إسرائيل تفقد صدق الرواية الإعلامية فيما يتعلق بتسلل إحدى قواتها الخاصة داخل قطاع غزة خاصة بعد الفشل الذي مُنيت به جراء انكشاف القوة ومطاردة المقاومة لها وتدخل سلاح الجو للتغطية على الحدث الأمني.

فمنذ بداية العملية والإعلام العبري يستقي أخباره من الإعلام الفلسطيني؛ ما يدلل على عدم معرفته بمجريات الأحداث الدائرة، لكن الخبر الأول الذي أدلاه ولم تذكره وسائل الإعلام الفلسطينية كان يدور حول محاولة اختطاف فاشلة لأحد قادة القسام جنوب قطاع غزة، وكأن الاعلام العبري يريد جرف التفكير إلى ناحية أخرى؛ لمحاولة الابتعاد عن عين الحقيقة التي نراها واضحة في إصرار طائراته على تدمير المركبة التي كانت تستقلها القوة الخاصة والتي حوت بداخلها أجهزة اتصالات، وبذلك تعود البوصلة لتنكشف الرؤية.

ربما راهنت قوات الاحتلال على تقاعس الفلسطينيين في غزة وإرخائهم لسلاحهم خاصة مع المنحة القطرية الأخيرة والتحسن الواضح في وضع الكهرباء، الأمر الذي شجعها على التسلل والمباشرة بالعملية، لكن ما قامت به المقاومة في المنطقة الجنوبية من قطاع غزة كان دليلًا واضحًا على وعي المقاومة واستعدادها وملازمة ثغورها بالرغم من كل الحوارات السياسية الدائرة لتحسين الوضع الراهن في غزة وقتها.

يأتي هذا الحدث الأمني بعد أيام قليلة من الذكرى السنوية لقصف قوات الاحتلال نفقًا للمقاومة في ذات المنطقة واحتجاز جثامين الشهداء حتى اللحظة، حيث كانت حجة الاحتلال في ذلك الوقت أن القصف وقع على أراضيها، وليس داخل حدود القطاع، في الوقت الذي توعدت فيه المقاومة بالرد، أما الآن فالمعادلة تختلف ولا حجة للاحتلال يمكن أن تبرر ما قام به.

أعقب ذلك الحدث الأمني الصاخب ليلة حذرة من الطرفين، فالمقاومة لم ترد إلا ببيانين صحفيين ذكرت فيهما تفاصيل ما حدث، فيما طالب الاحتلال سكان غلاف غزة باللجوء للملاجئ خوفًا من ردة الفعل مع تعليقه للدوام المدرسي خوفًا من ردة الفعل.

وبما أن قوات الاحتلال طرقت الباب بغجريتها المعهودة فيجب عليها أن تسمع جواب المقاومة من خلال غرفة العمليات المشتركة التي شكلتها لتقييم الموقف ودراسة حيثيات الرد.

وبدأت موجة من التصعيد قامت قوات الاحتلال من خلالها بالكشف عن بنك أهدافها النوعي من خلال استهدافها للمؤسسات الإعلامية بـ13 صاروخًا ومبان سكنية.

وبدأت التراشقات الصاروخية ندًا بند، فقد أرسلت غرفة المقاومة المشتركة رسالة نوعية لجيش الاحتلال عبر صاروخ كورنيت استهدف حافلة جند بشكل مباشر، بعد أن انتظرت المقاومة نزول الجنود منها وقصفها وفي ذلك رسالة.

كان من بين الرسائل التي احتواها الفيديو المصور لعملية الاستهداف:

الصاروخ الموجه الذي استخدمته المقاومة في الاستهداف يدلل على بعض ما تخبئه للرد على أي عدوان على غزة.

نوعية الأهداف التي هي تحت مرمى نيران المقاومة في حال التصعيد.

المقاومة تملك القدرة على استهداف الجنود وأكثر من ذلك فلا تجربوا غضبها.

إن كان بنك أهدافكم منشآت سكنية فبنك أهدافنا جنود وأكثر من ذلك.

ويبدو أن الاحتلال يعيد حساباته بعد نشر الفيديو فالوضع المحموم قبل النشر بات أقل جنونًا بعده، وكأن الاحتلال في حالة صدمة أو أنه يعيد حساباته من جديد فيما يتعلق بالتهدئة والتصعيد، خاصة مع التغريدة التي نشرها الناطق الإعلامي باسم كتائب القسام (أبي عبيدة) معلنًا أن عسقلان في مرمى المقاومة ومليون مستوطن كذلك، معقبًا بتغريدة أخرى يؤكد فيها على دخول بلدات أخرى لمرمى الاستهداف طالما تمادى الاحتلال.

هي ليلة كشفت عُري الاحتلال بقيادته أمام استعدادات المقاومة بإثارته للوضع من البداية، وببنك أهدافه الهزيل، وعدم دراسته جيدًا لردة الفعل في غزة، الأمر الذي حمل صورة مغايرة لكل استهداف سابق، حيث ظهرت إلى الساحة مصطلحات استعملها الإعلام العبري لأول مرة منذ بدء الصراع الوجودي مثل: انتشال جثة من تحت الأنقاض، وصول حالة خطرة للمستشفى، وأضرار كبيرة في منازل المستوطنين في غلاف غزة ومصطلحات كثيرة أخرى من ذات السياق.

كل تلك المصطلحات كانت حصرية على الإعلام الفلسطيني في وصف المشهد القائم، لكن بفضل المقاومة بات الآن تغريرًا كبيرًا في المشهد، فقد تغيرت الإسقاطات والمصطلحات وأصبحت الرسالة قصف مبانِ سكنية يقابله قصف لمبانِ سكنية كذلك.

ومن الأمور غير المألوفة التي حملها التصعيد تسارع العديد من الدول لتهدئة الأوضاع في غزة كون المتألم الآن هو الجيش الذي لا يقهر والطفل المدلل عالميًا بخلاف العادة.

وبعد ست ساعات متواصلة لاجتماع الكابينت واتصالات خارجية تسعى لتهدئة الوضع، بعد الانصدام من ردة فعل المقاومة بدأ الحديث عن تهدئة، لكن أبعادها لم تتضح بعد فما زالت الصواريخ محشوة والمقاومة مستنفرة لحفظ أمن القطاع والبادئ أظلم.

كل تلك الأحداث تأتي في أوج حملة التطبيع التي تقوم بها بعض الحكومات العربية من خلال استقبال لوفود صهيونية ومشاركة مباريات ورياضات مع فرق صهيونية بشكل علني ومباشر بخلاف ما كان تحت الطاولة سابقًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد