في رحلتي للبحث عن الحب تعثرت قدماي في الشك في وجوده من الأساس، وكيف لا أشك وهو لا يأتي اسمه إلا مقرونًا بكل رذيلة ومشفوعًا باللعنات؟! كيف لا أشك وأنا أحمل على كاهلي إرثًا من المعتقدات عن الحب ومفهومه؟! وكيف لا أشك وقد نشأت في بيئة أفسدتها الشهوات فبارت الأرض وأصبحت لا تخرج إلا خبيثًا؟! كيف لا أشك وقد تفتح عقلي على أفلام ومسلسلات تصور الحب في صورة سمجة تعافها النفس، وترفضها الطبيعة السوية؟!

فكان من الطبيعي ووسط كل هذه الظروف أن أكفر بالحب، وأن أضع لنفسي فلسفة مفادها أن ما نسميه حبًّا ليس هو في الحقيقة إلا صورةً مجسدةً للمصلحة، بكل ما تحمله تلك الكلمة من معاني دونية، فالرجل يريد من المرأة أن يسكن فيها شهوته «والمرأة نفس الكلام»، ولكنه استحى من تلك العلاقة الحيوانية فغلفها بغلاف جميل أسماه الحب، ولكن اختلاف الأسماء لا يغير في الواقع شيئًا، فالمعنى واحد.

وارتاحت نفسي إلى هذا الرأي، ونمت قرير العين هادئ البال، لا تكدر صفوي أي نائبة لأني عرفت حقيقتها، وأن مردها دومًا إلى المصلحة، وما كان مرده المصلحة فلا ينبغي الانشغال به.

إلى أن وقعت الواقعة وعصفت العاصفة، وسقطت في الحب، والسقوط في الحب لا يكون إلا مروعًا.

لقد تبعثرت أفكاري كما تبعثرت حياتي بأكملها، وشعرت بأحاسيس جديدة لم أشعر بها من قبل، وأخذني الجنون إلى القيام بأشياء ما ظننت يومًا أني سأفعلها، وتغيرت أشياء في شخصيتي كنت ظننت أنها جزء من جبلتي، وفرض الحب واقعًا جديدًا على حياتي، عشت فيه كما يعيش المحبون، تذوقت شهد آماله وأنا أستمتع بجلد سياط آلامه.

وصارت فلسفتي كورقة في مهب الريح.

من منا لم يضطرب عند ذكر حبيبه، أو يتلعثم وهو ينطق اسمه؟

من منا لم يخفق قلبه تلك الخفقات الجنونية، ويجف لسانه حتى يستشعر طعم برادة الحديد في حلقه، وينسحب الدم من عروقه فلا يستطيع العقل التفكير ولا الجسد الحركة عند رؤية من يهواه؟

ذلك الصفاء الروحي حيث ترى كل ما في الوجود جميلًا. أيعقل أن يكون كل هذا وهمًا؟ أمن المنطق أن تكون كل تلك المشاعر السامية مقدمة للدونية والحيوانية؟ إنه حقًّا كلام مخبول، وفلسفة تحمل في طياتها معاول هدمها.

وسرت على غير هدى في صحراء الوهم الشاسعة حتى أنست نارًا فالتجأت إليها، لعلي آخذ منها قبسًا أو أجد على النار هدى، فتجلت لي أنوار العشق وظهرت أمامي المحبوبة كما تظهر الحورية من البحر.

وأصبحت في حضرة المحبوبة كتلميذ يتلقى من معلمه أصول العشق، وأنزلت على صحيفة أمرتني بقراءتها فقرأت:

«إن كنت تحبني لجمال يسكن في ملامحي فما هذا بحب، لأنك ستتركني بمجرد أن تجد من هي أجمل مني.

وإن كنت تحبني لعلم قد زين الله به عقلي فما هذا بحب، لأنك ستتركني بمجرد أن تجد من هي أكثر مني علمًا.

وإن كنت تحبني لأخلاق اكتسيت بها فما هذا بحب، لأنك ستتركني بمجرد أن تجد من هي أكثر التزامًا مني بالأخلاق.

وإن كنت تحبني لطباع امتزجت بها روحي فما هذا بحب، لأنك ستتركني بمجرد أن تجد من طباعها أحسن مني.

الحب هو حب الشيء لذاته، لا يبرره شيئًا، وإن حدث، فقد معناه وجوهره.

أيها المحب حافظ على قدسية الأرض التي تطأ أقدامك عليها، وإن كنت عاجزًا عن ذلك فاخرج منها بسلام، وإلا نالك منا ما تكره».

تلقيت تعاليم الحبيبة واستوعبتها جيدًا، وصارت نصوصها قواعد فلسفتي الجديدة، وعدت بعد غياب إلى الإيمان بالحب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد