بعد أن بحثنا عن اثنين من اليعاقبة “يعقوب بن كلس” في القرن العاشر الميلادي و”الطبيب يعقوب” في القرن الخامس عشر الميلادي ها نحن نصل إلى ثالثهم وآخرهم وأكثرهم جدلًا لبعض الأسباب منها حداثة التاريخ واقترابه من وقتنا الحاضر، وهو القرن الثامن عشر الميلادي والاختلاف الشديد على شخصيته.

هل كان خائنًا وأداة في يد الحملة الفرنسية، أم كان يريد لوطنه الخلاص من حكم المماليك والعثمانيين فكان بذلك أول القوميين في التاريخ الحديث، سأبدأ بنبذة مختصرة عن قصة حياته متفق عليها جدًا قبل أن أشرع في التحليل المختلف عليه وبشدة:

هو المعلم أو الجنرال يعقوب:

قبطي ولد ونشأ في صعيد مصر وبالتحديد في مركز “ملوي”، تعلم مبادئ القراءة والكتابة والحسابات فتوسط له والده للعمل لدى أحد الكتبة الأقباط الذي كان يعمل في جباية الضرائب لصالح أحد كبار الأمراء المماليك.

وعندما أعلن علي بك الكبير الاستقلال بحكم مصر عن الدولة العثمانية، زاد استخدام المماليك للأقباط في الحسابات لاتساع الأملاك بعد الاستقلال فعمل يعقوب في خدمة أحد كبار مساعدي علي بك الكبير، وهو سليمان بك.

وبدأت حالته المادية منذ ذلك الحين في صعود مستمر حتى أصبح من أغنى أغنياء الأقباط وواجهة من واجهاتهم، لم يقف تميزه عند هذا فحسب فقد تعدى إلى إتقانه ركوب الخيل والضرب بالسيف رغم أنه كان ممنوع على المصريين بشكل عام ركوب الخيل سواء المسلمين منهم أو الأقباط واقتصاره على العسكريين من الأتراك والمماليك.

وفور قدوم الحملة الفرنسية للقطر المصري تم التعاون بينه وبين قادتها، وذلك بكتابة تقارير لهم عن إيراد كل إقليم من الأقاليم المصرية، ثم الاستعانة به في مساعدة الفرنسيين بقيادة الجنرال ديزييه في حملتهم علي الصعيد (مسقط رأسه)، وساهم في إنشاء وقيادة الفيلق المسمى بــ(القبطي) لإخماد ثورات القاهرة مع القوات الفرنسية وبنائه قلعه خاصة به في نواحي وسط القاهرة خلف الجامع الأحمر، وبعد الاتفاق بين الإنجليز والعثمانيين من جانب والفرنسيين من جانب آخر انسحبت القوات الفرنسية من مصر ورافقهم المعلم يعقوب على متن أحد البواخر الإنجليزية ومرض بعد يومين من إقلاعها بمرض مفاجئ، ثم مات بعدها بأربعة أيام قبل أن يحتفظ به قبطان السفينة في إحدى أوعية النبيذ حتى وصلت السفينة إلى مارسيليا، فدفن هناك.
هنا تنتهي الأحداث المتوافق عليها بين المصادر المختلفة، ونبدأ التحليل:
جاءت الحملة الفرنسية في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي وبالتحديد عام 1798م، ورغم أنها تجاوزت الثلاث سنوات بقليل إلا أنه كان لها وقع الصدمة أو الصحوة، سمها ما شئت.

ما علاقة هذا بيعقوبنا؟

لما دخلت القوات الفرنسية القاهرة؟ كان لا بد لها من رجال من أهل البلد تعتمد عليهم في معرفة خباياها فتقدم لهم بعض المصريين على رأسهم يعقوب الذي لم يمدهم فقط بالمعلومات، بل رافق قواتهم بنفسه في حملة على صعيد مصر لانتزاعها من أيدي “مراد بك” قبل أن يتصالح هذا الأخير مع القوات الفرنسية ويتم تثبيته على صعيد مصر مقابل مبلغ يؤديه للفرنسيين.

وكافأ الفرنسيون يعقوب بإعطائه الألقاب العسكرية وسيف معركة عين القوصية التي أبلى فيها بلاءً حسنًا.

(1)- ولماذا لا يكون المعلم يعقوب رجلًا وطنيًّا حقًّا وصاحب مشروع استقلال واستغل الفرنسيين لتحقيق هذا المشروع وتحرير مصر من حكم المماليك والعثمانيين على السواء؟

والإجابة هي لا أظن ذلك لعدة أسباب:-

1 – كيف لرجل خدم المماليك حتى قارب الثلاثة والخمسين من عمره أن يكتشف فجأة أن لديه شعورًا قوميًّا فضلًا عن مشروع متكامل في هذا السياق.

إذن لماذا حارب ضمن قوات علي بك الكبير ضد العثمانيين فضلًا عن مدهم بالأموال ثم الانقلاب عليهم والاتحاد مع الفرنسيين ضدهم، فهل شعر باستبداد المماليك على نحو مفاجئ بمجرد دخول الفرنسيين مصر.

ودعنا نتساءل ماذا كان سيحدث إن لم تأتِ الحملة الفرنسية هل كان سيظل في خدمة المماليك أم كان سينتظر الفرصة المواتية للإطاحة بهم؟!!

2- كان يعقوب متعسفًا في جمع الأموال والضرائب من الأقباط أنفسهم وذلك لصالح المماليك مما دعا الأقباط لشكايته لدى الكنيسة وهذا ثابت في موسوعة (تاريخ الأمة القبطية ليعقوب نخلة روفيله).

3- قيادته للفيلق القبطي الذي جمع الأقباط من صعيد مصر، وضم بعض أصحاب السوابق من المسلمين وإثارته الذعر بين العامة وتصدره المشهد بجانب الفرنسيين ضد المصريين في ثورتي القاهرة مستخدمًا قوات الفيلق المذكورة في استخدام أقسى أنواع العنف ضد الثائرين، فكيف سيوحدهم بعد ذلك في المشروع القومي الذي من شأنه توحيد المسلمين والأقباط تحت رايته، وهو الذي انعزل مع الفرنسيين فيما يشبه القلعة حماية لنفسه من غضب العامة.

4- حرمانه من التناول في الكنيسة ( إحدى الشعائر المسيحية) لسلوكه الشاذ في بعض المواقف منها دخوله الكنيسة في إحدى المرات وإصراره على التناول وهو فوق حصانه؛ مما أغضب البطريرك، إلى جانب زواجه بعد وفاة زوجته الأولى من امرأة من الشام من غير ملته بالإضافة لاتحاده مع الفرنسيين الذين يمثلون المذهب الكاثوليكي المخالف لمذهب الكنيسة المصرية كل هذه الأفعال المتقدمة لا تجعله ممثلًا لمطالب الأقباط.

5– فراره مع الفرنسيين فور انسحابهم من مصر هروبًا من غضب العامة رغم بقاء معظم الأقباط بعد الإعلان عن تأمين كل من أراد الخروج مع قوات الحملة، هل مثل هذا الرجل الذي بادر بالفرار من بلده من المتصور أن تكون لديه النية للعودة مرة أخرى والحياة في هذه البلاد؟

7- المصريون بشكل عام يأنفون من أي شخص – مهما كانت ديانته- يقوم بالتعاون مع أي محتل أجنبي فمما ذكر في “تاريخ الجبرتي” أن الشعب هاج وتطاول على شيوخ الأزهر كالشيخ السادات والمهدي وغيرهم لمجرد اقتراحهم عمل هدنة ومحاولة التصالح مع الفرنسيين، ونحن نعلم مكانة شيوخ الأزهر بين المصريين التي سقطت فور التهاون مع محتل، فما بالك فيمن تعاون معهم.

8- استعانة يعقوب بشخص غير مصري لتقديم مشروع مصري قومي، وهو الفارس لاسكاريس الملطي وهو ما أراه قمة التناقض.

(2)- هل تم خداع المعلم يعقوب من قبل الفرنسيين وانطلت عليه شعاراتهم عن المساواة والحرية والإخاء؟

أكاد أجزم أن لا. وذلك لبعض الأسباب:-

1 – عندما ذهبت كتيبة من الجيش الفرنسي بقيادة يعقوب و”ديزييه” إلى الصعيد لمطاردة “مراد بك” المملوكي تم الاتفاق بين الطرفين على رجوع القوات الفرنسية وتثبيت “مراد بك” على الصعيد مقابل مبلغ من المال يدفع سنويًّا. ألم يفكر يعقوب وهو الداهية بأن أهم أسباب دخول الفرنسيين مصر، وهو طرد المماليك قد انتفي عمليًّا بقبولهم حكم مملوكي على نصف مساحة مصر مقابل مبلغ مالي.

فهدف الحملة إذن مادي بعيد عن شعارات تلوكها الأفواه إذن فليس هناك ثمة فارق بينهم وبين المماليك والعثمانيين.

2 – عندما خرج من مصر على ظهر الباخرة الإنجليزية اعترف لقبطانها أنه تم خداعه من قبل الفرنسيين لأنهم أوهموه بأنهم أقوى الأمم الأوروبية وأنه اكتشف الآن والآن فقط إن الإنجليز هم الأقوى على مستوى العالم!!

ألم يصله نبأ معركة أبو قير البحرية وتحطيم الأسطول الإنجليزي لنظيره الفرنسي، وهو النبأ الذي وصل لأصغر فلاح في أقاصي صعيد مصر، وهل لو كان على متن سفينة فرنسية كان سيكون له نفس الرأي والتصريح.
3- المعلم يعقوب والذي أثري على حساب المصريين فور سماعه نبأ مقتل الجنرال ديزييه في إحدى الحروب الأوروبية تبرع بثلث تكلفة النصب التذكاري التي أزمعت فرنسا إقامته للجنرال الراحل على الرغم من أنه وبشهادة الكنيسة لم يبنِ أو يرمم كنيسة واحدة رغم ثرائه الفاحش.

4- هل كان يأمل إذا ساعدته إنجلترا أو فرنسا وأرسلت معه جيش وأسطول لفتح مصر أن يستقبله المصريون استقبال الفاتحين وهو على رأس جيش محتل.

بل هل كان يتوقع أن تخرج إنجلترا أو فرنسا من مصر بعد أن تؤدي له هذه الخدمة مجانًا وتجربته مع فرنسا ما زالت ماثلة أمام عينيه.

(3)- هل كان يعقوب يمثل اتجاه الأقباط في تلك الفترة؟

والإجابة ستكون من خلال كتاب تاريخ الأمة القبطية للكاتب يعقوب نخلة روفيله بأنه كان خارج عن إجماع الأقباط المعاصرين له، ولم يكن يعيش في مستوى أغلبهم فمنذ صعد نجمه وعلا شأنه لم يعش أفراحهم وأتراحهم وظل في منأى عنهم وارتمى في أحضان الفرنسيين فور قدومهم وتفانى في خدمتهم؛ مما جعله محل انتقاد معظم الأقباط المسنين الذي قابلهم المؤرخ صاحب الكتاب المشار له سابقًا فهو من مواليد 1847 م إذن فقد عاصر كل من تعدى الستين على الأقل ونقل عنهم رأسًا.

بالإضافة إلى مخالفة وانتقاد الشخصيات العامة المسيحية ليعقوب وعلى رأسهم جرجس الجوهري الذي لم يتمادَ في خدمة الفرنسيين وبالتالي عاش في مصر وخدم في حكومة محمد علي الكبير، ومنهم ملطي القبطي ولطف الله المصري وأنطون أبو طاقية، أضف إلى موقف الكنيسة منه وموقف الكنيسة بشكل عام ضد كل من يحالف الفرنسيين لاختلاف مذاهب الفريقين بالإضافة إلى ما ذكرناه سابقًا من عدم بنائه أو ترميمه لأي كنيسة بشهادة الكنيسة.

إذن نخرج من ذلك أنه لم يكن هناك مشروع قومي خاص بالمعلم “يعقوب”، لأنه لو كان هناك مشروع استقلال فلمن سيقدم.

إلى فرنسا مثلًا؟

التي خرجت لتوها وسفنها ما زالت في عرض البحر وهو في إثرهم.

إنجلترا مثلًا؟

إنجلترا كانت وقعت على معاهدة لخروج فرنسا من مصر فليس من المنطقي أن تعود بعد شهور وطالما تم تأمين طريقها إلى مستعمرتها وخصوصًا الهند، فاحتلال مصر نفسه لم يهمها كثيرًا إلا بعد ذلك بسنوات وقت حملة فريزر أضف إلى ذلك صداقتها وقتذاك مع الدولة العثمانية الحاكم الشكلي لمصر.

(4)- إذن لماذا تم إعادة كتابة تاريخ المعلم يعقوب؟

تم تصويره لنا كبطل قومي له مشروع استقلال ذهب ليقدمه لأوروبا ليتم فرضه على مصر علمًا بأن أول إشارة تقدمه لنا كوطني ظهرت في الثلاثينيات من القرن العشرين أي بعد أكثر من مائة وثلاثين عامًا على رحيل الحملة الفرنسية؟

الإجابة تتطلب منا أن نقوم بتقسيم الكتاب الذين خاضوا في هذا الشأن إلى ثلاثة أنواع:-

أولًا: بعض الكتاب الأقباط التي غلبت عليهم العاطفة، وعانوا من تهميش الشخصية القبطية منذ دخول المسلمين والعرب مصر، فصب هؤلاء الكتاب كل مكنونات قلوبهم في شخصية الجنرال يعقوب وبالغوا في صنع هالة حوله.

ثانيًا: بعض هذه المؤلفات كتبت أيام مشروع الملك فؤاد لإعادة وجمع تاريخ الأسرة العلوية وإبرازه لفكرة القومية المصرية تماشيًّا مع الاتجاه الشديد السائد للقومية في تلك الفترة اتباعًا لنهج أتاتورك في تركيا وإظهاره لأوروبا أن جده محمد علي باشا كان منفذًا لتطلعات الشعب في استقلال مصر وعلى رأسهم الأقباط ليتملق فؤاد بذلك الأوروبيين الذين كانوا يضعونه تحت المجهر.

ومن هؤلاء الذين أرخوا في تلك الفترة الأستاذ محمد شفيق غبريال الملقب بــ”مؤرخ العائلة العلوية” والذي تفانى في إبراز دور يعقوب الوطني في كتابه الصغير “الجنرال يعقوب والفارس لاسكاريس” والذي برر فيه هروب يعقوب مع الحملة الفرنسية أنه كان يستطيع البقاء والتفاهم مع العثمانيين بعد أن أعطوه الأمان، والسؤال هنا هل يضمن العثمانيون حياة يعقوب الذي يعيش بين العامة والمماليك الذي أذلهم وخاصة أن حكم العثمانيين لمصر حكمًا شكليًّا.

ثالثًا: كتابات ظهرت في الستينيات وقت حكم عبد الناصر وخدمة لمشروعه القومي وتقربًا منه كان لا بد لتأييد هذا المشروع أن نأتي له بنموذج مسلم قديم “كصلاح الدين” الذي تحول فجأة إلى عربي يحارب من أجل القومية العربية كما تتطلب أيضًا إظهار نموذج قبطي “كالمعلم يعقوب” حارب من أجل التحرر والقومية بالإضافة إلى مسلم حديث نوعًا ما “كعرابي” ففي هذا المناخ تم تصدير صورة المعلم يعقوب لنا كقومي صاحب مشروع ويمثل هذه الفترة في الكتابة الأستاذ لويس عوض.

ملحوظة: لم أشأ الاستعانة بالاقتباس من كتاب تاريخ الجبرتي لهول ما ذكره من انتهاكات وجرائم صارخة قام بها المعلم يعقوب.

ها نحن وصلنا إلى نهاية ثلاثية يعقوب الذي اجتهدت أن يكون رأيي فيها محايدًا قدر الإمكان وأن أترك الحكم للقارئ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تاريخ الأمة القبطية للأستاذ يعقوب نخلة روفيله.
الجنرال يعقوب والفارس لاسكاريس لأستاذ محمد شفيق غبريال.
المعلم يعقوب بين الأسطورة والحقيقة لأستاذ أحمد حسين الصاوي.
تاريخ الجبرتي لعبد الرحمن الجبرتي.
عرض التعليقات
تحميل المزيد