رجالٌ عُزَّب ونساء عوانس، أعداد استفحلت نِسبها  في الأوطان العربية، وإننا نسلط الضوء بهذا الحرف على الصنف منهم الذي توافرت له شروط الزواج وإمكانياتِه، ورغم ذلك آثروا أن يبقوا رجالًا عزَّب، ونساء عوانس، وكل منهم قد اتخذ لنفسه عوائق فآمن بها، يقينًا منهم أنها خليقة بأن يبقوا إثرها عُزابًا.

وإني لرأيت من العوائق التي نصبها بعض الرجال لأنفُسِهم ممن استطاع الباءة منهم أن يتزوَّجًوا، وكذلك النفر من النسوة اللواتي لا زِلن يختلِف عليهن الخُطاب في خدورهن فيَقبِضن عليهم بيد الرِّضى، هي ذريعة أنهم لم يجدوا بعدُ الزوج الذي يفهم الواحِد منهم.

وكأن لسان حال الفردِ منهم أثناء بحثه ذاك، ينشدُ النوعَ من الإنسِ الذي خُلِقَ مجبولًا على ملاءمة الشاذِّ من طِباعِه، والذي عدَّله الله له من غرائزه ما يُواتي الغريبَ من شِيمِه، كما ينبش الشاري بين سِلعِ الإسكافي أي نعلٍ يلائم مقياسِ حذائه، وبين أثوابِ الخياط أي قميصٍ يواتي مسافة بين أكتافِه.

وإن وجَّهت سؤالًا للباحِث من هؤلاء: أهل سبقك سالِكٌ سلك هذا المسلك قبلك، فظفِر منه بما تسعى أنت أن تظفره به منه؟ ألا تكون في إقدامك هذا كمن يلفظ أنفاسه لحاقًا بوهم السرابِ في بساط الصحراء؟

فإنه يحمل سبابته مِشيرًا بها إلى خِيَمٍ قد أنعم الله على أصحابِها بعُمرانِ الدار، واستأناس خواطر أهلِها ببعضها، ورفاء الذرية، قائلًا: دونك فلانٌ وفُلان.. فإنهم لم يُكمل القمر على رغدهم رحلات كسوفه دوراتٍ عداد، إلا لأن الزوج منهم ظفر بالزوجِ الذي يفهمه!

وإن المستبصِر المتأمِّل المُحنك، لا يُخفى عليه أن رباط شخصين، أكانا ذكرين أو أنثيين، زوجينِ أو خليلين، لم تنجع في فكِّه عثرات الغوائل، ولا في قصِّه مَطَبَّات المَتربة، ولم تُفلِح في قضقضة صرْحِه زلازل النكبات، فإن فضل ذلك لم يكن فيه لحُسن التفاهُم وتوافُقِه لا يدٌّ ولا أصبع، بل هذه ومثلهُن أول ما يُنصَهر عن صاحبه في أو خلبة من خلباتِ الدهر، انصهار الجليد عن جبله أمام أول طلة من طلات الشمس، بل الفضل كله في أن واحِدًا منهم كان أكثر صبرًا من الآخَر، أو أحدهم أقدرُ على الاكتساء بردائه السامي حينما يُنزَع عن الآخر.

فإني لا أدعو الباحث منهم أن يبحث عن الزوج الصابر، فأنى له أن يجده من الاستكشاف الخفيف والتصفُّح العابر! لأن الصبر في النفوس بمنزلة الجواهر في قاع المحيطات، لا يُهتدى إليها إلا أن تغوص في ظلماتها وتنبش عن تربتها وتزعج ساكنيها، بل أدعوه أولًا قبل أن ينفد بالأسباب أن يتزوج، أن يفهم الإنسان.

أن يفهم الإنسان، ليجده ليس بأبعدِ طبع ٍ من طبائع المناخ، فيُعَوِّد نفسه ويُمرِّنها على تحمل تقلباتِه التي لا تُرسل إنذارً، ولا تبعث إعذارً، فالذي يتحمل الحر بزفراته، والبرد بتنهداته، والشتاء في شحِّه، والخريف في إسفافه هو الذي سيتحمل الإنسان في غضبه وسخطه، وفي قبضه وبسطه.

الذي قرر في قرارة نفسه أن يسكن إلى إنسان، فعليه أن يتعهدها في قرارتها أن يتحمَّله بطبائعه التي لا ترسل إنذارًا، ولا تبعث إعذارًا، فالزوج لا يُبحث عنه بالمقاييس، كما يُبحث عن العنوان بين الكراريس.

وكم من باحث منهم أثناء بحثه اكتفى بالنتائج التي يخلص إليها نهاية كل بحث، فغني بها عن الغاية التي كان يبحث من أجلها، حتى تسرب منه العمر تسرب الخيط من جرارته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد