ليسوا هم الملحدين أو المشككين في وجود الله، ولا الفلاسفة الذين أعلنوا موت الإله أو شبهوا دينه بالأفيون؛ فأثَر هؤلاء لا يتعدّى دوائرهم، وإنما قتلة الرب هم هؤلاء الذين احتكروا الحديث باسمه، وعيّنوا أنفسهم وكلاء حصريين لدينه، فهم وحدهم القادرون على تفسير كلمة الرب واستكناه ما لم يقله، بل والبتّ في كل الأمور والتفاصيل الدقيقة في حياة البشر باعتبار أن الإنسان ماكينة تحتاج إلى كتالوج دقيق يصف كل همسة تصدر عنه.

 

وهم يقتلون الرب بإحدى طريقتين:
الأولى: عدم إجادة التعامل مع نوعية من البشر تتسم بالإبداع وعدم الاستسلام للمسلمات، فهم يملكون عقولاً نابهة قادرة على التحليل وإثارة الأسئلة المؤرّقة؛ مما يجعلهم غير قادرين على تَقَبُّل إملاءات سدنة المعبد وكهنة الرب، والذين لا يطيقون إثارة الأسئلة والتشكيك فيما يأتون به، والذين يجعلون من أقوالهم كتابًا مقدّسًا يضاهي كلام الله.

 

من خالفه أعلنوا كفره وخروجه عن صراط ما هو معلوم من الدين بالضرورة، فحاربوه حتى ولو أرغموه على اتباع ملّتهم بدون اقتناع؛ ونتيجة ذلك قتل الرب في نفوس هؤلاء وعقولهم، حتى باتوا يحكمون على الدين بأفعال من صدّروا أنفسهم كمتحدثين نيابة عنه.

 

مما يدفع هؤلاء المؤمنين العقلاء إلى محاولة شق طريقهم نحو الله بأنفسهم ولا ينجحوا في شقّ هذا الطريق قبل مرحلة مُرْهِقَةٍ من الشك والتحيّر من يدخلها لا يأمن لنفسه سلامة الخروج منها، فربما خرج منها وقد قُتِلَ الرب في نفسه، وربما خرج بنفس حيرته وشكِّه، وربما خرج مؤمنًا ذا روح متَّقِدَةٍ عامرة بالإيمان الحقيقي، ولكن هؤلاء النابهين هم قِلّة في عالم المؤمنين.

 

الثانية: إغراق المؤمنين في تفاصيل لا نهائية من عقيدة مُرَكَّبَةٍ تستعصي على الفهم والإدراك مما يَصُبُّ في مصلحة كهنة الرب الذين يملكون وحدهم القدرة على تفسير هذه المغاليق، وإغراقهم في تفاصيل لا نهائية للطقوس الدينية.

 

 

مما يُحَوِّلُ الطقوس إلى حركات خالية من الروح والخشوع، يراقب فيها مؤدي الطقوس كل حركة وسكنة له أثناء تأدية الطقس، حتى لا يخرج عما نحتوه له من طريقة مثلى لا يتقبّل الرب غيرها.

 

وبهذا يقتل ما في نفسه من إحساس بالعلاقة الروحانية مع ربه، فتنفصل جرّاء ذلك حياته عن طقوسه ، وأخلاقه عن عباداته، فنرى تمسكًا بالطقوس وشكليّاتها وانفلاتًا في الأخلاق والتعاملات مع الآخرين، أمّا الطّامة الكبرى ففي إغراق الأتباع في التفاصيل اللانهائية للتعاملات الحياتية اليومية حتى يصير كل تابعٍ محتاجًا لرجل دين يستفتيه في كل دقيقة من دقائق حياته.

 

وكل هذه التفاصيل على اختلاف مجالها تخلق مؤمنًا مفصولاً عن الرب لا يشعر بعلاقة معه، يحجزه عنه حاجز، ويدخل معه في علاقة مشوشة ضاغطة ليس لها تأثير في نفسه أو في أخلاقه وتعاملاته.

 

هنا يتحول الدين من خادم قيّده الرب لخدمة الإنسان ليجمّل حياته ويصرفها نحو السلام والتسامح والتكافل بين أبناء الرب جميعًا مهما كان اختلافهم في تصورهم ورؤيتهم له، إلى أن يصير الإنسان هو الخادم المقيّد الذي عليه أن يضع الدين ( أو بالأحرى النسخة الكهنوتية للدين ) فوق إنسانيته وفطرته.

 

 

وبالتالي يصبح من اليسير على مثل هذا المتدين المستنسخ أن يقبل ما لا يقبله العقل أو الفطرة أو الإنسانية؛ فيقبل أن يقتل باسم الدين لمجرد المخالفة، وأن يشعر بأن الكون كله يدبّر مؤامرة عليه وعلى دينه، وألا يقبل بحرية العقيدة وحرية الآخرين في اعتقاد ما يريدون، وأن يعترف بالكثير من الخرافات والأساطير فقط لأن رجال الدين أقنعوه بأن هذه الخرافات والأساطير هي من ضمن كلام الرب للبشر.

 

وبالطبع فإن ذلك يضفي على رجال الدين مكانة عظمى تجعلهم مهابي الجانب، مسموعي الكلمة، مكتنزين للمال، يمدون أياديهم للأتباع ليقبلونها نيلاً للبركة، ذوي لحوم مسمومة لا تقبل النقد بل يُعَدّ النقد في حالتها خروجًا عن الدين وطاعة الرب.

 

ولذلك يكونون هم أول المقاومين لأي فكر ينادي بالتغيير ويطلب إعادة النظر، ومقاومتهم تلك تحمل دائمًا الإقصاء بالتكفير والتجهيل والرمي بعدم التخصص دون الولوج إلى مناقشة الآراء التي تنادي بالتغيير؛ نظرًا لعدم امتلاكهم القدرة على مواجهة الرأي بالرأي لضعف الحجة والافتقار إلى الدليل، علاوة على الكِبْر للشعور بامتلاكهم للحقيقة المطلقة؛ لذلك يلجأون إلى تقديس آرائهم حتى لا يملك أحد رفاهية نقدها.

 

ولكن التغيير قادم لا محالة، وعروش رجال الدين عرضة للانهيار أمام طوفان التغيير القادم، فمن كان مخلصًا وفاهمًا منهم يجب أن يدرك أن مهمته الأساسية الآن ليست الحفاظ على مكانة رجال الدين بقدر ما هي تقديم النسخة المطوّرة للفكر الديني، النسخة الملائمة للظرف القائم من زمان ومكان، وذلك بالطبع ليس بتغيير الدين (لأن الدين لا يتغير)، ولكن بتغيير أسلوب التعامل مع الدين وما ينتجونه من فكر بشري مُسْتَقَى من الدين قابل للصواب والخطأ.

 

أقول هذا الكلام عن الأديان على وجه العموم، ولكن عيني لا تستطيع أن تغادر المأزق الذي وقع فيه المسلمون في عصرنا، حيث صاروا يعانون في تعاملهم مع الفكر الديني وكهنوته بصورة انعكست سلبًا على حال الإسلام بينهم.

 

وصار ناقوس التغيير يدق بشدة حتى أسمع به آذانًا صُمًّا، فإذا آمَنّا أن سفينة الإسلام لا تغرق بحفظ الله لها إلا أننا لا نضمن أن يستبدلنا الله بقوم آخرين يستطيعون أن يعيدوا للإسلام بهاءه الذي طمسناه، فلا تقتلوا الربّ في نفوس خلقه، ودعوا الدين يطهر النفوس التي أهلكتها تفاصيلكم، حتى صارت الإنسانية عملة نادرة، رغم أن الربّ زرعها في نفوسكم في نفخته الأولى بكم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

إسلام, دعوة
عرض التعليقات
تحميل المزيد