طبيعة الشريعة الإسلامية تتفق مع طبيعة الإنسان العادية من حيث إحتياجاته الفسيولوجية أو الحياتية المستمرة.

الإنسان في حياته يحتاج إلى نظام يتفق مع رغباته العقلية والغريزية، بحيث لا يجور عليه غيره ولا يبغي هو على الآخرين، والشريعة الإسلامية حفظت هذا الشعور النقي في الإنسان؛ فجاءت متكاملة لتنير حياته كلها بنظام الخير والوحدة والسعادة.

فلو نظرنا إلى الجهاد في الإسلام وجدناه يحمل صور الخير للفرد والمجتمع، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جهاد، وبر الوالدين جهاد، ومخالفة الهوى المنحرف جهاد، وزجر المعتدين على المسالمين جهاد، وطلب العلم جهاد، ومساعدة الضعفاء جهاد… إلى آخره. كل هذه الصور تحمل الخير والسلامة للفرد والمجتمع معًا.

ومن لا يفرق بين الجهاد والقتال فهو مخطئ؛ فالقتال نوع من أنواع الجهاد وليس هو كل الجهاد. والقتال في الإسلام دفاعي لرد الاعتداء، وهو قائم على قاعدة قرآنية عظيمة: «وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إنه لا يحب المعتدين».

هذه الآية تبين لنا معنى القتال في سبيل الله.

إذا فلماذا قامت الغزوات والسرايا؟

يمكننا أن نقول بأن هناك فهم خاطئ عن الجهاد في الإسلام؛ فالبعض يظن أن الجهاد الإسلامي هو اعتداء على المسالمين من غير المسلمين حتى يسلموا!

وهذا خطأ، وللتوضيح نقول:

أولاً: الغزوة كانت بقيادة النبي، وعددها 28 غزوة، قام القتال في تسع غزوات فقط، و19 غزوة حققت أهدافها بدون قتال، واستغرق النبي محمد في جميع غزواته سبع سنين من بعد الهجرة، وأول غزوة كانت «وادَّان» وآخرهم كانت «تبوك»، الغزوة الأولى كانت في السنة الـ2هـ، والغزوة الأخيرة كانت في السنة التاسعة للهجرة.

ثانيًا: السَّرايا كانت بقيادة الصحابة، وعددها 47 سريَّة، واستغرقت هذه السرايا تسع سنين، وعدد قاداتها 37 منهم من قام بسرية واحدة ومنهم من قام بأكثر من سرية.

النبي -صلى الله عليه وسلم- مأمور بتبليغ الإسلام لكل الناس، فكان يبعث إلى البلاد من يُـبلّـغ أهلها من المؤمنين. لكن هناك من وقف سدًا أمام الرسل، لا يريدونهم أن يبلغوا الدعوة للناس، وقاموا بمحاربتهم وآذوهم، فقامت الغزوات والسرايا لدفع هذا الاعتداء وإفساح الطريق أمام الدعوة لتصل لكل الناس. فهل نسمي هذا ظلمًا؟

إن لأي إنسان الحق في الدفاع عن نفسه إذا اعتدى عليه أحد، فكيف بالاعتداء على الرسالة المنزلة من الله لتصل لعباده!

مع أن هذه الغزوات والسرايا كان القتلى من المسلمين والمشركين معًا أقل من ألفي قتيل، لأن المسلمين يحافظون على الدماء -قدر الإمكان- ويعرفون قدرها.

فهل فعلت ذلك الحرب العالمية الأولى أو الثانية؟

حتى في هذه الحرب التي يـعلنها الإسلام على المعتدين، يلبث أعلى صورة للأخلاق والرحمة، فقد كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- إِذَا بَعَثَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَمَرَهُ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى، وَمَنْ مَعَهُ وَالْمُسْلِمِينَ خَيْرًا، ثُمَّ قَالَ: «اغْزُوا بِاسْمِ اللَّهِ فَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ، لِتَغْزُوا وَلا تَغْلُوا وَلا تَغْدُرُوا وَلا تُمَثِّلُوا وَلا تَقْتُلُوا وَلِيدًا».

وهذا أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- وهو خليفة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وقف في جيش أسامة خطيبًا فقال: «أيها الناس، أوصيكم بعشر فاحفظوها عني: لا تخونوا، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلًا صغيرًا ولا شيخًا كبيرًا ولا امرأة، ولا تعقروا نخلًا ولا تحرقوه ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرًا إلا لمأكلة، وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع، فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له».

وعندما هـزم المسلمون أعدائهم قال الرسول لهم: ما تقولون وما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: نقول: ابن أخ، وابن عم، حليم، رحيم. فقال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: أقول كما قال يوسف: (لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين). فخرجوا كأنما نشروا من القبور، فدخلوا في الإسلام.

والإسلام مع المتهمين يقول: (فكوا العاني، وأطعموا الجائع، وعُودوا المريض)، العاني: أي الأسير.

هذه هي أخلاق الإسلام مع المعتدين.. فكيف يكون مع أهله المسالمين؟!

والجزية في الإسلام للحماية والمنعة، وليست للقهر والغلبة، ولذلك رد خالد ابن الوليد على أهل حمص أموالهم وقال لهم: إنّـا قد أخذنا منكم الأموال على أن نحميكم، ونحن الآن عاجزون عن حمايتكم؛ فهذه أموالكم نردها إليكم. فالجزية كالضريبة التي يدفعها كل مواطن للدولة، والصِغار في الآية معناه: الخضوع والالتزام لأوامر الدولة.

وإذا جئنا إلى ما حرمه الإسلام على أتباعه نكاد نجزم أنه حرم كل ما يؤذي الإنسان ويقلل من إنسانيته، قال تعالى: «قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۖ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ۖ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ۖ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ۖ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ۖ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۖ وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۖ وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ».

ولو نظرنا إلى المرأة نجد أنها كانت مُهانة قبل الإسلام وغير مصونة، فجاء الإسلام فأعلى من قيمتها وحررها من القيود التي تقيدها، قال الإسلام عنها: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾، ﴿أنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾، ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾، ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ إلى آخِر الآية: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾.

وقال رسول الإسلام أيضًا: (أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وخياركم لنسائهم)، (إنما النساء شقائق الرجال)، (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي، ما أكرم النساء إلا كريم، ولا أهانهن إلا لئيم)، (لا يَفُرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقا رضي منها آخر) ومعنى لا يفرك مؤمن مؤمنة أي: لا يبغضها، لأنه يتنافى مع حسن العشرة . وقال أيضًا: (إنما النساء شقائق الرجال).

كما أنه في الميراث تأخذ نصف الرجل في أربع حالات فقط، وتأخذ في ثلاثين حالة أكثر من الرجل أو ترث ولا يرث الرجل.. والرجال مكلفون بالنفقة على النساء. فهل هناك اهتمام بالمرأة كهذا في غير الإسلام؟

ولما كانت المعرفة هي العنصر الأساسي لقيام الحضارة وارتقائها، أمر الإسلام بها وبيّن أنه لا بد أن تكون هذه المعرفة معرفة صحيحة هادفة، ولا بد أن تقوم على أساس سليم، وهذا الأساس السليم هو الذي يضبط معرفتنا وتفكيرنا فلا نحيد في المعرفة عن الصواب ولا ندعي مُحالا، ولا نفتخر برذيلة أو نتمناها، ولأجل هذا فلا بد من استحضار وجهة السير قبل الشروع في أي عمل.

ولذلك كانت الحضارة الإسلامية أعظم الحضارات وأقواها حينما وجدت، وذلك لوجود الاعتقاد الصحيح الذي سار عليه المسلمون في حياتهم آنفا.

يتبع..

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

إسلام, شريعة
عرض التعليقات
تحميل المزيد