من ثمرات جمعة الأرض في ١٥ أبريل ٢٠١٦ أنها تمكنت من توجيه رسالة بالغة الأهمية، وهي أن هناك أصواتًا مختلفةً يمكن تواجدها في الأفق وتستطيع أن تقول لا، وهي الرسالة التي يمكن أن يستقبلها الرئيس عبد الفتاح السيسي بشكلها الإيجابي؛ لأن قوام المظاهرة المفاجأة من الشباب الذي ينبغي التواصل معه واحتواؤه ويمكن أن يصنع الكثير وغيابه خسارة للنظام نفسه؛ لأن غياب الصوت المعارض هو غياب لمشروعية أي نظام يؤمن بالصوت الواحد.

الكرة الآن في ملعب النظام بأن يعتبر ما حدث كأن تم إعطاؤه هدية عبارة عن  مرآة يستطيع أن يرى فيها ما لا يمكن أن يراه من مؤيديه، وذلك رغم أن المظاهرات التي خرجت لا يمكن أن تسقط النظام، لكن الصرخة توجب سماعها والتعاطي معها يحدد مستقبل هذا الوطن.

ومن عيوب جمعة الأرض هي الهتافات غير الموفقة والتي استهدفت الرئيس وبيته، وهي من الأخطاء التي يجب مراجعتها؛ لأن الشخصنة توحي بفساد القضية التي يعبر عنها الشباب، وهي تمنع التعاطف الشعبي الذي سيسعى هؤلاء لاجتذابه لزيادة مساحات التظاهرات المقبلة وعددها؛ لأن هذا الرئيس هو نفسه الذي هتفت له الملايين في ربوع مصر منذ سنتين، وهو نفسه الذي طالبته القوى الثورية والمعارضة بالتدخل في 30 يونيو وما يزال يتمتع بالأغلبية الشعبية غير المسيسة وهذا يفسر الإحجام عن النزول من قطاعات المجتمع الأوسع واقتصارها على فئات وحركات شبابية.

الرهان الذي يتوجب على الشباب التعاطي معه هو الإصلاح ومحاولة التفاعل إيجابيًّا مع القضايا المختلفة وليس إسقاط النظام؛ لأنه في جميع الأحوال نحن خاسرون سواء أبقي النظام وخسارة تلك الطاقات المحبة لوطنها، أو سقط النظام وخسرنا تلك الخطوات التي مشيناها في الحفاظ على ثبات تلك الدولة واستقرارها؛ لأنه لا يبدو بديلًا في الأفق سوى أن يأتينا نظام داعشي يملك أدواته في مخاطبة الجماهير، أو تعم الفوضى وتصعب ساعتها السيطرة على البلاد في وجود فصيل من داخلنا سيتخذ من الجيش عدوًا وسيعمل على إسقاط كل مؤسسات المجتمع، وهو نفسه الذي يتحدث الآن بكل مشاعر الانتقام لمن كان سببًا في إعطاء الشرعية لإزاحته من السلطة والتنكيل به بحسب اعتقاداتهم.

دعونا نتكلم بصدق ونعرف الأخطاء التي وقعنا فيها جميعًا؛ لأن السلطة استخدمت الإخوان كشماعة في تغييب المشهد الحقوقي، وكم من مرة قلنا إن قانون التظاهر كان معيبًا لأنه لا يعقل حجب حرية الاحتجاج من نظام جاء هو عبر الاحتجاجات، وتلك كانت أول شرارة في تصدع العلاقة بين نظام ٣ يوليو والشباب، والدولة الجديدة لم يكن لها أن تبالغ في فرض التهم جزافـًا على كل من حاول التعبير عن رأيه؛ لأن هذا الصوت المختلف هو الضمانة الحقيقية للتطور والبقاء وليس مجرد السماح بوجوده ولكن بالتفاعل معه وسماعه والتحاور مع أفكاره، لكن نظرية أنا أعرف كل شيء وأفهم كل شيء لن توصلنا لبر الأمان، بل ستصبح خطرًا علينا جميعًا.

ما كان يجب للسلطة الانتقاء في المبادئ ومحاولة حظر جماعة الإخوان المسلمين بتلك الصورة ابتداء من عدم التفرقة بين السلمي والمهدد بالعنف، أو بمن مارس عنفـًا لأن هؤلاء مصريون لهم الحقوق نفسها وعليهم الواجبات نفسها والدولة بممارستها أخرجتهم من دائرة الوطن، وتصنيفهم بالإرهاب زاد من المتاعب؛ فبدلًا من محاولة ضمهم للصف الوطني خسرناهم جميعًا وخسرنا معهم مبادئنا التي أتاحت للبعض بالفرح في مقتل هذا وذاك أو في اعتقال السيدات والبنات لمجرد أنهم عبروا عن آرائهم في رفض بعض الممارسات أو المطالبات، وهؤلاء تركهم وضمان أمنهم لم يكن ليضير السلطة في شيء سوى أنها ستكون كسبت بعدًا متطورًا في احترام أبسط الحقوق الإنسانية وعدم المعاقبة عليها.

أما جماعة الإخوان المسلمين وشركاؤها فقد خسروا كثيرًا بعد ٣ يوليو بعدم القراءة الصحيحة للموقف على الأرض، وعدم التراجع خطوة للخلف؛ لأنه في زخم الانتفاضة الشعبية والانتشاء والفرح للكتلة الأوسع في المجتمع بعزل الرئيس السابق محمد مرسي، وتمكن الجيش من السيطرة على مقاليد الأمور، كان يجب أن يفهموا أن الحكمة كانت لتقتضي التنازل والعودة خطوة للخلف، لاسيما وأنهم كان من الممكن أن يكونوا جزءًا من مشهد ٣ يوليو لكن الشرعية التي أصروا عليها قد خسروا الأرواح الكثيرة من ورائها وتم الزج بقاداتهم إلى السجون، وكانت النتيجة أن تحولت لكيان يناصب المجتمع العداء بكل ما تحمله الكلمة من معنى، ويكفى الدعاء الذي تلهج به ألسنتهم على من كان سببًا في إقصائهم من شعب ٣ يوليو.

استصغار قيمة النفس في عيون هؤلاء القادة منعهم من التراجع وحماية أبناء جماعتهم من القتل والسجن باسم الشرعية، وكان خطابهم محرضًا على الشهادة أكثر منه دعوة للتعقل وتقدير الموقف على الأرض، ومن المؤكد أن الخوف على كيان الجماعة كان أغلى لديهم من أرواح أبنائهم وبناتهم، رغم أن العقل ودروس التاريخ الذي يعرفونه جيدًا كان ليقول بأن الدولة كانت أقوى منهم، وميزان القوى انتقل من جانبهم بحيث صار الاستمرار في التحدي والعناد وعدم القدرة على الرؤية السليمة، كالانتحار المقصود لأن ما إن تفتقد أدوات القوة ويخرج الملايين ضدك في الشوارع ولا تراهم فأنت تعاني من وهمًّا كبيرًا اسمه الشرعية التي أسقطها الشعب في ٣ يوليو.

من المؤكد أن الوطن ليس هو ما تؤمن به ولكن ما نؤمن به جميعًا، والكذبة الكبرى التي كذبها قاداتهم وصدقها أبناؤهم هو الربط بين ما حدث في ٣يوليو وما يحدث لهم هو خداع رخيص؛ لأنه إذا كان الأمر كذلك فحق لأبناء مبارك أن يفرحوا في كل مصائبنا لأننا أزحنا مبارك في ٢٥ يناير، وهم يفرحون في كل مصائبنا ثم يقولون لنا هذا لأنكم أقصيتم رجلًا كالدكتور مرسي، وهو تسلط في التفكير لا يختلف كثير عن العصر المباركي؛ لأن جوهر هذا التفكير لا يؤمن بالديموقراطية ولا بحق الفرد في التعبير عن رأيه «حتى داخل جماعتهم ذاتها» ورفض حاكمه ثم يقولون لك إن ثورتك اشترك فيها أبناء مبارك والفاسدون، وهو تفكير في جوهره إقصائي ومفرق بين أبناء المجتمع أيًّا كانت توجهاتهم، والمدهش أن كلا النظامين مبارك ومرسي لم يؤمنا بحرية التعبير والتظاهر وكلا النظامين أطلق لفظ العمالة والخيانة على من تظاهر ضدهما، فحق عليهما نزول الجماهير في الشوارع والميادين لأنه لا أحد يستطيع أن يسكت صوتـًا إلا ضعف نظامه لافتقاده المرآة التي سيرى نفسه فيها.

أما شباب الثورة والحركات السياسية والحقوقية فأبسط ما يمكن أن يقال هو أنهم لم يتعلموا من الثورة سوى الاحتجاج والتظاهر ولم يفهموا منها سوى الاعتصام، والإدانة والحقيقة أنهم أفلتوا الفرصة في ٢٥ يناير حين رفضوا ممارسة السياسة وتوقف نموهم عند التظاهر في الشوارع والهشتاج ومواقع التواصل المختلفة ولم يفهموا أن الدول لا تبنى هكذا، وإنما هناك مسارات رفضوا أن يمشوا فيها ابتداءً من انتخابات مجلس الشعب ٢٠١٢، وفضلوا الاعتصام في ميدان التحرير، ولم يكسبوا الجماهير لخطابهم الإقصائي الذي لم يستوعب أبناء نظام مبارك، وعدم التفرقة بين من أفسدوا الحياة السياسية وقتها وبين من انضم ولم يثبت عليه شبهة الفساد والتربح واستغلال النفوذ، وفي عهد مرسي لم يتفاعلوا سياسيًّا ورفضوا حتى الحوار السياسي معه ونزلوا أمام مقرات الجماعة وكأن قاموس الديمقراطية لديهم ليس فيه سوى الاحتجاج والتظاهر.

إن إسقاط الأنظمة لعبة خطرة والرهان عليها مقامرة لكن المؤكد أنه في حال وجود أخطاء لا بد من التصويب، وجمعة الأرض رسالة وصرخة في الوقت نفسه، لكن من يستطيع فك شفرتها، الرئيس أم البرلمان أم المجهول الذي نخشاه جميعًا؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

رهان
عرض التعليقات
تحميل المزيد