يعدّ انفصال إقليم صوماليلاند عن الدولة الصومالية – والمعلن من طرف واحد – من أبرز المسائل السياسية العالقة في الصومال منذ 25 عامًا، بسبب تعقيداته الداخلية وتأثير العوامل الإقليمية والدولية الشائكة.

وفي محاولة لتفكيك الأبعاد النظرية والقانونية والسياسية لمسألة الانفصال؛ يستعرض هذا المقال دراسة مقارنة صادرة عن معهد النورديك للدراسات الأفريقية في السويد Nordiska Afrikaninstitutet بعنوان: “حق تقرير المصير والتطلعات الانفصالية في صوماليلاند وجنوب السودان؛ تحدي بناء الدولة في حقبة ما بعد الاستعمار”.

 

نظريات حول تقرير المصير

تختلف التصورات النظرية لحق تقرير المصير بدرجة كبيرة، وتتوقف على نوع القضية محل النظر؛ سواء أكانت حقوق فرد أو جماعة أو كيان عرقي أو أمة، أو حقوق اقتصادية أو سياسية، أو الحق في الحكم الذاتي، أو الاستقلال، أو حتى الاتحاد مع كيان سياسي آخر. يرتبط مفهوما تقرير المصير والانفصال في التنظير للدولة المستقلة بشكل معقد، فالانفصال يتم عادة بقطع العلاقة مع دولة موجودة على أرض الواقع وقد يتم أيضًا في حال تفكك دولة ما، ولا ينتهي كل تقرير مصير بالضرورة بالانفصال.

تختلف الأسس السياسية والقانونية والأخلاقية التي ينطلق منها تقرير المصير أيضًا باختلاف الانتماءات الأيديولوجية والسياسية الممتدة من اليساريين الماركسيين مرورًا بأصحاب النظريات الجماعية والواقعية وانتهاء بالمحافظين الليبراليين. فالنظريات الماركسية تناولت حق تقرير المصير – المتضمن حق الانفصال – من جانب الأمم المضطهدة مع التركيز على العلاقات الطبقية ومصالح العمال.

بينما أكدت النظرية الديموقراطية على الحق الديموقراطي للشعب ليحكم نفسه بنفسه ويؤسس جمعياته السياسية الحرة، واهتمت النظرية الليبرالية بحق الفرد في تحديد مصيره، في حين اهتمت النظرية الجماعية على حق تقرير المصير في إطار الجماعة والأمة. وركزت النظرية الواقعية على مبدأ سلامة أراضي الدول من التفتت، بينما ركزت نظرية العدالة الإقليمية على حق الشعوب في السيادة على أراضيها.

وثمة نظريات أقل شهرة من تلك النظريات الكلاسيكية؛ مثل نظرية المعاناة والمعالجة The theory of Suffering and Remedy، والتي تفترض أنه إذا خاض إقليم ما حرب عصابات لفترة طويلة، عانت خلالها أقلية من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان من قبل النظام الحاكم، فمن حق الإقليم إقامة دولته الخاصة والاعتراف بها من قبل المجتمع الدولي كحل علاجي للمعاناة.

في سياق نقد نظرية المعاناة والمعالجة؛ فإن هناك رأيًا يقول أن الانفصال لا يقلل دائمًا من العنف وعدم الاستقرار، بل قد يدفع انفصال إقليم عن جسد الدولة إلى مطالبة أقاليم أخرى بالانفصال، ويفتح الباب أمام معاناة جديدة تطيل أمد العنف.

جعل المنظرون العالميون Cosmopolitan theorists تقرير المصير مشروطًا؛ فالدولة الجديدة يجب أن تكون قادرة على توفير السلام والأمن واحترام حقوق الإنسان، ليس فقط لمواطنيها بل أيضًا لأولئك الذين يقبعون خارج حدودها، وبالتالي فلا بد لها من رضا واعتراف دول الجوار والمجتمع الدولي.

هناك اتجاه حديث يسمى بـ “الاتجاه الإنساني” يركز على كون تقرير المصير حقًا أساسيًا من حقوق الإنسان، وهو مغاير للاتجاه التقليدي الذي يركز على محورية الدولة في مبدأ تقرير المصير، لكنه قوبل بنقد لاذع بسبب عدم إضافته شيئًا يذكر لمشروع بناء الدولة القومية، وهو المشروع الذي ينظر إليه على نطاق واسع بأنه المشكلة الأكثر تعقيدًا في أفريقيا.

 

مفاهيم وإشكاليات

تواجه فكرة تقرير المصير تحديًا هائلًا من قبل مفهوم سيادة الدولة، والذي يُعنى بالمساواة بين الدول من حيث سلامتها الإقليمية واستقلالها السياسي. فالمطالبة بالاستقلال تعني عمليًا انتهاك السيادة وتفكيك الدولة التي تعتبر نواة المجتمع الدولي، ويكمن محل اشتغال “السيادة” في العلاقات بين الدول، وبهذا المعنى نستطيع القول أن الدولة كيان موجه خارجيًا، خاصة فيما يتعلق بشرعيتها.

وعلى الرغم من الاختلافات النظرية إلا أن مفهوم تقرير المصير إجمالًا يبدو نابعًا من “التأكيد الفلسفي على المحرك البشري لترجمة التطلعات الشعبية إلى واقع ملموس”، إلى جانب تأكيده على مسلمات المساواة الإنسانية الأصيلة.

غالبًا ما يتحدد كيان الدولة  بالمعايير التالية: الأرض، والسكان، والحكومة، والاستقلال. نظريًا؛ فإن الشعوب التي تستوفي هذه المعايير يفترض أن تحصل على الاعتراف الدولي. هذا التصور لمعايير الدولة يشتمل على بُعد ثقافي أيضًا؛ إذ يميل لافتراض أن أي مجتمع متجانس ثقافيًا يستحق تشكيل دولته المستقلة، والمطابقة بين مصالحه الثقافية والسياسية. يتمثل المنطق المعتمد هنا في حقيقة أن كثيرًا من المجتمعات المتعددة الأعراق في أفريقيا غير مستقرة بطبيعتها، وربما غير قادرة على الحفاظ على تماسك الدولة.

إذا كان الانفصال يعرف – بشكل أساسي – بأنه انسحاب سياسي من دولة قائمة، فإن الانفصال بناء على هذا التعريف يعني اقتطاع أرض من دولة وبالتالي تفككًا إقليميًا، وفي هذا السياق يبرز شرط أساسي للموافقة على أي مشروع انفصالي؛ يتجسد في موافقة الدولة المعنية بمشروع الانفصال، بالإضافة لاعتراف المجتمع الدولي لاحقًا. وتكمن التداعيات السياسية والقانونية لهذا الشرط في أنه من دون موافقة الدولة الأم على الانفصال؛ والتي ستفقد الأراضي والمواطنين؛ فإن إعلان الانفصال من طرف واحد ليس مجديًا.

الجدل المتمحور حول مفاهيم تقرير المصير والانفصال يتعلق بالقيمة العالمية للمبدأ، والذي كان في البدء مقتصرًا على مصير الدول الأوروبية فقط، ثم بعد الحرب العالمية الثانية صار الجدل يشمل مصير الشعوب الخاضعة للاستعمار الأوروبي في السعي لإنهاء الاستعمار التقليدي، وفي مرحلة ما بعد الاستعمار صار الموضوع شبه مغلق في الساحة الدولية، وخاصة في القارة الأفريقية، والتي تمّ فيها تقديس الحدود الاستعمارية والاتفاق شبه الكامل بين دولها على عدم العبث بها واعتبارها حدودًا دولية رسمية، الأمر الذي تم تكريسه في ميثاق منظمة الاتحاد الأفريقي عام 1964.

 

صوماليلاند وجنوب السودان

بعد تفكك الاتحاد السوفييتي اكتسبت ظاهرة الانفصال السياسي زخمًا عالميًا، لكنه زخم يصعب استحضاره في الحالة الأفريقية بشكل عام، وثبت أن العوامل السياسية والاقتصادية تلعب دورًا مهمًا في الانفصال الإقليمي، بالإضافة إلى الموقع الجغرافي الذي قد يسهل أو يعيق عملية الانفصال.

من أبرز العوامل المؤثرة فيما يخص حالتي صوماليلاند وجنوب السودان ما يلي:

الأساس التاريخي – القانوني

لم يكن جنوب السودان كيانًا استعماريًا منفصلًا بشكل دقيق، بالرغم من أن الإقليم حُكم بطريقة شبه مستقلة من قبل البريطانيين حتى عام 1946، واحتجّ الجنوبيون أن ذلك – ضمن عوامل أخرى – يخول الإقليم حق تقرير المصير، لكن تلك الإدارة المستقلة على أية حال كانت تعمل ضمن الحكم البريطاني – المصري للسودان والذي حل محل الحكم التركي – المصري للسودان.

اشتملت الخارطة السودانية الحديثة على إقليم جنوب السودان، وقد تم دمجه بشكل ضعيف مع باقي أجزاء السودان المستعمر بريطانيًا، ولم تنجح الدولة السودانية التي نشأت ما بعد الاستعمار في دمجه بشكل مريح لكافة الأطراف، فظل جنوب السودان مهمشًا.

إقليم صوماليلاند من ناحية أخرى كان كيانًا إقليميًا أسسه الاستعمار البريطاني بشكل منفصل عن سائر المناطق الصومالية الأخرى، وحاز على استقلاله من الاستعمار البريطاني في 26 يونيو عام 1960، وحصل على اعتراف الأمم المتحدة ككيان مستقل لخمسة أيام قبل أن يتحد مع الصومال الإيطالي.

والإقليم متجانس بشكل كامل؛ عرقيًا ولغويًا ودينيًا، وبالتالي يمكن أن يكون موقف صوماليلاند أقوى من موقف جنوب السودان بناء على قواعد القانون الدولي. وفي هذا المضمار تبرز حجة صوماليلاند القائلة أن الاتحاد مع الصومال الإيطالي كان طواعية، ما يعطي الإقليم حق الانسحاب فيما لو شكل الاتحاد عبئًا على صوماليلاند.

في قلب الإرث الاستعماري تكمن أقوى حجج صوماليلاند لتقرير المصير والانفصال؛ فالاستعمار البريطاني المحافظ كان يعتمد سياسات حكم غير مباشرة بخلاف الاستعمار الإيطالي، أدت إلى نشوء سلطات ومؤسسات تقليدية في وقت مبكر في شمال الصومال، وتشكلت خبرات متراكمة استخدمها الإقليم لاحقًا بنجاح لتحقيق الأمن، وبناء المؤسسات السياسية الوطنية، وإجراء انتخابات رئاسية (وهو أمر نادر الحدوث في القارة الأفريقية)، والدمج بين الهياكل العشائرية والسلطة السياسية، وترسيخ السلام النسبي السائد باستثناء بعض النزاعات القائمة مع الجارة الشرقية للإقليم؛ إقليم بونتلاند.

أضف إلى ذلك أن الإشارة إلى الإرث الاستعماري والتأكيد عليه وُظف أيضًا لتبرير شرعية الانفصال في مواجهة الاتفاقيات والمواثيق الدولية والإقليمية التي تحرم تغيير الحدود الاستعمارية في القارة الأفريقية، انطلاقًا من أن الإقليم كان منذ البدء كيانًا مستعمرًا منفصلًا.

 

الـهويـة

يمكن القول أن أبرز الحُجج التي جعلت مبررات انفصال جنوب السودان أقوى من تلك التي تملكها صوماليلاند تكمن في البعد العرقي والثقافي. فالمسافة العرقية والثقافية بين جنوب السودان وشماله اعتبرت كافية من قبل المجتمع الدولي لتخويل جنوب السودان بإقامة دولته الخاصة.

نظر المجتمع الدولي إلى النزاع السوداني كنزاع بين الشمال العربي المسلم والجنوب الأفريقي المسيحي – الوثني، ما أضفى على مطالب جنوب السودان الانفصالية نوعًا من “الشرعية” التي لم تظهر في الحالة الصومالية، واستخدم هذا التوصيف بقوة في الأوساط الأمريكية المحافظة التي دعمت نضال جنوب السودان للانفصال، واعتبرت أن تقسيم السودان سيكون أقل إيلامًا من معاناة لا تنتهي لإقليم مختلف عرقيًا وثقافيًا.

على النقيض من ذلك؛ فإن الصوماليين هم  أكثر الشعوب تجانسًا في القارة الأفريقية فيما يتعلق باللغة والعرق والدين والثقافة ونمط الحياة، وهذا التجانس هو الذي دفع صوماليلاند ابتداءً للاتحاد مع الصومال الإيطالي، بل إنه أجّج أحلام عموم صوماليي القرن الأفريقي بالوحدة تحت شعار “الصومال الكبير” في الستينيات والسبعينيات، وشكل تحديًا ثقافيًا وفلسفيًا وسياسيًا أمام محاولات الاعتراف بصوماليلاند كدولة مستقلة.

 

  المجتمع الدولي

تخلص الدراسة إلى أن ما يحسم نجاح أي مشروع انفصالي أفريقي هو اعتراف المجتمع الدولي وتحديدًا الأمم المتحدة بشرعيته، ذلك الاعتراف الذي ينبثق غالبًا من ستة عوامل أساسية:

  • مصالح الدول الكبرى.
  • موقف الحكومة المركزية من الانفصال.
  • التوازن العسكري بين الحكومة المركزية والأقاليم المنفصلة.
  • الأهمية الاستراتيجية للأقاليم المنفصلة.
  • الدعم الخارجي للتطلعات الانفصالية أو للحكومة المركزية.
  • الأهمية الاقتصادية للمناطق المنفصلة.

 

ففي حالة جنوب السودان كان وجود شريك محلي مستعد للتفاوض ويقبل بممارسة حق تقرير المصير ولو على مضض عاملًا مساعدًا في تسهيل عملية تقرير المصير والانفصال على النقيض من صوماليلاند، إذ لم يكن هناك شريك محلي جاهز للتفاوض حين أعلن الشمال انفصاله من طرف واحد في مايو عام 1991، في وقت كانت البلاد فيه غارقة في الحرب الأهلية إثر سقوط نظام سياد بري.

ولا توجد دولة أفريقية نشأت بعد الاستعمار بفضل القوة العسكرية المحضة دون موافقة الدولة الأم في نهاية المطاف، هذا الأمر ينطبق على الحالة الإريترية إلى جانب جنوب السودان، باعتبارهما الدولتين الأفريقيتين الوحيدتين اللتين انفصلتا عن دولة مركزية بعد الاستعمار، وقد أصر المجتمع الدولي والمنظمات الإقليمية عامة على ضرورة موافقة بقية الصومال على انفصال صوماليلاند، الأمر الذي لم يحدث.

لعبت مصالح الدول الكبرى دورًا حيويًا في تحديد نتيجة التطلعات الانفصالية في القارة الأفريقية، وقد حظي جنوب السودان بدعم الدول الكبرى وفي مقدمتها الولايات المتحدة، وأثر عاملان مهمان في دعم أمريكا لانفصال جنوب السودان في وقت مبكر، تمثل الأول في اكتشاف النفط بوفرة في جنوب السودان، والثاني في اهتمامات الأمن الجيوستراتيجية، علاوة على الضغط الذي مارسه المسيحيون المحافظون في أمريكا على البيت الأبيض لدعم مساعي جنوب السودان الانفصالية.

في حالة صوماليلاند فإن انفصال الإقليم لا يترتب عليه مصلحة واضحة للدول الكبرى، ولم ينجح الإقليم حتى الآن في إقناع دولة كبرى بالترافع عنه في المحافل الدولية، وبالنسبة لدول الجوار فإن انفصال صوماليلاند يمثل مأزقًا إقليميًا معقدًا، يجتر تاريخًا داميًا من النزاعات الحدودية والإقليمية مع الجمهورية الصومالية، كان محفزها على الجانب الصومالي السعي لتقرير مصير القومية الصومالية في منطقة القرن الأفريقي، وبالتالي فإن الاعتراف بصوماليلاند يهدد التكوين العرقي والاستقرار السياسي لمجتمعات دول الجوار.

استخدمت “نظرية المعاناة والمعالجة” في حالة جنوب السودان، للتأكيد على ضرورة إيقاف الانتهاكات طويلة الأمد والتي تعرض لها سكان الإقليم خلال حربه مع نظام الخرطوم، ورغم الغبن السياسي الذي تعرض له إقليم صوماليلاند وسياسة العقاب الجماعي التي انتهجها نظام سياد بري العسكري ضد سكان الإقليم؛ فإن تناول هذا الملف الحرج لم يخرج من إطار الأزمة السياسية الصومالية الكبرى، خاصة وأن النظام البائد استهدف مختلف المناطق والعشائر وكل من عارض بشكل مباشر أو غير مباشر مغامراته السياسية والعسكرية غير المحسوبة.

 

خلاصة القول؛ نظريًا يقر الميثاق الدولي للأمم المتحدة أن جميع الشعوب تمتلك حق تقرير مصيرها، لكن عمليًا فإن ما يحدد نتيجة التطلعات الانفصالية في أفريقيا هو أكثر تعقيدًا من مثاليات التنظير السياسي والحقوقي. فرغم نجاح صوماليلاند النسبي في الحفاظ على المعايير العامة للدولة في الوقت الذي تعرضت فيه دولة جنوب السودان المعترف بها دوليًا لحروب داخلية خطيرة، فإن ذلك لا يكفي لإثبات شرعية مساعي صوماليلاند الانفصالية، ليس من وجهة نظر صوماليي المناطق الأخرى فحسب، بل أيضًا من وجهة نظر القوى الإقليمية والدولية.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد