عصب مشدود ونتيجة صفر

في واحدة من محاولاتي للتنقل بين المقالات على الموقع الألكترونية، والتي عادة ما تنجح في قطف ما أشتهي من المعرفة، قرأت بعض التقارير الدولية التي أجمعت على أن المعرفة قوة، وأن الحياة في الوقت الراهن لا تعتمد إلا على أربعة أركان مهمة، هي: تعلم لتكون، تعلم لتعرف، تعلم لتعيش، تعلم لتعمل.

وبمقاربة عقلية صامتة مع الذات، سألت نفسي: هل هذا ما يتم في مجتمعنا؟ هل استثمرنا الفرصة التي أصبحت متاحة لنا بعد أن كان ينظر للتعليم العالي من منظور نخبوي، وأصبح ينظر له من منظوري جماهيري حق الاستثمار؟ هل الحصول على الشهادة الجامعية أصبح مرهونًا بالدرجات العليا واجتياز الامتحانات؟ هل الحصول على الدرجة العلمية أصبح صكًا لدخول سوق العمل؟

كلها وأكثر أسئلة بدأت تقدح الظن في رأسي، وفي إجابة بسيطة بعد كل ما حدث توصلت إلى نتيجة مفادها: نحن لسنا بخير! وبدليل واحد على استنتاجي قلت: أيًا كانت مساوئ ورداءة أداء مؤسسات التعليم العالي، فإننا لم نفلح في توريث الخريجين ثقافة التسويق للذات من خلال التدريب على كيف يكونون، كيف يعملون وكيف يعرفون، وكيف يشاركون في نهضة المجتمع وتقدمه، بدلًا عن أن يكونوا زيادة فيه، يحمّلون فيه وزرهم لما بعدهم أو قبلهم.

إن جنّبت المؤسسة التربوية العليا والقائمين عليها المسؤولية، وأعفيتهم من التقصير فلن أكون من المنصفين، ولكن هناك دورًا كبيرًا على ما من ارتضى لنفسه أن يكون من النخبة بالدخول إلى مجال التأهيل، وأن يكون عنصرًا فاعلًا في مجتمع لا يقبل الضعفاء.

انهض بنفسك.. وأنت لست صخرة!

على الأقل لا تقرأ لغرض اجتياز الامتحان فقط، بل اقرأ لتعرف.. لا تنظر للكتاب الجامعي على أنه قيمة معرفية مؤقتة، بل عنصر من عناصر التراكم المعرفي، فدورك سيبدأ بعد التخرج مباشرة، خاصة بعد أن تحول الاقتصاد العالمي من الاستثمار في الصناعة إلى الاستثمار في المعرفة، وإلى تغيير نمط الإنتاج من السلع الكبيرة إلى السلع المتغيرة لملاحقة أذواق المستهلكين.

وعليه فقد أصبح دورك الآن – على الأقل – إن لم يحالفك الحظ في العمل بشهادتك أن تغير مفهوم المسار الوظيفي من معنى (المهنة) إلى معنى كيف وماذا سأعمل؟

فما بين الحيادية والتأثير بات القلق الذي يستولي على أعصاب العالم من أصل الحتميات التكنولوجية، وسرعة توالي التغيرات الاجتماعية المترتبة عليها، والتي لا تدع للبشرية وقتًا للاستقرار، ولا تدع للنفس فرصة للتكيف والتذوق للوضع الجديد.

وبالتالي فإن حاجات الجامعات وارتفاع متطلبات الإنفاق، وارتفاع سقف التوقعات منها لمواكبة هذا التطور السريع، أدخلها في وضع مربك بين حقوقها وواجباتها، وضرورة مواجهة الطلب الجماهيري عليها والمحافظة على الجودة في آن واحد.

لكن الحقيقة الموجعة أظهرت أن أنصار المدرسة النفعية قد ساوموا على الرسالة الاجتماعية والثقافية للجامعات، وسوروها في عملية التدريس، وتخريج النسخ المكررة من الخريجين، الأمر الذي أدى إلى أن أصبح رأس المال المادي هو المتغير المستقل، والاستثمار في العنصر البشري وخدمة المجتمع متغيرًا تابعًا.

ولما كانت هناك فوارق بين الاستثمار في التعليم والإنفاق عليه، كان من الواجب على الطلبة النظر للجامعة على أنها مرفأ للتزود بأكبر قدر ممكن من المعارف، والتدرب على البحث العلمي، وعلى أسلوب حل المشكلات، وليست ممرًا آمنًا قد يؤهلهم للالتحاق بعمل ما قد لا يرضي طموحهم في أغلب الأحيان، ولأن الثورة التكنولوجية في العالم الصناعي الآن تتطلب ضرورة ترقية المعلومات والمهارات والتركيز على الدوافع الثقافية التي تدفع الطلبة والخريجين نحو طلب العلم وخدمة المجتمع والمشاركة في دفع عجلة التقدم.

وهنا وجب أن تكون الجامعات ومؤسسات التعليم العالي مكانًا لتحسين التعاون الدولي وتنمية العلاقات والارتباطات بين الدول المتقدمة والدول النامية، والتركيز على الاقتناع الحقيقي بالعلوم الأساسية، وتعزيز الأطر القانونية والمؤسسية والتشريعية التي تشجع على البحث العلمي.

ولا أعتقد أن أيًا مما اقترحت سيتم ما لم يعتبر الطالب حياته كلها مراحل للتعليم، وأن تطوير مهاراته وإمكاناته يجب ألا يقف عند حد معين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد