قالت «كارن أرمسترونج» في كتابها «محمد» تصف سيطرة المفهوم الحداثي والمدنية بالعقل الغربي: القرن التاسع عشر، فقد اتسم بالروح الاستعمارية التي أوحت للأوربيين بعقيدة سقيمة هي تفوقهم على الأجناس الأخرى وشعورهم بأن من واجبهم إنقاذ العالم الهمجي في إفريقيا وآسيا، وقد أدى ذلك حتمًا إلى التأثير في النظرة الغربية إلى الإسلام، خصوصًا بسبب أطماع الفرنسيين والبريطانيين في الإمبراطورية العثمانية المضمحلة. وهكذا نجد في كتابات أحد أنصار المسيحية في فرنسا، وهو: «فرانسوا رينيه دى شاتوبريان»، على سبيل المثال، إحياء للمثل الصليبي الأعلى، مع تطويعه لموائمة ا لأحوال الجديدة، بعد أن بهرته حملة نابليون، ورأى في هسمات الحجاج الصليبيين. فكتب يقول إن الصليبيين حاولوا نشر المسيحية في الشرق، وهى أقرب الأديان إلى «إذكاء روح الحرية»، ولكنهم اصطدموا في جهودهم الصليبية بالإسلام، وهو «عقيدة معادية للحضارة، وهي تشجع بانتظام نتشار الجهل والاستبداد والرق». وهكذا أصبح الإسلام من جديد، إبان التهور الذي أعقب الثورة الفرنسية، نقيضًا لما «نحن» عليه. وكان بعض نقاد الإسلام، أيام الفكر الطبقي الذي ساد العصور الوسطى، يهاجمون محمدًا؛ لأنه منح الطبقات الدنيا سلطات أكثر مما ينبغى، مثل العبيد والنساء. وقد انعكس بعد الثورة الفرنسية هذا الوضع، لا بسبب زيادة معرفة الناس بالإسلام، بل لأنه أصبح ملائمًا لما نحتاج «نحن» إليه، ولأنه أصبح «الآخر» الذي يمكن أن نحكم على إنجازاتنا بالقياس إليه.

وفي عامي 1810 و1811نشر «شاتو بريان» كتابًا لاقى نجاحًا ساحقًا عنوانه الرحلة من باريس إلى أورشليم، ومن أورشليم إلى باريس أطلق فيه العنان لخياله الصليبي في وصف الأحوال في فلسطين، فكتب يقول إن مظهر العربي أوحى بأنهم جنود بلا قائد، ومواطنون بلا مشرعين، وأسرة بلا أب، «وهم نموذج للإنسان المتحضر الذي سقط من جديد في هوة الهمجية والوحشية»، ومن ثم فإن حالهم يستدعي سيطرة الغرب؛ لأنه من المحال أن يتولوا بأنفسهم إدارة شئونهم. أما القرآن في قول إنه لا يتضمن «مبدأ واحدًا من مبادئ الحضارة، ولا فرضًا يسمو بأخلاق الإنسان»، فالإسلام يختلف عن المسيحية في أنه «لا يحض على كراهية الطغيان أو على حب الحرية»!

حاول «إرنست رينان»، عالم اللغة الفرنسي الذائع الصيت أن يقدم تفسيرًا عميقًا، لهذه الأساطير العنصرية والإمبريالية الجديدة، فقال إن العبرية والعربية من اللغات المنحطة،وهما تمثلان انحرافًا عن التقاليد الآرية، ومن ثم جمحت عيوبهما تستعصي على العلاج. وقال إنه لا ينبغي دراسة هاتين اللغتين الساميتين، إلا باعتبارهما نموذجًا للتطور الذي توقف، وإنهما تفتقران إلى الطبيعة المتقدمة والمتطورة للنظم اللغوية لدينا، ولذلك فإن كلًا من اليهود والعرب يمثلون «مجموعة متدنية من عناصر الطبيعة البشرية». ويضيف قائلا:«يشهد المرء دلائل في كل شيء على أن العنصر السامي، فيما يبدو لنا، عنصر ناقص بسبب بساطته. وإذا كان لي أن أضرب لذلك مثلًا، قلت إن مقارنته بالأسرة الهندية الأوربية تشبه مقارنة رسم بالقلم الرصاص بلوحة زيتية، فهو يفتقر إلى التنوع والثراء والاحتفال بالحياة، وهي شروط الكمال. إن الأمم السامية تشبه الأفراد الذين لا يتمتعون إلا بأدنى قسط من الخصوبة، فإذا انتهت طفولتهم السعيدة، لم يصلوا إلا إلى أقل حد من الفحولة، فلقد شهدت هذه الأمم عصر ازدهارها الكامل في مطلع حياتها، ولكنها لم تستطع مطلقًا أن تبلغ النضج الحقيقي».

وهكذا يظهر الكاتب اليهود والعرب في بوتقة واحدة، ليخرج صورة موحدة تعلي من شأن شمائلنا «نحن» وتؤكد تفوقها. ولقد كان لهذه النزعة العنصرية الجديدة عواقبها الوخيمة، بطبيعةالحال، على اليهود في أوربا؛ إذ استقى هتلر ما يلزمه من أنما ط الكراهية المسيحية القديمة في حملته العلمانية الصليبية على اليهود، فلم يكن يطيق وجود عنصر أجنبي على التربة الأوربية الآرية النقية.

لم يكن قد بقي أحد من المسلمين في أوروبا، ولكن البريطانيين والفرنسيين شرعوا إبان القرن التاسع عشر في غزو أراضي المسلمين. ففي عام 1830 قام الفرنسيون باحتلال الجزائر، وقام البريطانيون عام 1839 باحتلال عدن، وتقاسموا استعمار تونس 1881، ومصر 1882، والسودان 1898، وليبيا والمغرب 1912. ورغم ما تعهدوا به من منح البلدان العربية استقلالها، بعد هزيمة الإمبراطورية التركية، قام البريطانيون والفرنسيون عام 1920 بتقسيم الشرق الأوسط إلى مناطق تحت الانتداب أو تحت الحماية لكل من الجانبين. والعالم الإسلامي اليومي قرن الإمبريالية الغربية وجهود التبشير المسيحية بالحملات الصليبية. وهو لا يخطئ في ذلك. فعندما وصل الجنرال اللنبي إلى القدس في عام 1917 أعلن أن الحملات الصليبية قد اكتملت، وعندما وصل الفرنسيون إلى دمشق، اتجه قائدهم إلى ضريح صلاح الدين في المسجد الكبير وصاح قائلًا: «لقد عدنا يا صلاح الدين!». وكانت جهود التبشير المسيحية تؤازر المستعمرين، وتحاول تقويض الثقافة الإسلامية التقليدية في البلدان المفتوحة، كما حظيت الطوائف المسيحية المحلية، مثل «المارونيين» في لبنان بدور كبير لا يتناسب مع حجمها في إدارة البلد الخاضع للحماية. وقد يحتج المستعمرون بأنهم كانوا يأتون بالتقدم والتنوير، ولكن جهودهم كانت تستند إلى العنف والاحتقار. وقد استغرق فرض السلام في الجزائر، مثلًا سنوات عديدة، وكان المستعمرون ينقضون بوحشية على كل من يحاول المقاومة، ويشنون الغارات الانتقامية لهذا الغرض. ويصور لنا المؤرخ الفرنسي المعاصر «م. بودريكور» إحدى هذه الغارات قائلًا:«وحتى جنودنا الذين عادوا من الغارة كانوا يشعرون بالخجل؛ إذ أحرقوا نحو 18000 شجرة، وقتلوا النساء والأطفال والشيوخ». وكانت النساء أسوأ الجميع حظًا؛ إذ كن يتزين بالأقراط والخلاخيل والأساور الفضية فأثرن الطمع فيها، ولم تكن لها مفاتيح مثل مفاتيح الأساور الفرنسية، بل كانت توضع حول المعاصم، والكواحل، في الطفولة، فإذا كبرت الفتاة ونمت أعضاؤها لم تتمكن من نزعها، ولم يستطع جنودنا أن يحصلوا عليها، إلا بقطع أطراف النساء وتركهن على قيد الحياة، وقد تشوهت أجسامهن.

وقد أظهر المستعمرون ازدراءهم الراسخ للإسلام، فانتقد اللورد «كرومر» في مصر الإسلام. وأعلن أن الإسلام عاجز عن إصلاح نفسه، وأن العرب عاجزون عن بث حياة جديدة في مجتمعهم. وقد فسر ذلك في كتابه الأساسي الذي يقع في مجلدين، وعنوانه «مصرالحديثة»، بقوله: إن «الشرقي يتسم بنزعة طفولية، لا رجاء في تغييرها، ويعتبر النقيض الكامل لما نحن عليه»!

كرومر، اللورد كرومر، ذلك الإنجليزي الذي حكم مصر لمدة ربع قرن بشكل مباشر، منذ بداية الاحتلال عام 1882 إلى استقالته 1907, بعدها نشر خطته الأيديولوجية والفكرية في تغيير مصر من دولة إسلامية متخلفة إلى دولة مدنية حديثة, كان مفهوم الحداثة ملازم للاستعمار والمستعمرة، كان هناك نموذج لدى الغرب على ما يجب أن يكون عليه البشرية, أن يكونوا أتباع الجنس المتفوق, شعب الله المختار, لذا يعد كرومر من أهم الرجال الذين حكموا مصر في تاريخها؛ يكفي أن ما نعيشه اليوم من نظام كان هو مؤسسه!

في البداية جعل كرومر كل السلطات بيديه, بداية من الخديوي إلى سلطة المجالس النيابية والتشريعية, ظل كرومر وأفكاره عراب للحياة الثقافية في مصر, فهو أول من زرع وأكد الفكرة الإقليمية لمصر، كمقولته «مصر للمصريين»، وكمقولته الأخرى أن مصر عاشت تحت الاحتلال طوال عمرها منذ اليونانيين والرومان، ثم العرب والترك، ولم يحكموا أنفسهم بأنفسهم! كان يسعى إلى زرع الفكرة الإقليمية لمستعمرته المصرية بكل ما أوتي, يقول اللورد كرومر: «إن الدين الإسلامي دين جامد، لا يتسع صدره للمدنية، ولا يصلح للنظام الاجتماعي»، ويقول: «إن ما لا يصلح له الدين الإسلامي يصلح له الدين المسيحي»، ويستدل على الإسلام بالمسلمين، وعلى المسيحية بالمسيحيين.

بدأ في نشر الإرساليات التبشيرية بمصر , ذكر بأن مسيحيي مصر أكثر تقبلاً للمدنية من العقل الإسلامي الرجعي, تبنى المثقفين المسيحيين، من أمثال مرقص فهمي.

بالرغم من أن كرومر كان ببلاده الإنجليزية عدواً للمرأة وحقوقها، إلا أنه عندما حكم مصر عمل كثيراً على نشر السفور؛ بدعوى تحرير المرأة، ومهاجمة الحجاب، وتعدد الزوجات والطلاق، وكل هذه الأشياء المتخلفة، برأيه , فعمد ربيبه مرقص فهمي المسيحي على نشر كتاب: «المرأة في الشرق»، هاجم فيه الحجاب الإسلامي، ودعا إلى خلعه، وحث المرأة على الخروج من منزلها، والاختلاط، ولكنه لم يلق رواجًا, فعمل كرومر على خطوة مهمة من خطواته الحداثية: وهي إنشاء جيل من الأفندية يدينون بما تدين به الحداثة الغربية؛ فيكونوا زراعها بهذا المجتمع, قال كرومر: «إن هؤلاء هم حلفاء الأوربي المصلح, وسوف يجد محبو الوطنية أحسن مثل في ترقي أتباع الشيخ محمد عبده للحصول على مصر مستقلة بالتدريج».

قد وجد كرومر في محمد عبده ضالته المنشودة, التحديث في الإسلام, أو التجديد, قال كرومر: «لن يستطيع التغلب على الإسلام، إلا الإسلام الإصلاحي, لقد كان محمد عبده تلميذًا لجمال الدين الأفغاني، في أفكارهم التحررية تمامًا، في الدين ومن الدين, فيكفي أن نقول: «إن محمد عبده هو صاحب فتوى الحجاب ليس من الدين»!

ومعروف أن المندوب السامي البريطاني اللوردكرومر كان صديقًا لمحمد عبده, كان كرومر دومًا يشكو من تحجر الفقه الإسلامي، واعتبار الشريعة كالقرآن في قدسيتها، أنشأوا سويًا كلية لتخريج قضاة الشرع المسلمين، يدرس فيها مجموعة من العلماء ذوي الطابع التحرري التحديثي والتي يقول عنها:«إنها كلية أثبتت نجاحها من كل الوجوه»، وهذا المشروع آخر ما شهده محمد عبده في حياته , كان محمد عبده يدعو للوحدة بين الأديان في دين واحد، وكان يدعو المرأة للخروج والاختلاط بالمجتمع، وكان ينتقد بجرأة مبدأ «الولاء والبراء» ومفهوم دار الإسلام، ودار الكفر، وغيرها من رواسخ الإسلام الأصولية, بعد كتاب مرقص فهمي عن المرأة في الشرق, أنتج قاسم أمين تلميذ محمد عبده كتابه عن تحرير المرأة؛ يدعو أيضًا لخروج المرأة، ونزع الحجاب، وقيل: «إن محمد عبده هو من كتب هذا الكتاب», شرع كرومر في إنشاء الجرائد والصحف، كـ«المقطم» التي تدعم هذه الأفكار، وتقدم هؤلاء المتحررين, وإلقاء الضوء، على رموز من هؤلاء المتنورين، كرجال أفذاذ ونموذج «نازلي فاضل» المرأة التي خلعت الحجاب وأختلطت بالرجال، وغيرها!

ثم عمد إلى أخطر خطوة تحديثية لكرومر رسول المدنية إلى مصر، وهي: القضاء على الأزهر، وإنشاء التعليم المدني في مصر!

فشلت الإرساليات التبشيرية في مصر والسودان, فعمد كرومر والقس التبشيري «دانلوب» على تأسيس نظام مدني يحقق أهدافهم، دون مباشرة, تولى دانلوب وزارة المعارف، وأنشأ لأول مرة تعليمًا موازيًا للأزهر, التعليم المدني، جعله الطريق الوحيد للوظائف، وأضفوا عليه مكانة اجتماعية كبيرة, فالمتخرج من التعليم المدني يعين فورًا بدواوين الحكومة براتب يساوي أربعة جنيهات، وهو ما يوازي أربعة آلاف اليوم، أو أكثر، وهي ثروة بالنسبة لهذا الزمن, بينما الأزاهرة ـ لهم الله ـ لن يجدوا للوظائف والحياة العلمية سبيلاً!

فبعد أربع سنوات يخرج الأفندي؛ ليوظف بمرتب خيالي؛ ليصير من الأعيان، بينما خريج الأزهر، الذي يقضي عشرين سنة في التعليم، لا يجد ربع ما يحصله هذا الأفندي, صارت حياة الأفندية جنة أحلام المصريين بهذا الوقت, تم القضاء على اللغة العربية الفصحى، فمدرسها أقل المرتبات، وأقل في المكانة الاجتماعية، بينما مدرس الموسيقى والألعاب أفضل منه, كان القس دانلوب وكرومر يحثان على الكتابة باللغة الإنجليزية، وبدأ كرومر يطلق أفكاره التنويرية عن جمال «اللغة العامية المصرية»، وحث على الكتابة بها، وأن تصير لغة الكتابة، والتعامل بها بدلًا من الفصحى! كان كرومر والقس دانلوب يتشاركان في كراهية كبيرة جدًا للقرآن الكريم، فيقول كرومر: «إن القرآن هو سبب تخلف المسلمين، وعدم استيعابهم للمدنية»، ويقول القس دانلوب: «متى توارى القرآن ومدينة مكة من بلاد العرب يمكننا حينئذ أن نرى العربي يتدرج في سبيل الحضارة».

ولكن الأخطر في الأمر ليس الحرب الشرسة التي قادها القس دانلوب ضد الإسلام والقرآن واللغة العربية بالتعليم المدني، وكذلك باستقدام المستشرقين الكارهين للإسلام لمصر؛ لبداية مسيرة التنوير كما أسموها, إنما الدافع الأساسي كان احتقارًا للمسلمين، وتدميرًا لمصر، وللأمة الإسلامية كلها.

قد سجل ذلك «كرومر» في تقريره سنة 1907 (أنّ إنجلترا لا تريد نشر التعليم العالي في مصر، وأنّها لا تريد، إلاّ إعداد جمهور من طبقة الأفنديةح ليشغلوا الوظائف الثانوية في الحكومة، وأنّ المصريين لا يصلحون للعلوم العالية، وأنّ زيادة التعليم تصرف عن فلاحة الأرض، وتعود على مصر بالإفلاس).

كان هدف كرومر الأساسي ليس تدمير الأزهر والهوية وحسب، بل تدمير الاقتصاد المصري، وضربه في عموده الفقري، وهو الزراعة!

أنشأ كرومر حزب الأمة, برئاسة لطفي السيد وكانت له جريدة اسمها «الجريدة», دعت للسفور وخلع الحجاب، وكان الشيخ محمد عبده وتلاميذه من رواد إنشاء هذا الحزب الإنجليزي الذي أنشئ خصيصاً لمناهضة الحزب الوطني, حزب مصطفي كامل، ذلك الشاب الثائر في وجه الإنجليز، المتمسك بالقيم الإسلامية، والتبعية للخلافة، والمناصر للحجاب، والمواجه الشرس ضد التغريب، والدعوة لخلع الحجاب, كان يطالب بالجلاء التام أو الموت, كان يدعو للجهاد بكل السُبل الممكنة لمواجهة الاحتلال, تبنى اللورد كرومر أحد تلاميذ صديقه محمد عبده، وهو صهر أحد أكبر أعوان الإنجليز سعد زغلول, عينه بوزارة المعارف، وشرع سعد زغلول في رفض تكوين جامعة للتعليم العالمي في مصر, وحينما طالبت الحكومة في مارس 1907 بجعل التعليم في المدارس الأميرية باللغة العربية، وكان وقتئذ بالإنكليزية، وكان الاحتلال هو الذي أحل اللغة الإنكليزية محل العربية في التدريس».

وبعد تعيينه وزيرًا أراد مجموعة من النساء المصريات في القاهرة أن يجتمعن به؛ لأمر من الأمور فدخل عليهن وبهت؛ إذ فوجئ بأنهن يسدلن الحجاب على وجوههن، فرفض الدخول والاجتماع بهن، إلا أن يكشفن وجوههن فأبين ذلك، ولم يحصل الاجتماع!

علق الزعيم مصطفى كامل على مواقف سعد زغلول  عام 1907 قائلًا: «إن الناس قد فهموا الآن أوضح مما كانوا يفهمون من قبل: لماذا اختار اللورد (كرومر) لوزارة المعارف العمومية صهر رئيس الوزراء مصطفى فهمي باشا، الأمين على وحيه، الخادم لسياسته .. ألا إن الذين كانوا يحترمون الوزير كقاضِ ليأسفون على حاضره كل الأسف، وليخافون على مستقبله كل الخوف ويفضلون ماضيه كل التفضيل؛ ذلك لأن الوزير قائم الآن على منحدر هائل مخيف».

ولنختم بماكتبه سعد زغلول عن اللورد كرومر، قال: «كان يجلس معي الساعة والساعتين، ويحدثني في مسائل شتى كي أتنور منها في حياتي السياسية»، «وكان يصفه بأن صفاته – أي كرومر- قد اتفق الكل على كمالها».

ويحكي «سعد» في مذكراته وقع خبر استعفاء كرومر من منصبه (11/4/1907) عليه فيقول: «أما أنا فكنت كمن تقع ضربة شديدة على رأسه أو كمن وخز بآلة حادة فلم يشعر بألمها؛ لشدة هولها … لقد امتلأت رأسي أوهامًا، وقلبي خفقانًا وصدري ضيقًا».

ودع كرومر مصر ناجحًا, قام بمجزرة كان قضاتها من أفنديته, نجح مصطفى كامل أن يفضح بعض خزيه أمام شعوبهم بأوروبا، فاستقال بعد ربع قرن من الزمان من حكم مصر, لقد حول مصر للحداثة والمدنية, لكنه نجح، ففي كل مكان ستذهب إليه سترى كرومر, في كل فتاة متبرجة بالشوارع سترى كرومر, في نظام التعليم سترى كرومر, مازالت قوانين وأنظمة كرومر تطبق إلى الآن, كرومر هو رمز المدنية وهو رمز الحداثة والتقدم، ولو بعث كرومر من جديد، ورأى حالنا ليسر سرورًا عظيمًا بما فعله بنا.

توفى الزعيم مصطفى كامل، وحاول الحزب الوطني، أن يتمسك بالمبادئ، ويدافع عن الحجاب والمرأة والخلافة, في مواجهة سعد زغلول ورفاقه الليبراليين, في ذكرى وفاة الزعيم مصطفى كامل 1914 تقريبًا  كان سرادق مصطفى كامل يدافع عن الحجاب والقيم الإسلامية، وكان سرادق لسعد زغلول يهاجمه، فهوجم سرادق أنصار الزعيم مصطفي كامل، وانتهت بهذه الطريقة أفكار الحزب الوطني، حتى تجلت بجامعة الإخوان المسلمين بعد ذلك بسنوات، ولكن بطريقة حسن البنا.

وختاماً أذكر ما ذكرته «صافيناز كاظم» بجريدة «الشرق الأوسط» عن دهشتها أن حفيدة كرومر اعتنقت الإسلام في سن 23، ورجعت من الحج محجبة في مفارقة الأقدار أن يخرج من صلب كرومر محجبة!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

مصر الحديثة - كرومر
عودة الحجاب - محمد اسماعيل المقدم
رسالة في الطريق إلي ثقافتنا - محمود محمد شاكر
عرض التعليقات
تحميل المزيد