يجب أن يُعاد الشكر والتقدير الخالص من قلب كل قارئ وأي باحث أدبي إلى مساعي المركز القومي للترجمة في نشر ترجمات لأعمال عظيمة وعالمية، في البداية عملتُ على فصل ترجمة الأعمال الكاملة «فيدريكو غرسية لوركا» التي أصدرها المركز على جزئين مثل فعل المركز تمامًا، قمتُ بقراءة كل جزء بمفرده حتى أعقد بينهما مقارنة حقيقية تفيد أي الترجمتين هي الأفضل.

كان القسم الأول بيد المترجم محمود علي مكي، مكون من الأغاني الأولى، أغاني قصيدة الغناء العميق، الديوان الغجري، أما القسم الثاني بيد المترجم محمود السيد علي والمترجم القدير ماهر البطوطي – الذي له جهود عظيمة في سلسلة الجوائز عن الهيئة العامة للكتاب – معًا، وقد تكون القسم الثاني من ديوان التماريت، بكائية في مصرع اجناسيو ميخيّاس، مختارات، شاعر في نيويورك،وإتباعًا لقيمة كل نص والفارق الزمني بين كل منهم وتفاوت القدرة الشعرية واللغوية لدى لوركا، قمتُ في النهاية بتقسيم قراءة الترجمة إلى عدد الدواوين، ومقال منفصل للمقارنة بين المترجمين الثلاث في نقل الشعرية الخاصة بالإسبانية إلى إطار اللغة العربية، الآن نستطيع الشروع في القراءة الأولى أي قراءة أغاني لوركا الأولى.

كانت الأغاني الأولى في عام 1922، وضعه لوركا في اثنتي عشرة قصيدة متتابعة، به قصيدة مكونة من قصيدتين؛ حيث وضع كليهما تحت عنوان واحد وهو طروس، أهداها إلى خوسيه مورينو بِيَّا وكونها من قصيدة المدينة وقصيدة القمر، وبناءً على قراءة القصائد الاثنتي عشرة أمكنني ملاحظة بعض النقاط.

النقطة الأولى في هذا النص هي الطبيعة التأملية للوركا، هناك قصائد قصيرة للغاية، ولكنها لديها قدرة تعبيرية مذهلة، مثل قصيدة بِرَك التي لم تتكون سوى بالكلمات التالية:

سَرْو
( ماء آجن )
حَوْر
( ماء بَلُّورى )
صفصاف
( ماء عميق )
قلب
( ماء حدقة )

وصف الأشياء بالماء، حتى يصل إلى وصف أن القلب له ماء خاص وهو الدمع، طبيعة النص أن تكون جميعها أقرب ما يكون إلى الأغاني – مع العلم أن بعضها كانت أغان في وقتها – لذلك كان يعمل على تقليص عدد الكلمات قدر الاستطاعة، تأملية لوركا كونت قدرة خاصة به لتكوين تصوير فريد ومختلف لكل نص تقريبًا، مثل تشبيه السرو والحور والصفصاف والقلب بالمنابع لكل منبع منهم نوع ماء مختلف.

يتبع تلك الملاحظة على هذا الديوان أن لوركا يكرر هذه الطريقة في الوصف في سائر الديوان، حتى ترى أن السطر الأول من كل مقطع مكون من سطرين في شبه تغير بينما السطر الآخر ثابت، في بعض الأحيان قد يتغير في السطر الآخر كلمة أو اثنتان مع ثبات الفكرة أو الشيء الذي يتم صفته؛ حيثُ في الأغلب ما يتم تغيره في السطر صفة أو حالًا.

ما يتبع هاتين الملاحظتين أن كتابة لوركا للشعر تبدو أقرب إلى كتابة الخواطر، حيثُ يكتب بناءً عن مشهد يتأمله وشعور يصفه، في القصيدة التي أوردتها يصف عاطفة الحزن بمشهد الينابيع واختلاف الماء من أجزاء المقارنة المُشبهين بالينابيع، وقد تحرر من تلك الأزمة حين كتابة بعض القصائد الطويلة، ويُمكن اعتبار تلك الملاحظة حالة واقعة في قصار القصائد فقط.

رابع النقاط التي رأيتها في هذا النص أنه يميل إلى استغلال الصور المادية لكي يصنع الخيال لدى القارئ، حينما يصف لوركا انتهاء الأحداث والأمور يقول:

ر أيتُ حمامتين عاريتين
كانت إحداهما هي الأخرى
وكانتا الاثنتين لا شيء

يقوم بتحريك خيال القارئ نحو أشياء مرئية قدر المستطاع لتخيل أمر في الحقيقة لم يعد موجودًا أو لم يكن موجودًا إلا افتراضًا، كما يرى الإنسان في العادة الأشياء حينما تنتهي.

استخلاصًا من الأربع نقاط يمكن قول أن لوركا قام ببناء أسلوب شعري قائم على التأمل وعرض الأمور بمقارنة في خيال القارئ بناءً على الصور المطروحة، وأن ما يعيب الأغاني الأولى هو تكرار الأمر الأخير مما يجعل أسلوبه قريب من الخواطر ويثير الملل أحيانًا؛ رغم براعة تكوين الصور، وفي النهاية يقوم باستغلال ما تراه العين لوصف ما لا تراه العين.

يُمكن أن يرى القارئ في القراءة القادمة – وحين يقرأ الديوان التالي – مدى التطور الذي سيصنعه لوركا في أسلوبه من أجل توظيف النقاط الثلاث بشكل مفيد في النظم، ومنها ستظهر صفات جديدة أيضًا في كتابته وعيوب أخرى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد