إن تاريخ أي مجتمع حتى الآن ليس سوى تاريخ صراعات طبقية. ماركس

والثورة هي التعبير الفعلي على أن المجتمع قد وصل إلى مرحلة يصعب بل يستحيل معها أن تجدي الخطابات – ذات المصطلحات الرنانة والشعارات الفارغة من أي معنى حقيقي – نفعًا، لتكشف أيضًا عن حجم الاضطهاد الذي تمارسه الطبقة الحاكمة المضطهِدة على الطبقة المحكومة وما نتج عنه من فقر وجهل للأخيرة، وتنفجر الثورة، حاملة مطالب الشعب وأمله في القضاء على الفقر والظلم والجهل والاستغلال الذي تعانيه الطبقات المحكومة، بشعارات مختلفة تلخص هذه المطالب، مثل «عيش حرية عدالة اجتماعية» في مصر، و في لبنان «الوطن للعمال تسقط سلطة رأس المال»، ومن الجزائر «السلطة للشعب».

والعقد الأخير كان شاهدًا على الربيع العربي بموجتيه الأولى (تونس، مصر، اليمن، ليبيا، سوريا، البحرين) والثانية (السودان، الجزائر، لبنان، العراق، المغرب)، بالإضافة إلى ثورات بأماكن أخرى من العالم مثل هونج كونج ومظاهرات السترات الصفراء في فرنسا، وتشيلي، وإيران، فشعوب العالم أكثر ارتباطًا وتشابها في ظروف حياتهم لتشابه معاناتهم من الظلم، الفقر، وتفشي الفساد وقمع الدولة بجهازيها الداخلية أو العسكري إن لزم الأمر وسيطرة النظام الرأسمالي. يقول ماركس «فمع نمو البورجوازية، مع حرية التجارة مع السوق العالمية مع التماثل في الإنتاج الصناعي والأوضاع الحياتية الملائمة لذلك تزول الفواصل القومية والتناقضات بين الشعوب»

ويتجلى ذلك بصورة أكثر وضوحًا في تضامن كل ثورة مع نظيرتها في دولة أخرى، كما في هتاف «ثورة بكل البلدان» وتضامن الشعوب مع القضية الفلسطينية وحضورها في قلب الثورات. فنجاح ثورة بمثابة دعم ودرس للشعوب الأخرى في نضالها من أجل العيش والحرية، وقدرة الشعوب على التعلم من أسباب فشل الثورات الأخرى كما ظهر في هتاف الثورة السودانية «إما النصر وإما مصر» وتضامن الشعوب مع المعتقلين في دولة أخرى.

ورغم تعدد ثورات الربيع العربي، إلا أن جميعها تعاني الهزيمة، باستثناء ثورة تونس، وانتهت اما بانتصار الثورة المضادة أو وقعت في مستنقع الحرب مع النظام. وفي السطور التالية بعض المشاكل الرئيسية التي واجهتها الثورة سهلت من هزيمتها وقضاء الثورة المضادة عليها.

إرث استعماري باقي

جميع الأنظمة العربية نشأت عقب طرد المستعمر الأوروبي وجل ما عنيت به هذه الأنظمة هو توطيد حكمها وتجريف الحياة السياسية ومنع قيام مؤسسات مدنية فاعلة ومستقرة، فهي تستمد شرعيتها الوحيدة من سرقة كفاح ونضال الشعب ضد المستعمر ونسبه لنفسها، الأمر الذي ألقى بظلاله أثناء الثورة وجعل الأرض خصبة مناسبة لطرح الثورة المضادة لمسألة هوية الدولة لشق صفوف الثوار وعزلهم عن بعضهم وإثارة المشاكل بين قوى الثورة واستبدال الاستقطاب الرأسي باستقطاب أفقي مما يتيح الفرصة للثورة المضادة في ترتيب أوراقها من جديد ومن ثم البدء في عقد صفقات مع التيار الرجعي للثورة، فكلاهما معادي للثورة والميدان.

ثورة بلا قيادة ثورية

نتيجة لتجريف دولة ما بعد الاستبداد وقتلها الحياة السياسية ومنعها قيام منظمت مجتمع مدني قوية ومستقلة في البلاد  التي تحكمها تكون فكرة إنشاء حزب ثوري ينضم حوله مختلف طبقات الشعب أمر صعب إن لم يكن مستحيل، وأنتج الربيع العربي ثلاثة نماذج مختلفة في تعامله مع قيادة الثورة، فالنموذج الأول السودان ووجود أحزاب تصف نفسها بالمعارضة قبل الثورة، ولكن ما أن تحدث الثورة حتى تعجز عن لعب دورها المعارض وتظهر جانبها الرجعي فهي لا تأبه بالثورة ولا أهدافها وتعمل فقط من أجل الحفاظ على مصالحها وحماية عناصر النظام السابق دون مساس أنتهت بتقاسم السلطة مع المجلس العسكري بعد شهور من تنفيذه مجزرة 29 من رمضان. النموذج الثاني مصر: وهو التعويل على قدرة الثورة في إنتاج قيادة ثورية، انتهى بها المطاف في تصدر الإصلاحيين للثورة احتضنها المجلس العسكري وعجزت عن تحقيق أي مطلب للثورة وإحداث أي إصلاح حقيقي انتهى بوصول الإخوان المسلمين للحكم وانقلاب المجلس العسكري عليهم. أما النموذج الثالث الجزائر: غياب القيادة الثورية خوفًا من احتواء النظام للقادة واختطاف الحراك؛ الأمر الذي يقود الثورة للفشل نتيجة عدم قدرتها على بلورة أهداف واضحة ومحددة وبالتالي هزيمة الثورة.

دور القيادة الثورية ليس في تقدم الصفوف والدفاع عن المتاريس أو حتى حمل مطالب الثورة في وجه النظام فقط، ولكن في قدرته على خلق سلطة بديلة تمثل الثورة وأهدافها وضرورة أن تكون هذه القيادة من العمال وليس ومن نخبته – التي تتقلب في نعيم امتيازات النظام – وأن تكون في القلب من كل نضال وحركة في فترة ما قبل الثورات، وغياب هذه القيادة يجعل من اليسير على النظام تلميع أشخاص بعينهم وتصديرهم على أنهم رموز الثورة. إن الثورة حدث جذري بمطالب جذرية ووجود قيادة إصلاحية على رأسها بمثابة هزيمة لها، لاختزالها مطالب الثورة في الديموقراطية والانتخابات البرلمانية وتصدير مثل هذه المطالب على أنها جل مطالب الثورة، كمن يقول لجائع يكفيك من الخبز اسمه حتى تشبع.

العسكر

 في جميع ثورات الربيع العربي التي فشلت حتى الآن كانت المؤسسة العسكرية هي الحاكم الفعلي للبلاد، فمصر لم تشهد أي رئيس مدني قبل الثورة بالإضافة لجمهورية الضباط، وللسودان والجزائر تاريخ حافل من الانقلابات، أو مليشيات تحمي وترعى الطائفية كما في لبنان. وتمثل الانقلابات الحل النهائي للقضاء على الثورة وشبابها، وهي تحظى بدعم الدول الكبرى – وإن أعلنت رفضها لها علنًا للحفاظ على صورتها كحام للديمقراطية – من صفقات الأسلحة والأوسمة الشرفية.

تسليح الثورة

 واحدة من وسائل الثورة المضادة في القضاء على الثورات هي دفع الثوار لحمل السلاح وتحويل الثورة لحرب بين الشعب والنظام واستخدام الدول الاستعمارية حماية الديمقراطية حجة للتدخل عسكريًا في البلاد لحماية مصالحها كما في حالة ليبيا، واليمن، وسوريا.

إن الربيع العربي لم يكن سوى موجة سيعقبها لا محالة موجات أخرى من ثورات الشعوب من أجل الحرية والعدالة الاجتماعية وحياة كريمة للجميع وعلى كل عوامل الظلم، والاستبداد، والفقر، والقهر، والجهل. موجة لن تتعلم فقط من دروس الموجة الأولى للثورة، ولكن ستحمل على كاهلها حق للشهداء والثأر من القتلة والجلادين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد