عندما نتأمل واقع المنطقة العربية المليء بالأحداث والصراع والتطرف، والذي يجعل توقع مآلات الأمور، ومتى ستنتهي الأحداث، أمرًا في غاية الصعوبة؛ لكثرة مشاريع الفاعلين والمؤثرين وتعدد وتنوع الأساليب المختلفة في التأثير؛ خاصة بعد عودة المنطقة إلى حدودها الطبيعية وعودة مجتمعاتها إلى هوياتها الفرعية، أي أن المنطقة اليوم ينظر إليها على أنها منطقة خالية من الحدود والدول والمجتمعات المتعايشة في ما كان يسمى في السابق “وطنًا” يحوي ويستوعب الجميع.

إلا أن مما يمكن تحديده في المنطقة من مآلات انطلاقًا من واقعها الاجتماعي والسياسي هو موضوع الهويات المتنوعة وحدودها وطموحاتها، مع المشاريع الخارجية التي تؤثر سلبًا وإيجابًا على تحديد ملامح مستقبل الهويات في المنطقة التي نشهد الآن طور تشكل كياناتها وبحدودها الديمغرافية والسياسية وبعيدًا عن حدود سايكس بيكو.
إن المنطقة العربية وتحديدًا العراق وسوريا تتفاعل فيهما عدد من المشاريع السياسية التنافسية، هي ليست مؤامرة بقدر ما هي مشاريع تتنافس أو تتحالف فيما بينها على مناطق النفوذ وهي: المشروع الغربي، والصهيوني، والإيراني، والتركي، والإسلامي (المتمثل بالإسلام السياسي)، إضافة إلى القوى المضادة للربيع العربي (المتمثلة بالأنظمة السابقة وحلفائها وبعض الأقليات المنسجمة مع المشروع الإيراني) الذين يضعوا أنفسهم كليًّا أو جزئيًّا في خدمة المشاريع الكبيرة.

وهذه المشاريع والمعطيات على الأرض، توحي بأن عدم الاستقرار السياسي سيستمر في المنطقة إلى أن تتشكل الحدود السياسية الجديدة وبالرعاية الأمريكية والصهيونية على الأقل، وعندما تصل المنطقة إلى مرحلة القبول بأي حل يضمن حقوق تلك الهويات. إن حدود سايكس بيكو لم تعد قائمة، فلا بد من النظر إلى المنطقة على أنها منطقة خالية من الحدود أي منطقة واحدة؛ لذا فإن أي حل لمشكلة معينة في أي مكان؛ لا بد أن يتضمن حلًّا للمنطقة بأسرها بما فيها القضية الفلسطينية. إن المنطقة العربية تعيش حالة من الفراغ السياسي بعد أن تم إجهاض مشروع الربيع العربي الذي كان يشكل خطرًا على عدد من هذه المشاريع، فستبقى المنطقة تعيش حالة من عدم الاستقرار إلى أن تحسم تلك المشاريع مواقفها والهويات طموحاتها واتفاقاتها الداخلية.

المشاريع الخارجية في المنطقة

فالمشروع الغربي يتلخص في السيطرة على النفط وطرقهُ، والمحافظة على الأنظمة السياسية الحليفة بما يحقق هذين الشرطين فهم ليسوا معنيين بخلق حالة من الاستقرار، ولتبقى المنطقة تتفاعل طالما لا يوجد آثار حقيقية على إسرائيل وعلى المصالح النفطية، وسيتدخل الغرب ليغير المعادلة إذا تأثر هذان الشرطان (النفط وطرقه).

أما المشروع الصهيوني فيقوم على تفتيت المنطقة على أساس الطوائف والأعراق بغض النظر هل الغرب يوافق على هكذا مشروع أم لا، الهدف منه هو أن تتصارع وتتفاعل هذه الطوائف والأعراق وتبقى إسرائيل في مأمن، وتبقى هي المشروع العرقي الأكبر والأقوى والمهيمن في المنطقة لذا هناك علاقة بين الهوية اليهودية والهويات الفرعية الأخرى، وهي تحاول رعايتها.

المشروع الإيراني القائم على المذهب الشيعي والراغب بالسيطرة على المنطقة ولأسباب تاريخية ودولية وإقليمية تريد إيران تشكيل تحالف يؤمن مصالحها أو تفرض واقعًا يؤمن تلك المصالح وبالمذهب الشيعي في المنطقة بقيادة إيران.

وهذا المشروع والطموح قديم ومتجدد، فقد صرح الخميني عام 1979م بعد نجاح الثورة قائلًا: (لقد حكم العالم الإسلامي العرب والأكراد والأتراك فآن الأوان لكي يحكم العالم الإسلامي الفرس وهم خير من هؤلاء جميعًا). فالمشروع الإيراني اليوم يتحالف ويتنافس مع المشروع الغربي والصهيوني في المنطقة بالنفوذ، فقد تجاوزت إيران خطر المواجهة المصيرية مع الغرب بشأن الملف النووي.

أما المشروع التركي فيعتمد على القوة الناعمة، بقوة الاقتصاد، والسلوك السياسي، والنفوذ وإقامة علاقات مع قوى الإسلام السياسي في المنطقة، مع العلم أن قوى الإسلام السياسي لها مشروعها الخاص والذي يتناقض مع كل المشاريع، عدا المشروع التركي الذي قد يتفق معه كما أنه لا يعارضه. فمشروع قوى الإسلام السياسي يتفاعل في المنطقة بطريقة غير منظمة وغير موجهة، لكنه قادر على الفعل ومن الصعب مواجهته ومن الصعب القضاء عليه ومن الصعب نجاحه.

إن تلك المشاريع الخارجية وأهدافها من جهة، وهاجس التغييب والقمع الذي طال الهويات الفرعية في ظل نظم الاستبداد من جهة أخرى؛ قد تسبب بأكبر أزمة في تاريخ المنطقة الحديث؛ فقد حفز الهويات الفرعية على المطالبة بحقوقها وحمايتها من الضياع عن طريق إبراز لهوياتها الفرعية، لأنهم يدركون أن ضياع الهوية يعني ضياع الحقوق؛ لذا يقومون بحماية الهوية من أجل حفظ الحقوق.

 

إن ما ترتب على ذلك من آثار شكل ملامح الدول أو الكيانات المستقبلية في المنطقة، فحفظ الهوية يعني جيش خاص غير نظامي يحمي الهوية، وتحديد حدود سياسية وديمغرافية لكل مكون، وانكفاء على الذات مع التفكير بمصالح أنانية ضيقة؛ مما سيؤدي إلى تنافس حاد بين الهويات بسبب تداخل الخرائط الديمغرافية مع الخرائط النفطية والموارد في المنطقة واستغلالها خارجيًّا، ناهيك على وجود التطرف لدى جميع الأطراف.

لقد مضى على اتفاقية الحدود القديمة “سايكس بيكو” ما يقرب من مئة عام، وسيكون عام 2016م هو الذكرى المئوية لاتفاقية التقسيم، كما سيكون بعده بعام الموعد الذي حدده الرئيس أوباما للقضاء على “داعش” وهو ليس مصادفة عابرة، بل يجب الوقوف عليها طويلًا خاصة وأن الكونجرس الأمريكي قد سن قانونًا يسمح بالتعامل مع السنة والأكراد في العراق كدول وبعيدًا عن السلطة في بغداد؛ وهذا سيمنحهم الشرعية والتعامل مع الخارج وبعيدًا عن المؤسسات الرسمية، فما وصلت إليه المنطقة هو نتيجة طبيعية لتطرف هوية على أخرى، فاليهودي تطرف على العربي، وتطرف الشيعي والعلوي (بإرهاب الدولة) على السني، ومن ثم تطرف “داعش” على الجميع الكردي والشيعي والسني والهويات الأخرى.

أخيرًا وعلى ما يبدو أنه ومنذ إيجاد الكيان الصهيوني في المنطقة، الذي ليس لديه حدود مرسومة على الخارطة السياسية، بل هي مفترضة من النيل إلى الفرات؛ قد تسببت بالصراع العربي– الإسرائيلي في المنطقة، وهذه هي الغاية من وجوده، فهذا المرض انتقل إلى الهويات الفرعية في المنطقة؛ لتدخل المنطقة حالة من الصراع المستمر هي أيضًا، إلى أن تُرسم حدود المنطقة باتفاقية جديدة، ولكن هذه المرة ستُرسم بالنفط والدم وليس بالحبر، وبالحدود الديمغرافية للهويات الفرعية، والحدود النفطية للشركات الكبرى بدلًا من خرائط قوى الاستعمار التقليدي، خاصة مع انسجام المصالح الأمريكية والصهيونية والنفطية للشركات الكبرى مع بعضها البعض من جهة، ومع الهويات الفرعية من جهة أخرى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد