان ينزف، لو كانوا يبغون إنقاذَهُ لسحبُوهُ منذ بدايةِ النزف، مع أنَّهُم مُتأكِّدِونَ أنَّهُ لا يحمِلُ سلاحًا، هل هو مصاب؟ هل إصابته خطيرة؟ أين ذهبوا به؟ كيف سنترصَّدُ أخبارَه؟ ماذا سيفعل حين يستيقظ ويجدُ نفسَه بينهم؟ وهو الطفل البريء لا خبرةَ لديه بالسجون وفِخَاخِها ولا بالتحقيقِ وأساليبَه، رفاقُهُ لم يستطيعوا تحديدَ مكانِ إصابَتِه بِدَّقة، حسبَ تقديرِهم أنَّ الإصابةَ في البطن، لكنَّهم أكدُّوا أنَّهُ كان حيًّا حينَ سحبَهُ جُنودُ الاحتلال.

تواصل الأهلُ مع وزارةِ الصحة ووزارة الداخلية وجمعيات حقوق الإنسان، ولم يكنْ هناك أيَّ ردٍ يشفي القلب، أبلغَهُم مركز الميزان لحقوق الإنسان بخبر استشهادِه صباحَ يوم الأحد 4 نوفمبر 2018، أبلغهم بالخبر دونَ أيِّ صورةَ أو شهادةَ أو تقريرَ مستشفى، فقط كلمة من مُحَامٍ، حاول الأهلُ التواصلَ مع الأقاربِ في أراضي الثمانية والأربعين؛ ليزوروه في المشفى ويطمئِنُوهُم عليه، لكنّ الزيارات كانت ممنوعة، كان هناك شيئًا في الخفاء!

شهيدٌ أسير

وبدأت التساؤلات لو كان حقًا شهيدًا، لم لا يُعِيدُون جُثْمانَه؟ ماذا يحدث هناك؟ أين عماد؟ أسير أم شهيد؟ أم الاثنان معًا: شهيدٌ أسير؟ أهو في أَقَبِّيةِ التحقيقِ؟ أم في مقابِرِ الأرقامِ؟ أم في الثلاجاتِ بعيدًا عن دِفْءِ الوطنِ وحرارةِ الأرض؟ أين أنت يا صغيري في متاهةِ هذا الوطنِ المُمْتَدِّ فينا وجعًا وعشقًا.. تُرى أين أنتَ يا عماد؟

طَالَبْتَ بحقِّكَ، لكنَّهُم أدخلُونا في متاهاتِ ضياعِ حقوقٍ جديدة؟ هل سرقُوا أعضاءَك صغيري؟ سلبُوا الحياةَ منك ليعطوها لغيرك؟

هذه بلادُكَ يا بُنَيَّ، وهذا قدرُنا يا حبيبي.. أغريبٌ أنتَ على ثرى وطنك؟ عماد صغيري لا أستطيع رفعَ فراشِك من جواري يا بُنيَّ إنَّكَ حيٌّ وإنَّنِي أشعر؟ مَنْ ذاكَ الذي يسلُبُ حياتَك في لحظة؟ بلا تقريرٍ بلا صورةٍ بلا شيء، فقط اتصال! أهذا الإنسان في حضارتِهم!

جاء رمضان والتفَفْنا حول المائدة، لم يكن لاجتماعِ العائلةِ اكتمال، كُنَّا ناقصين، كُنَّا غيرَ واعِينَ لما يحدُث، كُنَّا نحيا في وحشةِ الشعورِ وضياعِ المصير، كيف ننامُ وصغيرُنا بهجةَ منزِلِنا بعيد، بل مجهولَ المصير؟ كيف نتناوَلُ الإفطار، وأنت يا حبيبي في عالَمٍ لا نُدْرِكُ كَنْهَهُ، لقد سحبونا إلى اللاإدراك، أعاشُونا في اللاوعي؟

جاء الشتاءُ، صغيري تلحفت باللحاف وأنا أرتجف وأدعو: يارب طفلي كيف يتحمَّلُ بردَ الثلاجةِ الأقل من الخمسين تحت المائة ونحنُ لا نتحمَّلُ بردَ الشتاء؟ صغيري يا دِفْءَ قلبي.

قُرابَةَ عامٍ كامِلٍ محتجزًا في المجهول.

إنْ كانَ حقًّا شهيدًا.. لِمَ لا يُسَلِّموه؟ وإنْ كان جريحًا.. لِمَ لا يُعْلِنُوا عن ذلك؟

إنه طفلٌ صغيرٌ لَمْ يحمِلْ سلاحًا، لكنَّها عَنْجَهِيَّتُهُم وحقارَتُهُم وتلذُّذُهُم الوحشِيِّ لعنَهُم اللهُ أنَّى يُؤْفَكُون، أو تَظُنُّ يا صغيري أنَّنِي في هذا العامِ ذُقْتُ الدِّفْء! «قاسمتُك برودَةَ الوطنِ من على بُعْدٍ يا حبيبَ القلبِ يا عماد.. يا ابني يا عماد سلِّم يومه على شهداء الضفة والقدس، يومه ما انكتبلك تلاقيهم في أرضِ الوطن انكتبْلَك تجتمع معهم في ثلاجات البرد، حبيبي يما يا عماد وصّلِت سلام غزة للضفة ولرجال القدس الله يدَّفِيكِم في الجنة يومه ويجمعنا في بلادنا يا غالي».

عماد في أحضانِ غزة

فجأةً جاءَ الاتِّصالُ من صديقٍ لأخِ عماد يعملُ في معبرِ إيرز، يقول: شُفنا صندوق مكتوب عليه عماد شاهين، تواصلوا مع الارتباط.. أخوك عماد… عماد في الشفا (يقصد مسشتفى الشفا في غزة).

عماد الذي صَرَخَ صرخةَ الميلادِ الممتلِئَةِ دفئًا وحياةً في مستشفى الشفاء، ها هو مرةً أُخرى في مستشفى الشفاء يُسطِّرُ بدمِهِ ملحمتَهُ البُطُولِيَّةَ مُمتدًا مُجَمَّدًا بصمتٍ يروى بجسدِه إجرامَ المُحتَلِّ وحِقْدَه، ويُسطِّرُ حُبَّهُ لبلادِه في أطهرِ صورة.

سَلَّمَ الاحتلالُ جثمانَ الشهيدِ عماد شاهين أخيرًا وفجأةً بلا أيِّ مُقدِّمات، بعد إنكارِهِم لوجودِه أصلًا، مع أنَّ أهلَهُ أبلَغُوا المؤسساتِ الحقوقيَّةِ والصليبِ الأحمرِ بمواصفاتِ ابنِهم، خاصةً أنَّهُ يملِكُ بترًا لثلاثَةِ أصابِعَ في قدمِهِ اليُسرى، ولكنْ كله قِوبِلَ بلامبالاة، وتزمُّت من الاحتلال في آنٍ واحد.

وتتكشَّفُ الحقيقةُ في مستشفى الشفاءِ بغزة أنَّ إصابةَ عمادٍ لم تكُنْ قاتلة، ولم تكُنْ في البطن، كانت في الأقدامِ وفي الفخذ، رصاصتانِ في باطنِ القدم، ورصاصتانِ في الفخذِ الأيمن، كان بالإمكان إنقاذُه، وهذا يُثِيرُ علاماتِ الاستفهامِ حول رواية العَدُوِّ بأنَّ عماد استشهدَ في اليومِ التالي من احتجازِه جريحًا، لكنْ ليس هذا فقط ما أظهرَهُ لنا الجثمان، لقد كان جثمانُهُ الطاهِرُ مُزْرَقٌ مِنْ التَّجَمُدِ باردً كالثلج، ولقد كان صدرُهُ مفتوحًا من جهةِ القلب للكتِف، ومن وسطِ الصدرِ لتحت السُّرَّة، مع أنَّ الإصابةَ ليست في الصدرِ ولا البطن!

كان الجلد مُدَبسًا، وكانت قرنِيَّةُ العينِ مُختَفِيةٌ غيرَ موجودة (هذا حسب رواية أخت الشهيد).

لكنهم لم يُجْرُوا تشريحًا لجثمانه، منعتهُم برودةُ جسمِهِ الشديدة، وحتى يتمكنوا من تشريحه عليهم أن ينتظِرُوا خمسةَ أيامٍ حتى يُفَكَّ التجميد، وكان الأهلُ يرغبُونَ بدفْءِ الوطنِ لابنهم الذي عانى برودةَ الثلاجاتِ عامًا كاملًا!

هذا هو المحتل وهذه حقارته وخسته في استغلال أطفالنا الأبرياء وجثامينَ شهدائِنا الطاهرة.

حضنَتْهُ أُمُّهُ: «طوَّلِت عليَّ يا عماد إلك سنة يمه غايب عني والله يمه كبرت في هالسنة».

وضعت خدها على خده بدموعِها الحارَّة دفَّأَتْ برودةَ وجهِه، مررَّت أصابِعَها في شعرِه المُتَجَّمِد وهي تقول: «مبسوط يما يا عماد بتطلَّع فينا.. عماد حاسس بحاله… حاسس إنو طلع من عند اليهود ورجع لغزة تينزف فيها.. مرتاح ومبسوط يمه.. نيالك بغزة ونيال غزة بيك».

رسائلٌ من عُمْقِ الجراح

وَجَّهت عائلةُ الشهيدِ عماد شاهين رسالةً لأهالي الشهداء المُحتجزَة جثامِينُهُم أنَّهُ: لا سلاح كالصبرِ والدُّعاء، فلا يَرُدُّ القضاءَ إلا الدِّعاء.. والثبات في وجهِ الابتزازِ الصُّهْيُونِي، أبناؤُنا في غزة والضفة والقدس، وإنْ فَرَّقَتْهُم الحواجِزُ الصُّهيُونِّية، جمعتْهُم برودةُ الثلاجات، وأرسلُوا شوقَهم لبعضِهم البعضِ عَبْرَها.

كما وجهت العائلة رسالة إلى الموجودين في مواقع المسؤولية في الحكومة والمؤسسات والفصائل وللشعب الفلسطيني أنَّ: قضيةَ الشهداءِ الأسرى لم تَحْظَ بالاهتمامِ الكافي، فلا يجِبُ أنْ تكون فعاليات شعبية فقط، بل تَحَرُّكاتٍ دوليَةٍ وقضاءٍ ومُحامين؛ لِتُلْزِمَ هذا المحتل أنْ يُوْقِفَ حَدَّه، وتكشِفَ زيفَ كذِبَه، وبُطْلانَ ادِّعائِه، وطالبت العائلة بتجهيزِ لجنةٍ خاصَّةٍ بمتابعةِ هذا الأمرِ، بدلًا عنْ أنْ يظلَّ أهلُ الشهداءِ هُم مَنْ يتواصَلُونَ مع الداخل المحتل، طالبوا أن تتخصَّص لجنة لهذا الأمر، فتحمِلُ العِبْءَ عن عوائِلِ الشهداءِ الأسرى، المُكْتوونَ بنارِ الفقدِ والأسر.

وحين تطرَّقْتُ بالسؤال لهم: هل توافِقُونَ على صفقةٍ لتبادل الأسرى باستلام المحتل لجنودهم واستلامِكُم لجثامين أبنائِكُم الشهداء؟

أجابتني أختُه قائلةً: نرفض رفضًا تامًّا الربطَ بين الشهداءِ الأسرى وبين جنودِهِم في قطاع غزة، جنودُهُم جاؤُوا لنا على ظهرِ دبَّابَةٍ وخلف بندقيةٍ، قاتلة لم نذهب نحن لهم، أما عماد فهم دخلوا وسحبُوه، لقد كان مُصابًا على أرض غزة، سحبتُمُوهُ مِنْ أرضِنا والبادِئ أظلم.

هذا هو عماد ابن مخيم النصيرات، ابن وادي حنين، عماد الذي استشهد في عامٍ ودُفِنَ في عام، جاء خبرُ استشهادِه كما ادَّعى الاحتلالُ في 4 نوفمبر 2018، ودُفِنَ في مقبرةِ الزوايدة الشرقية بتاريخ 23 أكتوبر 2019 بجوارِ قبرِ أخيه.

ناما في حُضْنِ الوطنِ وودَّعَهُما أبوهُما قائلًا: «كلنا مشاريع شهادة يا ولادي».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد